ما بين مناورات الكاظمي والصدر: هل الانسحاب الأميركي من العراق ممكن؟

ما بين مناورات الكاظمي والصدر: هل الانسحاب الأميركي من العراق ممكن؟

على الرغم من الإعلان عن اتفاق رئيس الوزراء العراقي مصطفى #الكاظمي والرئيس الأميركى #جو_بايدن على إنهاء المهام القتالية للقوات الأمريكية في العراق نهاية العام الجاري، إلا أن مراقبين وصفوا الاتفاق بأنه مجرد “حبر على ورق”.

قضية الانسحاب الأميركي باتت أحد أهم مواضيع الجدل السياسي والأمني في العراق، وتزيد التكهنات حول إمكانية تنفيذ الانسحاب، ونتائجه المباشرة وبعيدة المدى، ومواقف مختلف القوى السياسية والمكونات العراقية تجاهه، من توتر الأجواء السياسية في البلاد. فهل العراق مهيّأ فعلاً لانسحاب القوات الأميركية؟

 

تعزيز القوات الأميركية لا سحبها

«قضية الانسحاب الأميركي، التي تُثار بين فترة وأخرى، مجرد أحاديث لا معنى لها، ووعود سياسية لن تستطيع #الحكومة_العراقية تنفيذها»، بحسب النائب “كاطع الركابي”، رئيس كتلة “دولة القانون” النيابية، المقرّبة من رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري #المالكي، وعضو لجنة الأمن والدفاع النيابية.

“الركابي” قال لـ«الحل نت» إن «الانسحاب لن يتحقق على أرض الواقع ابداً، فلا تفاصيل خرجت إلى العلن تحدّد مراحله وإجراءاته بشكل دقيق».

مضيفاً: «الرئيس الاميركي جو بايدن لا يريد تكرار خطأ سلفه باراك اوباما بخصوص القوات الاميركية المتواجدة على الأراضي العراقية، أي أنه لا يودّ سحب هذه القوات أبداً، خاصة وأن هناك تأكيدات من جهات سياسية عدة على وصول قوات أميركية خاصة الى العراق، قبل شهر أو أكثر بقليل من إعلان الاتفاق على انسحاب القوات القتالية، وهو ما يتعارض مع ما ورد في  الاتفاق، فكيف تصل قوات أميركية جديدة، في الوقت الذي يدّعي المسؤولون العراقيون والأميركيون فيه أنهم يريدون سحب القوات الموجود أصلاً؟».

وبحسب “الركابي” فإن «القوات التي وصلت مؤخراً كانت قد نفّذت، في سنوات سابقة، عدة مهمات خاصة في العراق»، ما يدفعه للتأكيد على أن «ما يجري حالياً هو تعزيز للقوات الأميركية، لا سحبها».

 

اتفاق لمواجهة الصدر

“جمعة العطواني”، رئيس “مركز أفق للدراسات والتحليل السياسي”، يؤيد حديث النائب الركابي، قائلاً لـ«الحل نت» إن «الانسحاب المزعوم مجرد خديعة ودعاية انتخابية، تمت بصفقة سياسية بين ثلاثة أطراف، هي الولايات المتحدة؛ ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي؛ و”عمار الحكيم”، رئيس “تحالف قوى الدولة الوطنية”، من أجل سحب البساط من مقتدى #الصدر، زعيم #التيار_الصدري، خاصةً بعد انسحابه من الانتخابات المبكرة. الأمر الذي دفع الحكيم والكاظمي إلى العمل معاً لضمان إجراء الانتخابات في موعدها، وإبقاء القوات الأميركية بالعراق في الوقت نفسه، مع الترويج لانسحاب أميركي شكلي، ما قد يُسكت جانباً من الجمهور العراقي الرافض لوجود الأميركيين».

 

بين الرفض والتأييد

الجمهور العراقي الرافض للأميركيين، الذي يتحدث عنه “العطواني”، لا يمثّل كافة المكونات والقوى السياسية العراقية، فقد عارضت قوى وشخصيات سياسية وعشائرية عربية سنية، خلال مؤتمر صحفي عقدته في #أربيل، عاصمة #إقليم_كردستان العراق، الانسحاب الأميركي بشكل قطعي، وعلّلت موقفها بأن «الانسحاب سيفتح الباب على مصرعيه لأطماع الميلشيات المسلّحة، التي يمكن أن تستغلّ فرصة الفراغ، الذي سيخلّفه الأميركيون، لتقوية نفوذها في العراق. وبالتالي فإن الانسحاب في هذا الوقت سيُدخل العراق في نفق مظلم، خاصة وأن منطق اللادولة هو السائد، والميلشيات التابعة لإيران هي الحاكم الفعلي للعراق الآن، ولا سلطة للحكومة العراقية عليها».

وتتابع القوى المجتمعة في أربيل، في بيان صادر عنها: «لقد رأى العالم كله انفلات القوى الموالية لإيران من سلطة الدولة، وذلك من خلال اجتياحها للمنطقة الخضراء في #بغداد عدة مرات؛ والاستعراضات التي أجرتها بالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة؛ وإطلاق سراح المطلوبين من #الحشد_الشعبي، رغم أنف الحكومة العراقية؛ وتهديد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بقطع أذنيه؛ فضلاً عما يحدث من خطف وقتل في # بغداد وغيرها من المحافظات العراقية؛ والتحكّم بالقرار السياسي والاقتصادي والأمني للعراق؛ والدفاع عن مصالح حكومة #إيران علناً».

ويشارك قسم من الشارع العراقي القوى السنية المجتمعة في # أربيل مخاوفها. فالناشط المدني “سيف العراقي”، الذي رفض ذكر اسمه الكامل خوفاً على سلامته، قال لـ«الحل نت» إن «الانسحاب ستكون له نتائج خطيرة، فهو سيعني انسحاب سلاح الجو التابع للتحالف الدولي ضد الإرهاب، وتنسيقية المعلومات الاستخباراتية المتبادلة بين التحالف والأجهزة الأمنية العراقية، والمدربين والخبراء الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين، وهو ما سيترك آثاراً سلبية على الجيش العراقي، ويتسبب بإضعافه عسكرياً وأمنياً واستخباراتياً، ويعطي تنظيم #داعش فرصة لاستعادة نشاطه في كثير من المناطق العراقية، كما أنه سيقوّي الميلشيات الموالية لإيران، التي قد تجتاح مناطق كبيرة ومهمة في العراق، ما قد يؤدي إلى اندلاع اقتتال أهلي بين العراقيين من جديد».

اما المواطن “محمد الياسري” فيعتقد، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الانسحاب الأميركي سيثير الاطماع الدفينة لدى دول الجوار، وعندها ستحتل القوات التركية #كركوك والموصل؛ وتتجه # إيران للسيطرة على محافظات الجنوب».

إلا أن المحلل “جمعة العطواني” يرى أن «هذه المخاوف لا مبرر لها، فلو فرضنا أن # إيران ستحاول أن تستغلّ الانسحاب لتوسيع نفوذها، فهل يعقل أن ألفين وخمسمئة جندي أميركي، موجودين حالياً في العراق، هم من يقفون حائلاً أمام مطامعها؟ ثم أليس القول إن الانسحاب الأميركي سيؤدي لعودة # داعش فيه تقليل من شأن قدرات قواتنا الأمنية الوطنية، من جيش وشرطة وحشد شعبي وجهاز مكافحة إرهاب؟ وإذا كانت الميزانيات الضخمة، التي تخصصها وزارتا الدفاع والداخلية العراقيتان لمحاربة الإرهاب، غير قادرة على حماية البلاد، فكيف سيستطيع ألفان وخمسمئة جندي أميركي فعل هذا». حسب تعبيره.

 

تلاعب بالمسمّيات

اللواء الركن المتقاعد “ماجد القيسي”، الخبير العسكري والاستراتيجي، يرى أن القوات الأميركية ستبقى مادام خطر تنظيم # داعش مستمراً، مؤكداً أن «وجود بؤر ينشط فيها التنظيم المتطرف، فضلاً عن انتشار خلاياه النائمة في عديد من المناطق العراقية، يجعل انسحاب القوات الأميركية مستبعداً على المدى القريب، بل حتى البعيد، خاصة أن تهديد # داعش يمتد إلى الحدود السورية».

“القيسي” استبعد، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «تكون خلف المطالبة بالانسحاب دوافع عسكرية أو أمنية، فدوافعها سياسية بحتة. القوات الأميركية جاءت وفق اتفاق بين العراق والولايات المتحدة، أما المطالبة بانسحابها فتعود للصراع الأميركي الإيراني حول ملفات عدة، وخاصةً الملف النووي الإيراني؛ وقضية اغتيال الجنرال #قاسم_سليماني، قائد “فيلق القدس” الإيراني، ما يجعل العراق إحدى أهم ساحات الصراع بين #واشنطن وطهران».

ويختتم الخبير الاستراتيجي حديثه بالقول: «المطالبات بانسحاب الأميركيين، حتى لو استمرت وتصاعدت، فلن ينتج عنها أكثر من تبدّل المسمى، الذي تتواجد تحته القوات الأميركية، فهي اليوم قوات استشارية وتدريبة، بعد أن كانت تُسمّى قوات قتالية. وهذا فعلياً مجرد تلاعب بالألفاظ، فالقوات الأميركية ستعود “قتالية” حينما تقتضي الضرورة».