درعا: الثَّورة من الوطنيّة إلى المحلّية

درعا: الثَّورة من الوطنيّة إلى المحلّية

بدأت الثورة السورية بالمعنى التأسيسي من درعا البلد، وواجهها النظام بأسوأ الأشكال. ناصرتها فوراً بقية بلدات درعا والغوطة واللاذقية وحمص ودير الزور وغيرها.

كانت القضية شعبية بامتياز ووطنية بامتياز، وواعية لهمجية النظام وعدم مصالحته الشعب عن حرب الثمانينيات “الطائفية” وسواها؛ فحاول الثوار رفض العمل المسلح، والطائفية، وتكريس شعار “الشعب السوري واحد”.

كانت الشرارة الأولى لشباب علمانيين بأغلبيتهم، وليس في منظورهم السياسي أي اتجاهات سلفية أو جهادية، وبالطبع هناك كتلة مؤمنين شاركوا منذ بداية الحراك، ولكن من الزاوية الشعبية والوطنية أولاً.

الميل السلفي والجهادي والرغبة بالتسليح وتعزيز المناطقية والمحلية، جاءت كخطوة لاحقاً، وبعد أن شعرت هذه القوى أن النظام يتقهقر ورغبت بسرقة الثورة، وبعد أن قمع بشدة التنسيقيات الأولى وبدأت فصائل الجيش الحر تتهالك، وبالتالي تهمشت الفئات العلمانية، وأصبح عددها قليلاً.

هنا تقدمت الفئات الأخرى بقوّة، وتعاون من أجل ذلك الجهاديون الذين أخرجهم النظام من معتقلاته، والإخوان المسلمين، وبدرجة أقل السلفيون، خصيصاً لتشويه الثورة.

في البداية، لم تظهر هذه القوى بشكلٍ فاعل، وربما باستثناء الإخوان المسلمين، الذين حاولوا الركوب على الثورة منذ انطلاقتها، وهذا كان أخطر ما جرى بالثورة السورية وبدأ يدفعها نحو اتجاهات طائفية، ويكمل ذلك توظيف النظام للمسألة الطائفية.

وإضافة لما ذكر، ظهرت الطائفية من خلال الممارسات القمعية للأجهزة الأمنية، ومن خلال زج النظام بفرق عسكرية ذات لون علوي، وقدم سرديته المعروفة بأنه يحمي الأقليات في مواجهة الثورة السنية؛ وهذا بالعموم بدأ يدفع الوضع السوري برمته نحو التطييف العلني، أي أصبح الصراع يتكرس “طائفياً”، ودخل العامل الخارجي عبر المال والسلاح والمعارضة المكرسة.

إن إطالة عمر الأزمة، وعدم تقيّد النظام بأي شروط للحروب وللحقوق ومحاصرة المدن وتجويعها، أجبرت الثورة، المسلحين والمدنيين على طلب العون من الخارج.

النظام ذاته، أقام حلفه مع إيران ومرتزقتها الطائفيين، وروسيا، ومنذ الأيام الأولى من الثورة. إذاً لا يمكن لثورةٍ، يطول أمدها أن تتجنب العلاقة مع الخارج، ولكن القضية تكمن في كيفية إقامة تلك الصلة، ومتى يجب إيقاف تلك العلاقة.

ليس الخارج برؤوف بالشعب السوري، وهدفه الحقيقي تهميش الدولة السورية، نظاماً ومعارضة، وجعل سوريا أكثر ضعفاً. لهذا كان دعم حلف النظام له كاملاً، بينما دعم الثورة الشعبية جاء هامشياً ومحدوداً ومشروطاً، وشكلت غرفة الموك، ولاحقاً تدخلت أميركا عبر حلفٍ واسعٍ لمحاربة الإرهاب عام 2014، وروسيا عسكرياً 2015.

مع إطالة عمر الثورة، وتحرير المدن، بدأت النزعات المحلية تطلُّ بقوّة برأسها، وبدأ التنافس بين العشائر والطوائف والأسر والبلدات وسواه، فالخيار الأمني العسكري للنظام، وانعدام الحياة السياسية منذ الحركة التصحيحية في السبعينيات؛ لم يترك خيارات أخرى للمجتمع إلّا العودة إلى متحداته الأولى “العشائر، والأسر، والتنظيمات السلفية والجهادية، والكرد إلى قواهم السياسية القومية”.

شكّل دخول المال الخليجي والدعم التركي، عاملاً أساسياً لإخماد الثورة بعد تطييفها، حيث أصبحت الفصائل ومنذ 2013 ولاحقاً، مرهونة للمال الخارجي، وهذا ما منع فصائل درعا والغوطة وسواها من فك الحصار عن داريا مثلاً، الذي بدأ في أواخر 2012، واستمر حتى تهجيرهم 2016! وكذلك حينما حوصر مخيم اليرموك وحمص والزبداني وأحياء حلب الشرقية وغيرها كثير، فلم يتم تحريك باقي الجبهات.

في الغوطة وبعد أن تعززت المناطقية، انقسمت فصائلها وبشكل خاص بين جيش الإسلام، وفيلق الرحمن مثلاً، وجبهة النصرة، وخاضوا معارك شرسة ولا سيما الجيش والفيلق، وأودت بأكثر من ألف قتيل، وحصل الأمر عينه في معظم المدن السورية.

الأساس في ذلك كان أن الفصائل تشكلت مناطقياً وطائفياً، بعد أن كانت الغلبة للحر “الوطني”، والذي أيضاً كان مناطقياً! صارت للمناطقي الإسلامي.

خذلان المدن لبعضها، لم يكن منذ البداية، تمّ لاحقاً، وعلى إثر الأسلمة والمال الخارجي، وهناك صلة وثيقة بين التمويل والأسلمة بصفة خاصة، حيث كان أغلبه يصل إلى تلك الفصائل.

المعارضة المكرسة بدورها، تزعمتها حركة الإخوان المسلمين، وهذه الحركة استخدمت المجلس الوطني والائتلاف الوطني وسواه من أجل تعزيز وجودها الطائفي على الأرض، بل شكلت ما يسمى “الدروع العسكرية” وآخرها تشكيل فيلق الشام في إدلب، وبالطبع تدعم فصائل كثيرة أخرى، لا ضرورة هنا للتوسع في التحليل عن التبعية الكامل للإخوان لتركيا وأثر ذلك على تطييف الثورة ورفض النزعة الوطنية فيها.

شكلت سيطرة الخارج عاملاً مركزياً لإيقاف تطور الثورة وتشويهها إسلامياً، ومقابل ذلك لم يتوقف النظام عن تدمير سوريا وتخريب بنيتها التحتية وحصار البلدات، بل مع دخول روسيا وتحالفها اللاحق مع تركيا وإيران، اكتملت المأساة والهزيمة، حيث بدؤوا باتفاق المدن الأربعة، ثم التنازل بالتدريج عن مناطق خفض التصعيد، وتمكن النظام من السيطرة على تلك المناطق باستثناء إدلب التي اقتطع النظام جزءاً واسعاً منها على حساب هيئة تحرير الشام ودون حرب حقيقية.

شكّل فساد المعارضة وغياب الخط الوطني عن رؤيتها وسياساتها وضرورة توحيد مناطق الثورة وخضوعها للخارج، وعدم ثقتها بقدرة الشعب على إسقاط النظام ومنذ 2011، سبباً مركزياً لتراجع النزوع الوطني لدى أهل الثورة، وتعزيز المناطقية، وقد شهدنا اكتفاء كل منطقة بذاتها، وكأنها لا علاقة لها بالمناطق الأخرى، وأحيانا كان النظام يحاصر بلدة ولا تناصرها بلدة أخرى في جوارها.

الآن، وقد تكرست المناطقية والمحلية بشكل واسع، وبالأصل أصبحت سوريا مناطق ثلاث: “مناطق النظام، ومناطق الإدارة الذاتية، ومناطق هيئة تحرير الشام وإضافة لها مناطق الاحتلال التركي”، وهناك من يقول أن سوريا أصبحت شعوباً متعددة.

النظام الذي اختار الحرب ضد الثورة، لم يستكن لتسويةٍ أجرتها روسيا مع أهل درعا، فحاصر بلداتها مرات ومرات، حتى وصلنا إلى الحصار الحالي لدرعا البلد، وتنصل من أية اتفاقات مع أعيانها، وبدأ قصفها في 28-7-2021. قصفها هذا، شكّل إحراجاً كبيراً لأهلها التعساء، فكان التضامن واسعاً معها.

لم تناصرها المناطق الأخرى عند هيئة تحرير الشام أو الاحتلال التركي أو المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، وهي في أزمة اقتصادية واجتماعية عنيفة! درعا البلد متروكة إلا من “فزعة” محليّة قد نشهد تراجعها في الأيام القادمة، ولكن المعركة محسومة ضدها، حيث لن تترك روسيا وإيران النظام يخوض معركته دون تدخل منها.

وغير ما ذكرنا، فقد تفرض الوقائع الجارية تراجعاً من قوى النظام، سيما “الفزعة قوية” في هذه اللحظة، ولكن المعركة لن تتجاوز مدينة درعا، وهنا الإشكالية الكبرى.

مقابل تخلي ما يسمى بـ «الجيش الوطني» عن مبادئ الثورة والوطنية السورية، وارتهان قراره بتركيا التي تجنّد فصائله لصالح أجنداتها العابرة للحدود، سواء في سوريا أو أذربيجان أو ليبيا، وأخيراً في أفغانستان.

هذا مصير ثورة وطنية، كادت أن تسقط النظام أكثر من مرّة، ولكن ذلك أفشل بقوة التدخل الخارجي في قراراتها، وغياب البرنامج الوطني لكل سوريا في ممارسات المعارضة وتوحيد المناطق الثائرة، وهو ما عزّز النزاعات المحلية. درعا الآن لن تغيّر الوقائع المكرّسة أبداً.