لم يعد تنظيم “داعش” يسيطر على مساحات واسعة في سوريا كما كان خلال سنوات تمدده، لكن انحسار سيطرته الجغرافية لم ينهِ قدرته على تنفيذ الهجمات، ولا سيما في البادية ودير الزور. وتظهر حصيلة عمليات التنظيم خلال عام 2026 أن الخلايا النائمة ما تزال قادرة على استغلال الفراغات الأمنية وتنفيذ كمائن واغتيالات وهجمات ضد الحواجز والنقاط العسكرية.
وتكتسب دير الزور أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها تمتد بين مناطق مأهولة وواسعة من البادية وصولاً إلى الحدود العراقية، فيما توفر طبيعتها الصحراوية مساحة للتحرك والاختباء.
35 هجوماً خلال أشهر.. والعسكريون في مقدمة الضحايا
نفذ التنظيم منذ بداية العام 35 هجوماً في المحافظة، أسفرت عن مقتل 17 شخصاً، بينهم 10 عسكريين وعنصران من التنظيم و5 مدنيين، بينهم طفل، وإصابة 10 آخرين، بينهم 8 عسكريين ومدنيان، بحسب آخر توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان.
سجل شباط/فبراير أعلى حصيلة للهجمات خلال الفترة الموثقة، مع 9 عمليات أسفرت عن مقتل 5 أشخاص، بينهم 3 من القوات العسكرية وعنصر من التنظيم ومدني، وإصابة عسكري. وفي آذار/مارس، ارتفع عدد العمليات إلى 11، وأسفرت عن مقتل 3 أشخاص، بينهم عنصران من قوى الأمن الداخلي ومدني، وإصابة عنصر من وزارة الدفاع.
وفي نيسان/أبريل، سجلت المحافظة 3 عمليات، أدت إلى مقتل عنصر من وزارة الدفاع وإصابة عنصر آخر ومدني. أما أيار/مايو، فسجل 5 عمليات أسفرت عن مقتل ضابط في وزارة الدفاع ومسؤول الأمن الدبلوماسي في الحكومة الانتقالية راتب الهاشم العطيوي، وإصابة عنصر آخر.
وفي تموز/يوليو، وقعت 6 عمليات أسفرت عن مقتل مدنيين وعنصر من التنظيم وإصابة 3 عناصر، إلى جانب إصابة طفل. وفي آب/أغسطس، سُجلت عملية واحدة أسفرت عن مقتل عنصرين وإصابة عسكري، فيما توفي طفل متأثراً بإصابته في إحدى هجمات الشهر السابق، لترتفع حصيلة قتلى الشهر إلى 3 أشخاص. وبذلك بلغ متوسط الهجمات نحو 6 عمليات شهرياً، مقابل نحو 3 قتلى شهرياً خلال الفترة المذكورة.
سيطرة حكومية واسعة.. وثغرات أمنية
تأتي هذه العمليات في وقت توسعت فيه سيطرة الحكومة الانتقالية على دير الزور خلال كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، بعد انتقال مناطق كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى سلطة دمشق.
وتقول وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إن المحافظة شهدت خلال الفترة نفسها فجوة أمنية، بعدما حال الانسحاب السريع لـ«قسد» دون انتقال منظم لعمليات مكافحة التنظيم، فيما سعت الحكومة إلى سد الفراغ عبر إنشاء مراكز لتجنيد الشرطة. كما وثقت الوكالة 26 هجوماً للتنظيم في مناطق خاضعة للحكومة بين شباط/فبراير و17 أيار/مايو، أسفرت عن مقتل 10 أشخاص، بينهم مدنيان.
ولا يبدو أن توسيع السيطرة الإدارية والعسكرية للحكومة تحول حتى الآن إلى قدرة أمنية متماسكة على الأرض. فالقوات التي جرى دمجها في الجيش الجديد احتفظت إلى حد كبير ببنيتها القيادية السابقة، مع استمرار اعتماد التشكيلات الجديدة على فصائل مسلحة أُعيد إدماجها ضمن مؤسسات الدولة. وفي دير الزور تحديداً، لا يقتصر المشهد الأمني على خلايا التنظيم، بل يشمل أيضاً توترات عشائرية وهجمات لمسلحين مجهولين، ما يعكس هشاشة البيئة الأمنية في المحافظة.
وتؤكد الحصيلة أن فقدان “داعش” السيطرة على الأرض لا يعني انتهاء خطره، إذ انتقل إلى نمط يعتمد على الخلايا الصغيرة والهجمات المحدودة، مع تركيز واضح على القوات العسكرية والأمنية واستمرار وقوع ضحايا مدنيين.
وفي هذا السياق، يبرز قصور الحكومة الانتقالية في تحويل السيطرة العسكرية السريعة على المحافظة إلى منظومة أمنية مستقرة وقادرة على حماية السكان، خصوصاً في المناطق الريفية والبادية. وتبقى مواجهة التنظيم بحاجة إلى ملاحقة أمنية دقيقة، إلى جانب معالجة البيئة التي تسمح بإعادة تجنيد العناصر واستمرار التطرف، بدلاً من الاكتفاء بإعلان السيطرة على المناطق.

