إدلب (الحل) – تزداد الأمور تعقيداً في الشمال السوري من الناحية السياسية والعسكرية، عقب سيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا)، على أكثر من 80% من المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، بعد تسعة أيام من بدء العملية العسكرية للهيئة في إدلب وأجزاء من ريف حلب وحماة، ترافق ذلك مع قدوم حشود عسكرية لقوات النظام وروسيا إلى تلك المناطق من جهة، وإرسال تركيا بدورها تعزيزات عسكرية إلى حدودها مع إدلب من جهة أخرى، في الوقت الذي لم يحسم فيه بعد مصير مناطق شرق الفرات حتى اليوم، على خلفية الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، واستمرار حشود كل من تركيا والنظام وروسيا في محيط مدينة منبج التي بات مصيرها مرهون بالتوافقات الدولية والتصريحات الإعلامية دون حل نهائي.
وفتحت العملية الأخيرة لهيئة تحرير الشام في إدلب، الباب أمام التحليلات التي انقسمت لوجهتيّ نظر: الأول يقول إن كل ما يجري هو متفق عليه بين الدول الإقليمية، وسيطرة الهيئة على هذه المساحات الواسعة من الشمال السوري، هي إعطاء ذريعة لكل من النظام وروسيا لشن حملة عسكرية على المنطقة مقابل دخول تركيا إلى منبج، في حين يرى الطرف الآخر أن توسع نفوذ الهيئة أربك الدول الضامنة لاتفاق سوتشي وخصوصاً تركيا، وإن أيّة عملية عسكرية من جانب النظام وروسيا سيكون لها أثر سلبي على تركيا، لوجود أكثر من 3.5 مليون لاجئ في إدلب وما حولها، وبالتالي لاتستطيع تركيا تحمل موجات النزوح في الوقت الراهن.
توّسع لمكاسب اقتصادية
تشير خارطة الصراع في سوريا حالياً إلى تقدم هيئة تحرير الشام على نحو 8937 كلم مربع (5% من مساحة سوريا)، بعد انسحاب المئات من مقاتلي المعارضة نحو عفرين، وتسليم المنطقة إدارياً وخدمياً لـ«حكومة الإنقاذ» المدعومة من الهيئة، وبالتالي أصبحت الهيئة المتحكمة على الطريقين الدوليين الواصلين بين مناطق النظام والمعارضة وتركيا، وهما دمشق – حلب و حلب – اللاذقية (إم4 وإم 5)، ما يعني أن عائدات مالية ضخمة تساعد الهيئة في تمويل نفسها خلال المرحلة القادمة.
أكدت مصادر لـ«الحل السوري» في ريف حماة أن «الهيئة سيطرت بعد العملية الأخيرة على حوالي 4 آلاف دونم لأحواض تربية السمك في سهل الغاب، وبدأت الاستثمار فيها، كما تستثمر حالياً في أكثر من 5 آلاف دونم زراعي في منطقة مطار الشريعة، بعد طرد حركة أحرار الشام من المنطقة، والتي كانت تقوم بتأجير الدونم الواحد بمبلغ 150 ألف ليرة سنوياً، أيّ عائداتها السنوية تجاوزت الـ750 مليون ليرة سورية».
وأشارت المصادر إلى أن الهيئة باتت تسيطر على المعابر التجارية والإنسانية في إدلب، وتم تسليمها إلى «حكومة الإنقاذ» التابعة لها، إضافة إلى عملها على إعادة افتتاح معبر قلعة المضيق الذي تفاوتت الأنباء عن إعادة افتتاحه منذ أيام، إذ لا يقل هذا المعبرّ أهمية، عن معبر مدينة «مورك» الذي يوفر دخلاً عالياً يقدر بملايين الدولارت سنوياً.
ما موقف أنقرة؟
لم تتخذ أنقرة لغاية تاريخه موقفاً حاسماً من توسع نفوذ الهيئة في الشمال السوري، رغم أن تركيا تصنف تحرير الشام كمنظمة إرهابية منذ آب 2018، وحاولت إقناعها بعد اتفاق سوتشي مع روسيا بنزع سلاحها وإيجاد صيغة لحل نفسها لتجنيب المنطقة أيّة عملية عسكرية، وفي ذلك يقول المحلل العسكري فايز الدويري في حديث لقناة «دي دبليو» الألمانية، إن تركيا بحاجة لترتيب أولوياتها، فالحدث الأساسي كان قبل فترة يتركز حول منبج، لكن البوصلة اتجهت نحو إدلب بسيطرة الهيئة المدرجة على قوائم الإرهاب العالمية، ما يعني إعطاء مبرر لكل من (روسيا، النظام، وإيران) لتنفيذ عملية عسكرية وبالتالي انهيار اتفاق سوتشي.
في حين أشار المحلل السياسي حسام نجار لـ«الحل» إلى أن «تصريح وزير الخارجية التركي قبل أيام عن احتمالية تنفيذ كل من روسيا وتركيا عملية عسكرية ضد الهيئة في إدلب في حال الضرورة، هو خطوة استباقية لأنقرة لإغلاق الباب أمام النظام، الذي سيتسبب بموجة نزوح لم يسبق لها مثيل».
وأضاف النجار أن «تركيا بدأت بحملات أمنية داخل أراضيها ضد عناصر يشتبه بانتمائهم لـ(هيئة تحرير الشام) في كل من ولايات هاتاي وأضنة وأنقرة واسطنبول، وذلك بعد الاجتماع الأمني التركي على الحدود السوية من جهة إدلب بمشاركة وزير الدفاع، وقائد القوات المسلحة ورئيس المخابرات التركي، والتأكيد على أن الهيئة منظمة إرهابية»، لافتاً إلى أن «المسألة بالنسبة لتركيا أصبحت معقدة، ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في القريب العاجل، وأن الأولوية التركية حالياً لشرق الفرات وليست لإدلب».
أين موسكو؟
منذ أن وقعت روسيا مع تركيا اتفاق إدلب، كان أحد بنوده ينص على إفراغ المنطقة الاستراتيجية، وهي الطرق الدولية دمشق- حلب و حلب – اللاذقية من جميع التنظيمات «الإرهابية»، ومع سيطرة الهيئة على تلك المنطقة، يدور الحديث عن قمة بين الرئيسين التركي والروسي خلال الشهر الحالي لحسم المسائل المتعلقة بكل من منبج وإدلب.
ويرى محللون أن سياسة بوتين الحالية، هي إعادة تأهيل النظام في دمشق عبر دعمه في الأوساط العربية والدولية، وذلك لإنجاز صفقة سياسية نهائية في سوريا، وعدم الدخول في نزاع عسكري جديد يطيل أمد الحرب مع التداخلات الدولية الجديدة، وهو ما أشار إليه المحلل التركي (باكير أتاجان) بقوله إنه «من الممكن أن نشهد تدخلاً عسكرياً روسياً – تركياً محدود ضد هيئة تحرير الشام، وإبعاده عن المناطق الاستراتيجية المتفق عليها بين الطرفين».
وتبقى مسألة الشمال السوري، رهينة للتفاهمات الدولية، خصوصاً مع تذبذب الموقف الأمريكي حيال ذلك، وتصريحات ترامب تارة بالانسحاب الكلي من سوريا، وإعطاء الدور لتركيا، وتارة أخرى بإقامة منطقة عازلة شمالاً وتهديد تركيا اقتصادياً.
إعداد: حسام الصالح – تحرير: رجا سليم

