النسيج السوري.. من الريادة عالمياً إلى الأنين تحت وطأة الوقود والكهرباء

النسيج السوري.. من الريادة عالمياً إلى الأنين تحت وطأة الوقود والكهرباء
النسيج السوري
أستمع للمادة

تشير الكتابات الهيروغليفية إلى أن السوريين كانوا سادة صناعة النسيج في أواخر الألف الرابعة قبل الميلاد، وأن منسوجاتهم كانت منتشرة في أكثر بقاع العالم المعروفة آنذاك.

وتحدث الإدريسي عن المنسوجات الدمشقية خلال زيارته لدمشق سنة 510 هجري فقال: «مدينة دمشق جامعة لصنوف من المحاسن، وضروب من الصناعات وأنواع من ثياب الحرير، كالخز والديباج النفيس الثمين العجيب الصنعة، الذي يحمل منها إلى كل بلد ويتجهز منها إلى كل الآفاق والأمصار». ‏

إذاً سوريا منذ القدم تمتلك شهرة عالمية في الصناعات النسيجية والغزول، وأصبحت هذه الصناعة بمثابة الهوية التي تدلل على الميزة التي تتمتع بها، إلا أن سرعان ما بدا يخبو نجمها رويداً رويداً، لعوامل كثيرة منها موضوعية وأخرى ذاتية.

وكشفت الأحداث في سوريا منذ عام 2011 وحتى وقتنا الراهن، عن المستور وأصبحت هذه الصناعة الحيوية من الماضي، وخصوصاً بعد خروج الكثير من  الصناعيين من معادلة الإنتاج سواء من حيث هجرة أموالهم ومصانعهم إلى الخارج، أو تدمير مصانعهم في المناطق الصناعية وخاصة في مدينة حلب نتيجة الحرب الدائرة.

ولكن لا بد من الإشارة قبل الخوض في تفاصيل تراجع صناعة الغزل والنسيج، فإن سوريا تتميز من بين عدد قليل من الدول العربية بأنها تمتلك لسلسلة إنتاج للصناعات النسيجية، تبدأ من مادة القطن الخام وحتى المنتج النهائي من الأقمشة والملابس بأنواعها المختلفة، حيث بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي للصناعات النسيجية عام 2008 نحو 83%.

كما بلغت مساهمة الصناعات النسيجية في الناتج المحلي الصناعي عدا تكرير النفط 27% وساهمت بحوالي 40% من الصادرات الصناعية غير النفطية وبحوالي 30% من إجمالي عدد العاملين في الصناعة،  كما بلغ عدد المنشآت النسيجية المسجلة رسميا  لغاية عام 2015 نحو 23267 منشأة عدا المنشآت  غير النظامية.

بينما يبلغ عدد الشركات التي تتبع للمؤسسة العامة للصناعات النسيجية 25 شركة، منها 11 شركة تعمل لغاية منتصف العام الجاري 2021 ، بحسب مصدر من المؤسسة العامة للصناعات النسيجية (لم يذكر اسمه)

11 شركة في الخدمة

وأوضح المصدر لموقع (الحل نت) أن الشركات التي تتبع المؤسسة العامة للصناعة النسيجية، كان منها يعمل 9 شركات تنتج الغزول القطنية وبعض الشركات تنتج القطن والبولستير و8 شركات تنتج الأقمشة القطنية والمصبوغة، و8 شركات تنتج الأقمشة الداخلية والجاهزة والسجاد والصوف والنايلون والجوارب.

وأرجع المصدر الصعوبات التي تعاني منها شركات القطاع العام النسيجي في ظل الأحداث في سوريا إلى النقص الكبير في حوامل الطاقة وخاصة منها الكهرباء والديزل والفيول وغيرها، إضافة إلى  غياب الأيدي العاملة الخبيرة، علاوةً على عدم توفر الميزانية المالية على لتحديث خطوط الإنتاج التي يعود البعض منها إلى فترة الخمسينيات من القرن الماضي.

ارتفاعات مكوكية لأسعار الغزول

رغم خروج العديد من منشآت القطاع الخاص النسيجي من دائرة الإنتاج، إلا أن المنشآت التي لا تزال تعمل، أصحابها يشكون من ارتفاع أسعار الخيوط القطنية (الغزول).

وجاء ذلك خصوصاً بعد إعلان “المؤسسة العامة للصناعات النسيجية” خلال النصف الثاني من العام الجاري( 2021 ) عن رفع   أسعار الغزول القطنية الممشطة والتربينية التي تنتجها شركات المؤسسة، وبيعها للقطاعين العام والخاص.

وتراوحت قيمة الزيادة بين 1500 – 3500 ليرة للكيلو  بحيث أصبح سعر كيلو الخيوط يتراوح ما بين 8000 ليرة سورية  و10 ألف ليرة لخيوط النمرة من 1\12 إلى 1\20 ، بينما خيوط النمرة 1\30 فيتجاوز سعرها 12 ألف ليرة.

وهذه الزيادة لسعر الخيط أدى إلى ارتفاع في تكلفة المنتج من الغزول على الصناعيين لدى القطاع الخاص الذين اعتبروا أنهم يشترون الغزول من الدولة بسعر أعلى من الأسعار العالمية التي تبيع بها المؤسسة العامة للصناعات النسيجية، متسائلين لماذا لا يوفرون لهم قنوات لاستيراد الخيوط من الخارج ودعمهم بتوفير القطع الأجنبي.

تخفيض كلفة المادة الأولية

وطالب الصناعي “حسين حمد” يملك معمل في صناعة المناشف والبشكير في ريف دمشق، بتخفيض كلفة المادة الأولية، باعتبارها تنتج من قبل معامل الغزل الحكومية، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار الخيوط القطنية وحوامل الطاقة وغلاء المعيشة، ساهم في تراجع إنتاج منشأته إلى الربع  وعدم تصريف البضاعة،  في السوق المحلية أو تصديرها إلى الخارج والسبب برأي الصناعي حسين حمد يعود الى ارتفاع تكلفة المنتج ، ودخول منتجات قطنية من الخارج وبخاصة منها الصينية والهندية بأسعار منخفضة وذات نوعية متدنية حسب تعبير الصناعي.

من جانبه أوضح الصناعي “علي بدران” لموقع (الحل نت) أنه في السابق كان يوجد مخصصات من الغزول لأصحاب المنشآت الصناعية بأسعار مخفضة عن طريق الجمعيات الحرفية، حيث كان يعطى صاحب المنشأة طن من الغزول وبسعر مدعوم، لكن هذا الامتياز سحب منذ أكثر من 10 أعوام وألغي دور هذه  الجمعيات.

هجرة الصناعيين إلى مصر

في مقابل ذلك كثر الحديث عن هجرة الصناعيين السوريين وخصوصاً في القطاع النسيجي إلى مصر بشكل رئيسي، وكثرت التصريحات المثيرة للجدل ما بين وسائل الإعلام، بحيث لم نستدل من خلال تواصلنا مع عدد من أعضاء غرف الصناعة في دمشق وحلب على أرقام موحدة لعدد الصناعيين الذين أنشأوا مصانعهم في دولة مصر.

ولم يكن هناك سوى تصريح واحد أدلى به عضو غرفة صناعة حلب “مجد ششمان” لإحدى الإذاعات المحلية، وأعلن فيها عن هجرة نحو 50 ألف صناعي من حلب ودمشق إلى مصر، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.

إلا أن هذا التصريح سرعان ما تم التقليل من أهميته من خلال أمين سر غرفة صناعة دمشق وريفها “محمد أكرم الحلّاق” الذي أشار إلى أن جميع المصانع والصناعيين لا يزالون في الأسواق السورية ولم يغادروها، وأن هذا الكلام مغرض وغير واقعي وهو من باب الإشاعات.

كما نفى رئيس الحكومة السورية “حسين عرنوس” خلال  قراءته البيان الوزاري في مجلس الشعب في شهر سبتمبر الماضي، وفي معرض رده على سؤال أحد الأعضاء بشأن هذه الهجرة، بأنها غير حقيقية، مطالباً العضو أن يزوده بالأرقام والأسماء التي هاجرت.

وكان  وزير الخارجية السوري “فيصل المقداد” التقى ممثلي الجالية السورية من الصناعيين ورجال الأعمال في مصر، وكانت التكهنات تصب في محاولة منه لإقناع الصناعيين السوريين للعودة إلى سورية، بينما ما أعلن عنه رسمياً من خلال وزارة الخارجية والمغتربين السوريين أن اللقاء تمت مناقشة السبل الميسرة لتنفيذ توجه الحكومة السورية لإعادة توطين بعض الاستثمارات السورية ضمن خطة منسجمة مع قانون الاستثمار الجديد والخطة الاستثمارية.

كما نفى وزير الخارجية السوري لاحقاً في لقاء صحفي عن هجرة الصناعيين السوريين إلى مصر واعتبر الأمر مبالغ به، مؤكداً أن الاستثمارات في مصر ستعود في نهاية المطاف خيراً على سوريا.

وفي ذات السياق، يرى الخبير الاقتصادي والصناعي “فؤاد اللحام” أن تشجيع عودة الصناعيين إلى سوريا تتطلب العمل بشكل منسق ومتكامل وبوقت واحد لإنجاز مهمتين معاً الأولى: المعالجة الجدية لمشاكل الصناعيين الراهنة.

والمهمة الثانية: التواصل مع الصناعيين في الخارج لأنه مهما كانت حوافز قانون الاستثمار الجديد فإن أي صناعي في الخارج سيتردد كثيراً أمام الصعوبات التي يواجهها حالياً معظم الصناعيين في الداخل والذين لم يعودوا يخفون احتمال توقف منشآتهم أو المغادرة مع التأكيد على ضرورة معالجة المشاكل والأوضاع الخاصة التي تتعلق بعدد من الصناعيين في الخارج.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد