“أنبوب الغاز العربي” هل سيكسر عزلة دمشق؟

“أنبوب الغاز العربي” هل سيكسر عزلة دمشق؟
أنبوب الغاز العربي

في وتيرة متسارعة، وبعد اجتماعات ونقاشات عُقدت على عجل، اتفق وزراء الطاقة في كل من مصر وسوريا ولبنان والأردن قبل أيام إعادة تفعيل “خط الغاز العربي” لإمداد لبنان بالغاز عبر الأراضي السورية، في خطوة رآها الكثير من المحللين أنها تحمل في طياتها مكاسب اقتصادية وسياسية للسلطات السورية التي تعاني من العقوبات والعزلة الدولية.

تساؤلات كثيرة طرحت عن أهمية وتوقيت إعادة تشغيل خطوط الغاز العربي عبر سوريا وموقف الحكومة السورية منها؟ وما هو مصير قانون “قيصر” الذي يفرض عقوبات على التعاملات الاقتصادية مع السلطات السورية؟ ولعل السؤال الأهم هنا: هل ستنتهي أزمة الطاقة والوقود في سوريا بعد وصول الغاز المصري إليهما؟

ما هو خط الغاز العربي؟

لا شك أن فكرة مد أنابيب الغاز بين دول المشرق العربي ليست جديدة، إذا يعود تاريخ إنشاء هذا الخط إلى العام 2003، حيث تم إنشاء الجزء الأول منه الذي يصل بين مدينة العريش المصرية ومدينة العقبة جنوب الأردن بتكلفة 220 مليون دولار.

الجزء الثاني من المشروع تم الانتهاء منه عام 2005 ويربط بين مدينة العقبة والرحاب الأردنية، التي تبعد نحو 24 كيلو متر عن الحدود السورية بطول 390 كيلو متر، وتكلفة 300 مليون دولار.

أما المرحلة الثالثة من المشروع فكانت داخل الأراضي السورية بطول 324 كيلو متر، حيث استلمت إدارة المشروع حينها شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية.

ويمر الخط من منطقة الرحاب إلى منطقة دير علي في سوريا، ومن هناك يسير الخط إلى محطة الريان لضغط الغاز بالقرب من محافظة حمص واكتمل إنشاؤه عام 2008.

وكان من ضمن الخطة أن يتوسع الخط ويمتد من حمص إلى حلب ثم إلى ولاية كليس في تركيا، لكن الشركة الروسية رفضت خوفاً من انخفاض صادرات روسيا من الغاز إلى الدول الأوروبية.

وتوقف المشروع عام 2010، وتوقفت إمدادات الغاز الواصلة إلى سوريا في أواخر عام 2011، وبقيت مصر تزود الأردن بالغاز عبر ذلك الأنبوب.

ولم تنجُ تلك الأنابيب من عمليات الاستهداف سواء في سوريا أو مصر بعد عام 2011، حيث تم استهداف أنبوب الغاز المصري في منطقة العريش بمحافظة سيناء أكثر منذ 16 مرة، استهدف معظمها الأنبوب الواصل إلى إسرائيل، حيث أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن معظمها.

ووقعت استهدافات أخرى لخط الغاز الواصل بين مصر والأردن، حيث توقفت إمدادات الغاز المصري للأردن في شهر آذار- مارس 2012 بعد الاستهدافات المتكررة، ثم استؤنفت الإمدادات في 2013، لتتوقف مجدداً إثر نضوب مفاجئ لحقول الغاز المصرية التي تغذيه، ومن ثم إعادة تفعليه بعد توقيع مصر لاتفاق مع إسرائيل لاستجرار الغاز بعد اكتشاف الأخيرة لحقول غاز في المياه الإقليمية.

وكذلك الحال بالنسبة لخط الغاز العربي الذي يمر من الأراضي السورية، فهو الآخر تعرض إلى عدد من الاستهدافات، حيث أكد وزير الكهرباء في حكومة تسيير الأعمال “محمد زهير خربوطللي” عام 2020 أن خط الغاز العربي تعرض للتفجير أكثر من 6 مرات منذ عام 2011.

وكان آخر الاستهدافات لخط الغاز داخل الأراضي السورية في آب- أغسطس 2020، إذ استهدف الأنبوب في منطقي الضمير وعدرا بريف دمشق، وأدى الانفجار إلى انقطاع التيار الكهربائي عن كامل سوريا، وقدرت الأضرار حينها بـ800 مليون ليرة سورية.

واتهمت السلطات السورية حينها “الإرهابيين” باستهداف خط الغاز دون أن تذكر مدبر الهجوم، ولكن مسؤولاً أمريكياً قال إنه “من شبه المؤكد أن منفذي الهجوم هم أفراد في تنظيم داعش”، بحسب ما نقله موقع “bbc” البريطاني.

مكاسب رمزية للسلطات السورية!

وقال الباحث الاقتصادي الدكتور “فراس شعبو” إن «موضوع إعادة تفعيل خط الغاز العربي هو ضربة سياسية واقتصادية في نفس الوقت تحاول السلطات السورية استغلالها واللعب عليها، فمن ناحية سياسية تريد السلطات إعادة تعويم نفسها عربياً على الأقل والاعتراف بشرعيتها من خلال اللقاءات والوفود التي زارت سوريا الأيام الماضية، في ظل موافقة أمريكية وتأييد للموضوع».

وأضاف الباحث الاقتصادي في حديث لموقع (الحل نت) أن «الجانب الاقتصادي مهم أيضاً، فكانت السلطات السورية تأمل في الحصول على عائدات مالية بالعملة الصعبة مقابل مرور الغاز على أراضيها، لكن النقاشات تجري حالياً لمنحه كمية من الغاز وعدم التعامل مالياً بسبب العقوبات، وهذا بدوره يخفف الضغط جزئياً عن أزمة الوقود التي تعيشها سوريا».

ولدى سؤال الدكتور شعبو عن إمكانية تحسن أوضاع الطاقة في سوريا بعد بدء ضخ الغاز المصري في الأنابيب أكد أن «ضخ كميات من الغاز وإمداد سوريا بها لا يعني إعادة تحسن الوضع الاقتصادي في سوريا، فالحالة الاقتصادية في سوريا أسوأ من أن يعالجها مرور خط الغاز من دولة إلى دولة، وبالتالي يمكن أن يسهم في تحسين أوضاع الكهرباء بشكل جزئي، وليس بشكل جذري كما يدّعي الكثير من محللي الاقتصاد».

ولفت شعبو إلى أن «السلطات السورية حالياً يعاني من الفساد والمحسوبيات والرشاوى وتضارب المصالح بين أجنحته الاقتصادية، فعندما كانت كل الموارد النفطية بأيدي سلطات النظام قبل الثورة لم نشهد نقلة نوعية في سوريا، فكيف سيكون الوضع بعد عشر سنوات حرب والسلطات عاجزة عن سد احتياجات الشعب، فالموضوع عبارة عن خط غاز ولسوريا حصة منه وليس كله».

وفي إجابته عن سؤال حول مصير موارد الطاقة التي تشتريها السلطات السورية من المناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد” شمال شرق سوريا أوضح أن «قسد ترسل إلى الحكومة السورية النفط بالدرجة الأولى، وجميع ما يستورده من المناطق الشرقية التي تخضع لسيطرة قسد لا تكفي احتياجاته اليومية، سواء من النفط أو الغاز، وهو ما نلاحظه اليوم من ساعات تقنين الكهرباء في معظم مناطق سيطرة الحكومة التي تصل لأكثر من 14 ساعة يومياً، رغم بواخر النفط الإيرانية أيضاً التي تصل تباعاً إلى سوريا أيضاً».

والغاز الذي تعول السلطات السورية على حصتها منه يستخدم في إنتاج الطاقة الكهربائية، لكن المشكلة في نقل حصة سوريا من الغاز إلى باقي المحافظات التي تعرضت للتدمير بشكل جزئي أو كلي، وهذه كلها أمور يجب أخذها بعين الاعتبار قبل الحديث عن فوائد اقتصادية ضخمة كما يصفها البعض، بحسب شعبو.