في الوقت الذي كانت تستعد فيه دمشق لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة حظيت باهتمام سياسي وإعلامي واسع، بدا المشهد وكأنه يحمل رسالة مختلفة عن السنوات الماضية. رئيس فرنسي يزور العاصمة السورية بعد سنوات طويلة من القطيعة، ولقاءات رسمية تتحدث عن بدء صفحة جديدة، وانفتاح سياسي، وفرصة لإعادة سوريا إلى واجهة الاهتمام الدولي.
لكن المشهد لم يبقَ على صور الاستقبال طويلاً. فمع تداول أنباء عن انفجار ثلاث عبوات ناسفة في محيط الفندق الذي أقام فيه ماكرون، تحوّل سريعاً النقاش من الزيارة نفسها إلى سؤال آخر: ماذا تقول هذه الحادثة عن الواقع الأمني في سوريا؟ وهل جاءت في توقيت عابر، أم أنها وضعت السلطة أمام أول اختبار حقيقي في مرحلة تحاول فيها إقناع الخارج بأن البلاد دخلت مساراً مختلفاً، وبأن البلاد تتجه للاستقرار والأمن؟.
المفارقة تكمن في أن الزيارة لم تُلغَ، إنما استمرت، فقد أكمل الرئيس الفرنسي برنامجه كما كان مقرراً. وبالتالي بدت الرسالة السياسية واضحة، وهي أن باريس لا تريد أن تمنح منفذي التفجيرات فرصة لفرض أجندتهم. لكن واقعياً، وفي الداخل السوري تحديداً، كانت القراءة مختلفة. فالسوريون، الذين عاشوا سنوات طويلة تحت وطأة الحرب والأزمات، لم يتوقفوا عند رمزية الزيارة بقدر ما توقفوا عند حقيقة أن تفجيرات وقعت بالقرب من مكان إقامة رئيس دولة كبرى، خلال زيارته لسوريا بعد سنوات من الحرب وسقوط نظام بشار الأسد، وفي قلب العاصمة دمشق، ما يعني مدى هشاشة الجانب الأمني في البلاد والاختراقات داخل الأجهزة الأمنية، وبالتالي أي ثقة ستُمنح لسلطات البلاد؟ أو ربما الأسئلة التي بدت تتوارد إلى الأذهان، من الذي سيستثمر ويُدخل أموالاً كبيرة في بلد وقع فيه تفجير عند زيارة رئيس دولة كبرى مثل فرنسا؟.
ماذا كشف التفجير عن الشارع السوري؟
لم تتوقف ردود الفعل عند التفجيرات التي هزت محيط إقامة الرئيس الفرنسي، بل امتدت سريعاً إلى نقاشات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، كشفت أن الجدل حول زيارة إيمانويل ماكرون لم يكن أمنياً فقط. فبينما تعاملت الدولة مع الزيارة باعتبارها خطوة سياسية تعكس عودة سوريا إلى مسار الانفتاح، انقسمت التعليقات بين من رأى في الزيارة مصلحة سياسية تفرضها المرحلة، وبين من اعتبر أن استقبال الرئيس الفرنسي يثير إشكاليات مرتبطة بمواقفه السابقة من قضية الرسوم المسيئة للنبي محمد.
ولم يقتصر النقاش على الموقف من ماكرون، بل امتد إلى انتقاد شخصيات دينية واتهامها بتغيير خطابها بما يتناسب مع الظرف السياسي، في مقابل تداول منشورات أخرى دعت إلى تغليب المصلحة الوطنية وإعادة بناء العلاقات الخارجية.
وهكذا بدت زيارة ماكرون وكأنها كشفت حقاً انقساماً في أولويات السوريين أنفسهم! فبينما ينظر بعضهم إلى الانفتاح الخارجي باعتباره فرصة للخروج من العزلة وتحسين الأوضاع الاقتصادية، يرى آخرون أن أي انفتاح لا ينبغي أن يأتي على حساب قضايا يعتبرونها مبدئية أو دينية. وبين هذين الموقفين، بقي سؤال الأمن حاضراً، لكنه لم يعد السؤال الوحيد الذي فرضته الزيارة.
وبدلاً من أن ينشغل الرأي العام بما قد تفتحه الزيارة من آفاق سياسية واقتصادية، عاد النقاش إلى نقطة يعرفها السوريون جيداً؛ لا يمكن لأي حديث عن التعافي أن يتجاوز الواقع الأمني ومدى الاستقرار بالبلاد.
من سيستثمر في بيئة أمنية هشة؟
لا يمكن لنا، بالحقيقة، فصل النقاش حول الأمن في سوريا اليوم عن النقاش حول الاقتصاد والواقع المعيشي الذي يعد من أولويات معظم السوريين اليوم، وسط تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة. عودة العلاقات السياسية، واستقبال الوفود الأجنبية، والحديث عن فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، كلها تبقى مرتبطة بسؤال أساسي: هل توجد بيئة مستقرة بما يكفي تسمح بتحرك اقتصادي طويل الأمد؟ لأنه، وبالنسبة للدول والشركات التي تراقب المشهد السوري، لا يكفي وجود رغبة سياسية بالانفتاح، إذ تبقى قدرة المؤسسات على ضبط الوضع الأمني عاملاً أساسياً في اتخاذ أي قرار يتعلق بالعمل أو الاستثمار.
ولذلك، فإن أي حادث أمني يقع بالتزامن مع زيارة دولية بهذا المستوى لا يُقرأ فقط كخرق أمني فادح، بل باعتباره اختباراً لقدرة الدولة الجديدة على إدارة هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا اليوم. لكن الأمن بالنسبة للسوريين لا يرتبط فقط بحماية الوفود الأجنبية أو تأمين المناسبات السياسية. فالمواطن السوري، والذي يعيش تحت ضغط اقتصادي متزايد، ينظر إلى الاستقرار من زاوية مختلفة؛ هل يستطيع أن يعمل؟ هل يمكن لمشروع صغير أن يستمر؟ هل هناك أفق لتحسن الظروف المعيشية؟ وتلك الأسئلة تجعل الملف الأمني مرتبطاً مباشرة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.
والاقتصاد الضعيف لا ينتج فقط أزمات معيشية، بل يمكن أن يزيد من عوامل الهشاشة داخل المجتمع، خصوصاً في بلد ما يزال يحمل آثار سنوات طويلة من الحرب والانقسام. وبالتالي، فإن أي مقاربة أمنية لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد تبقى محدودة التأثير، لأنها تعالج نتائج الأزمات أكثر مما تعالج بيئتها المنتجة.

وفي المقابل، فإن تحسن الوضع الاقتصادي يحتاج بدوره إلى مستوى من الاستقرار يسمح بعودة النشاط التجاري وخلق فرص جديدة وعلى عدة مستويات اقتصادية. وهذه العلاقة تجعل الأمن والاقتصاد مسارين متداخلين. فلا استثمار مستقر من دون بيئة آمنة، ولا استقرار طويل الأمد من دون معالجة العوامل التي تدفع المجتمع نحو مزيد من الهشاشة.
هل لدى السلطة خطة أمنية للمرحلة المقبلة؟
يصعب من الخارج الجزم بطبيعة الخطط الأمنية التي تعتمدها السلطات السورية، أو تقييم تفاصيلها، لكن ما يمكن ملاحظته هو أن طبيعة التحديات تغيّرت. فالمطلوب اليوم ليس فقط منع وقوع التفجيرات، بل حماية مسار سياسي واقتصادي تسعى دمشق إلى تثبيته أمام المجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه طمأنة السوريين بأن سنوات عدم الاستقرار أصبحت وراءهم.
وأي خطة أمنية في هذه المرحلة ستكون أمام اختبار مزدوج. فمن جهة عليها أن تحافظ على الأمن في ظل ظروف اقتصادية صعبة، ومن جهة أخرى أن تتعامل مع تحديات لا تقتصر على العمليات الأمنية التقليدية، بل تمتد إلى حماية السلم الأهلي والحد من خطاب الكراهية والتحريض الذي يستمر بالتصاعد منذ ليلة سقوط نظام بشار الأسد حتى يومنا هذا في الشارع السوري، وعلى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لأنه يمثل تهديداً للنسيج المجتمعي، حتى وإن لم يتحول إلى عنف مباشر على الأرض.
وربما لهذا السبب، فإن الحديث عن الأمن في سوريا لم يعد يقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها. فكل تقدم اقتصادي، وكل استثمار جديد، وكل محاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ستصبح جزءاً من منظومة الاستقرار نفسها. والعكس صحيح أيضاً؛ إذ إن أي تعثر في هذه الملفات سيترك أثره على المشهد الأمني، مهما بلغت الإجراءات الميدانية من صرامة.
وهنا بالضبط تبدو زيارة ماكرون، بما حملته من رمزية سياسية، فرصة مهمة لاختبار سؤال أكبر من الزيارة نفسها: هل تستطيع سوريا الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار المستدام؟ أم أن الطريق لا يزال يتطلب أكثر من إجراءات أمنية ورسائل دبلوماسية، ليصل أثره إلى حياة السوريين اليومية؟
يمكن القول ببساطة إن تفاصيل هذه الزيارة قد تُنسى بعد أشهر عدة من الآن، لكن أثرها والأسئلة التي أثارتها لن تختفي بالسهولة نفسها. فالسوريون الذين تابعوا زيارة ماكرون لم ينظروا إليها كحدث دبلوماسي فقط، بل باعتبارها اختباراً لما إذا كانت البلاد تدخل فعلاً مرحلة مختلفة، من فرض الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات أمنية وطنية قادرة على حماية جميع السوريين دون استثناء، إلى جانب سد كل الثغرات أو الخروقات الأمنية داخل أجهزة السلطات السورية الجديدة، وخاصة المتشددين منهم الذين لا يرون أن مسار سوريا نحو الانفتاح على الغرب يلائم توجهاتهم، على الأقل.
إضافة إلى أن عقلية الحزب الواحد في إدارة البلاد ستُبقي الجانب الأمني دائماً مهدداً، وهو ما سيترك لكل هذه الأزمات آثاراً على حياة السوريين، وفرصهم، وشعورهم بالأمان. وبالتالي، فإن نجاح أي انفتاح خارجي لن يُقاس بعدد الوفود التي تزور دمشق وحجم الانفتاح السياسي للدول مع سوريا، بل بقدرته على إنتاج استقرار يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
- العراق يستكمل استجواب عناصر “داعش” المنقولين من سوريا
- ارتفاع أسعار الخبز في القامشلي.. هل تبدأ فاتورة توحيد الأسعار؟
- المرصد: 179 قتيلاً في سوريا خلال آب وسط استمرار هشاشة الوضع الأمني
- “دمشق الجديدة”.. حلم الـ7 مليارات يصطدم بواقع الاقتصاد السوري
- قتيل وإصابات باشتباكات بين الأمن الداخلي والحرس الوطني في السويداء

