الانسحاب الفرنسي من إفريقيا: هل سيتكرر السيناريو الأفغاني في الساحل الإفريقي الغربي؟

الانسحاب الفرنسي من إفريقيا: هل سيتكرر السيناريو الأفغاني في الساحل الإفريقي الغربي؟

بعد أكثر من ثماني سنوات على تواجد القوات الفرنسية في الساحل الافريقي الغربي، لدعم جيوش الدول الإفريقية، ومحاربة الجماعات المتطرفة هناك، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انتهاء عملية “بارخان”، وانسحاب الجنود الفرنسيين، البالغ عددهم خمسة آلاف ومئة جندياً، من المنطقة بشكل تدريجي.

وانطلقت عملية “بارخان” الفرنسية في آب/أغسطس 2014 بمنطقة الساحل الغربي، التي تضم دول بوركينا فاسو، تشاد، السنغال، مالي والنيجر، لمكافحة الإرهاب، عبر استهداف المتطرفين الإسلاميين في تلك الدول.

الانسحاب الفرنسي المزمع ولّد مخاوف من تكرار تجربة افغانستان في الساحل الإفريقي الغربي، يرافق هذا قلق اوروبي من هجرة الحركات المتطرفة الإفريقية إلى أوروبا.

 

الصدمة الفرنسية

«فرنسا صُدمت بالواقع الاجتماعي، وانتشار التشدد في المنطقة، التي تعتبر مستنقعاً للمتطرفين»، بحسب تعبير “محمد تورشين”، الباحث بالشأن الإفريقي.

ويتابع “تورشين” في حديثه لـ «الحل نت»: «فرنسا بدأت بأولى عملياتها ضد المتطرفين في مالي، وأطلقت عليها تسمية “سرفان”، لكن طوّرت تدخلها فيما بعد ليشمل منطقة الساحل بدولها الخمس، تحت اسم عملية “بارخان”. إلا أن الانتصار العسكري على المجاميع المتطرفة في الساحل الإفريقي صعب جداً، بسبب التداخل القبلي بين المجتمعات الإفريقية، وضعف الحكومات المحلية».

مبيناً أن «حكومات دول الساحل تقوم بدور غير واضح في محاربة الإرهاب، فهي تارة تضرب الإرهابيين، وتارة أخرى تستغلّ وجودهم سياسياً واجتماعياً، لتضمن بقاءها في الحكم».

ويرى الباحث في الشأن الإفريقي أن «فرنسا أدركت الموقف الملتبس لحكومات دول الساحل، مما دفعها للانسحاب، والاكتفاء بدعم الجيوش الوطنية في تلك الدول، وهو الخيار الأفضل لها».

 

أنواع الحركات المتطرفة

وقسّم “تورشين” الحركات الجهادية في منطقة الساحل الإفريقي الغربي إلى نوعين: «نوع محلي قبلي، يقوم على تبنّي قبيلة معينة، أو مجموعة قبائل، للفكر المتطرف، بغرض تحقيق بعض المكاسب السياسية في الصراع الداخلي في تلك البلدان؛ ونوع عابر للحدود والجنسيات، يتبنّى أيديولوجيا الجهاد العالمي».

الأمثلة الأهم عن النوع الأول من المتطرفين، بحسب “تورشين”، «”حركة تحرير ماسنا” و”الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، وكلا الحركتين تنشطان في مالي».

وينتمى مقاتلو “جبهة تحرير ماسينا” إلى إثنية “الفولان”، في المنطقة الوسطى من مالي، وتعتبر أول تنظيم جهادي، يتشكّل على أساس عرقي في البلاد.

في حين تنشط “حركة تحرير أزواد”، المصنّفة على قوائم الإرهاب، في إقليم “أزواد” شمالي مالي، ومقاتلوها من إثنية “الطوارق”، وتسعى إلى إقامة دولة “أزواد” المستقلة.

أما عن النوع الثاني من المتطرفين فيوضح “تورشين” أن «مثالهم الأبرز هو بالطبع تنظيما القاعدة وداعش، اللذين ينشطان في المنطقة منذ فترة، ويضمّان عناصر سوريين وعراقيين، لديهم خبرة عسكرية كبيرة.  التنظيمان اتخذا من المثلث الجغرافي، الواقع بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي، ملاذاً امناً لهم، بسبب هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، ووجود حواضن أهلية لهم فيها».

ويؤكد الباحث «وجود نوع من التفاهم والتعايش والاعتماد المتبادل بين هذين النوعين من المجموعات الجهادية، التي نادراً ما تندلع صراعات مسلّحة فيما بينها، وإذا نجحت بالاتحاد، وتكوين كتلة جهادية واحدة، فسيصبح بإمكانها الإطاحة بحكومات دول الساحل الإفريقي، وإقامة حكمها الخاص، على نمط طالبان في أفغانستان».

إلا أن “تورشين” يعتقد أنه «يمكن التفاهم والتفاوض مع جماعات مثل “حركة تحرير ماسينا” و”حركة تحرير أزواد”، لأنها تسعى إلى أهداف سياسية محلية، مثل إنشاء دول مستقلة لإثنيات معيّنة، وهذا قد يقنعها بعدم ضرورة التحالف والاندماج مع القاعدة وداعش».

 

هجرة الجهاديين

من جهته لا يستبعد “عبد الواحد أولاد مولود”، الباحث المغربي المتخصص بالشأن الأمني في منطقة الساحل الإفريقي، «هجرة أفراد الجماعات المتطرفة من الساحل الإفريقي إلى أوروبا».

موضحاً، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الوضع الأمني في دول الساحل متردٍ جداً، بسبب الاضطرابات السياسية المتكررة والانقلابات العسكرية، كما حدث في مالي وتشاد. فضلاً عن أن الحرب الأهلية الليبية أثّرت على استقرار الأوضاع في المنطقة بأسرها، فصار بإمكان المتطرفين العبور من منطقة الساحل الإفريقي إلى منطقة البحر المتوسط».

ويرى “أولاد مولود” أن «جميع هذه العوامل دفعت فرنسا الى التدخّل العسكري. وقد نجحت في البداية بلعب دور فعّال، وخلق نوع من التوازن الأمني، خاصة في مالي، ولكن بعد تكبّد القوات الفرنسية خسائر كبيرة، أدركت باريس أن الحل العسكري وحده لن يقضي على الإرهاب، ولا بد من إطلاق مشاريع تنموية موازية، لتطوير أحوال المنطقة، وإيجاد أفق مستقبلي للأهالي. والانسحاب الفرنسي المزمع يأتي ضمن هذا التوجه الجديد».

ورغم هذا يؤكد الباحث أن «نشاط الإرهابيين لن ينتهي في المستقبل المنظور، وكذلك هجرة الجهاديين، فهم يقومون باستغلال أي فرصة ممكنة للعبور إلى أوروبا»، مشدداً على أن «أمن اوروبا ودول البحر المتوسط، مثل المغرب والجزائر، أصبح مهدداً بعد انسحاب القوات الفرنسية من الساحل الإفريقي».

ويختتم الباحث المغربي حديثه بالتساؤل: «من سيعوّض الفراغ الفرنسي في المنطقة، التي يتصاعد فيها نشاط الجماعات المتطرفة يوماً بعد يوم؟».

وتُعتبر منطقة الساحل الأفريقي الغربي من المناطق الاستوائية شبه القاحلة، وتتسم بطابع بيئي متجانس، إلا أن دولها تضمّ كثيراً من القوميات والأديان، وكانت هذه الدول سابقاً مستعمرات فرنسية، قبل أن تنال استقلالها.