تتجه منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأمن الإقليمي، بالتزامن مع مؤشرات على تقدم المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، وإعلان السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك.
وقال مسؤول أميركي، أمس الجمعة، إن واشنطن تتوقع التوصل قريباً إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان يسمح باستئناف حركة الشحن التجاري عبر المضيق، مؤكداً أن الولايات المتحدة سترفع حصارها عن الموانئ الإيرانية فور الإعلان عن اتفاق يضمن مرور السفن دون عوائق.
وفي المقابل، تتحرك دول إقليمية لتعزيز ترتيبات الردع الجماعي، إذ وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً دفاعياً ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً.
وتعكس التطورات مسارين متوازيين في المنطقة أولها مسار دبلوماسي يهدف إلى احتواء تداعيات الحرب وإعادة فتح طرق الطاقة والتجارة، وآخر أمني يسعى إلى بناء ترتيبات دفاعية جديدة تحسباً لاحتمال استمرار التهديدات.
هل يقترب فتح مضيق هرمز؟
بحسب المسؤول الأميركي الذي تحدث لـ “رويترز” شريطة عدم الكشف عن هويته، أحرزت إيران وسلطنة عُمان تقدماً في المفاوضات المتعلقة بالمضيق، فيما تتوقع واشنطن الإعلان عن اتفاق قريباً.

ويبحث الطرفان ترتيبات تسمح باستئناف حركة التجارة والنفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعد أن أدت الحرب إلى اضطراب واسع في حركة ناقلات الطاقة وارتفاع المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.
وقال المسؤول إن رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية سيكون مرتبطاً بالإعلان عن اتفاق يضمن استئناف الشحن التجاري دون عوائق، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإجراءات الأميركية ستظل مرتبطة بمدى التزام إيران بما يتم الاتفاق عليه.
وتتجاوز أهمية هذا المسار مسألة إعادة فتح المضيق، إذ قد يشكل التوصل إلى ترتيبات مستقرة بشأن الملاحة في هرمز مدخلاً إلى تفاهم أوسع يخفف التصعيد بين واشنطن وطهران ويعيد تنظيم حركة الطاقة في المنطقة.
اتفاق دفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي حول هرمز، اتجهت السعودية وتركيا وباكستان إلى تعزيز التعاون الدفاعي عبر اتفاق مشترك وقع في مكة.

وقالت الدول الثلاث إن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح ضد أي دولة طرف هجوماً ضد الدول الثلاث.
ويجمع الاتفاق 3 دول تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، لكنها تمتلك في الوقت نفسه حسابات أمنية ومصالح مستقلة في المنطقة.
كما يأتي في لحظة أعادت فيها الحرب تعريف المخاطر التي تواجه الدول الإقليمية، من استهداف المنشآت الحيوية وطرق الطاقة إلى تهديد الملاحة والتجارة.
وأكدت تركيا أن الاتفاق دفاعي بحت ولا يستهدف دولة بعينها، ما يجعله، من الناحية المعلنة، إطاراً للردع الجماعي وليس تحالفاً موجهاً ضد طرف محدد.
لكن توقيت الاتفاق يمنحه دلالة أوسع، خصوصاً مع تصاعد التوتر مع إيران، واتساع نطاق التهديدات التي طالت منشآت ومصالح دول الخليج وطرق الملاحة.
من هرمز إلى البحر الأحمر
لا يقتصر الضغط على الملاحة على مضيق هرمز. فقد تزامنت الهجمات على السفن في المضيق مع تصاعد هجمات الحوثيين في اليمن على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، ما وضع اثنين من أهم الممرات البحرية حول شبه الجزيرة العربية تحت ضغط أمني متزامن.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” أن 15 من سفنها تعرضت لهجمات أثناء عبورها مضيق هرمز منذ بداية الصراع، مشيرة إلى مقتل أحد أفراد أطقم السفن وإصابة 20 آخرين.
ويعني ذلك أن دول المنطقة لا تواجه تهديداً واحداً يمكن احتواؤه بإجراء منفرد، بل شبكة من المخاطر تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وتتداخل فيها أمن الطاقة مع أمن الملاحة والدفاع عن المنشآت والبنية التحتية.
ومن هنا، تكتسب التحركات الإقليمية الأخيرة أهمية تتجاوز الاتفاقات الثنائية أو الثلاثية، إذ تعكس محاولة لبناء منظومة أمنية أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات المتزامنة، وتوزيع أعباء الردع والحماية بين دول المنطقة.
هل نحن أمام ترتيبات ما بعد الحرب؟
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول في طريقة تعامل دول المنطقة مع البيئة الأمنية التي خلفتها الحرب. ففي الجانب الدبلوماسي، تتحرك عُمان بين إيران والولايات المتحدة لمحاولة إعادة فتح هرمز واحتواء التصعيد، بينما تسعى واشنطن إلى استخدام حرية الملاحة واستئناف صادرات النفط كجزء من تفاهم أوسع مع طهران.
وفي الجانب الأمني، تتحرك السعودية وتركيا وباكستان لبناء مظلة دفاعية تقوم على الردع المتبادل، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حماية الدول والمنشآت الحيوية من امتداد الصراع.
وبذلك، لا يبدو أن المنطقة تتجه ببساطة إلى العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، بل إلى إعادة صياغة قواعد الأمن الإقليمي على أساس جديد ومنها تقليل الاعتماد على الحماية الخارجية، وتوسيع الشراكات بين القوى الإقليمية، وربط أمن الطاقة والملاحة بترتيبات دفاعية أكثر اتساعاً.
لكن هذا التحول لا يزال في بدايته. ففتح هرمز يتطلب اتفاقاً قابلاً للاستمرار وليس مجرد تفاهم مؤقت، بينما سيحتاج التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان إلى إثبات قدرته على التحول من إعلان سياسي إلى آلية ردع فعلية.
وفي حال نجح المساران، فقد تكون الحرب قد دفعت المنطقة إلى انتقال تدريجي من إدارة الأمن الإقليمي عبر التحالفات الدولية المتنافسة إلى بناء ترتيبات تشارك فيها دول المنطقة بصورة أكبر في تحديد قواعد الأمن والطاقة والملاحة.
أما إذا انهارت تفاهمات هرمز أو بقيت التهديدات البحرية قائمة، فقد يصبح اتفاق مكة بداية لبنية أمنية أوسع تتشكل استجابة لمرحلة ما بعد الحرب، لا مجرد اتفاق دفاعي منفصل عن التحولات الجارية.

