نساء نهاد قلعي: صورة المرأة وألعاب التحوّل الجنسي في تراث مؤسس الفرجة السورية

نساء نهاد قلعي: صورة المرأة وألعاب التحوّل الجنسي في تراث مؤسس الفرجة السورية
أستمع للمادة

«إذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا يحدث في البرازيل». ليس الكلام السالف من معلومة إخبارية في زمن الوباء العالمي الذي نشهده. بل هو افتتاحية مقال صحفي، علقت في أذهان أجيال من المتفرجين، لـ”حسني البورظان”، الشخصية التلفزيونية السورية الشهيرة، التي كتبها وأداها الفنان الراحل نهاد قلعي في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

يعتبر  قلعي واحداً من أهم مؤسسي فنون الفرجة السورية الحديثة. فقد ساهم بتأسيس “المسرح القومي”، رفقة “عبد اللطيف فتحي” وآخرين. كذلك قدّم للسينما عشرات الأعمال، تأليفاً وأداء، ولعب دوراً كبيراً في جعل السينما السورية تنافس السينما المصرية، صاحبة الإرث الكبير في الستينات. كما وصلت الثنائية الكوميدية، التي لعبها برفقة دريد لحام (غوار الطوشة-حسني البورظان) إلى جلّ الجماهير العربية آنذاك.

 كتب قلعي عشرات الأفلام السينمائية، غلب عليها الطابع الكوميدي، مع تقديم عبرة أخلاقية نهاية الفيلم. ولم ينأَ بنفسه عن السياسة. فحملت أعماله نقداً سياسياً مغلّفاً بكوميديا سوداء. وربما كان ذلك أحد الأسباب الأساسية التي ساهمت في تغييبه عن الصورة، زمن سوريا البعث في السبعينات والثمانينات. إضافة إلى وضعه الصحي، الذي تدهور بشدة قبل وفاته عام 1993.

لم يستعد قلعي في الثقافة السورية كما يليق بمؤسس. ولم تلق أعماله البحث الكافي بعد. حتى بعد اندلاع الثورة السورية، واستعادة بعض الرموز الثقافية السورية، التي عُدّت متمردة على الخطاب الرسمي للنظام الحاكم.

وإذا كان مؤسس الفرجة السورية لم يكرّس بوصفه رمزاً ثقافياً للمعارضة، فربما يمكن إعادة قراءة أعماله من زاوية تثير اليوم كثيراً من الاهتمام والجدل. أي طريقة تمثيله للنساء، وللأدوار الجندرية عموماً في أعماله.

الجدير بالتأمل والبحث في أعمال قلعي حضور خط يمكن وصفه بـ”النسوي” في كثير من مسلسلاته وأفلامه. وبشكل خاص في ثلاثيته التلفزيونية، التي كانت الشرارة في انطلاقة الدراما التلفزيونية السورية، والتي تكوّنت على التوالي من مسلسلات: “مقالب غوار” (1967) إخراج خلدون المالح وفيصل الياسري. “حمام الهنا” (1969) إخراج الياسري أيضاً. والمسلسل الأشهر “صح النوم” (1972) من إخراج خلدون المالح. إلا أن الحديث عن “خط نسوي” لا يعني أن تلك الأعمال طرحت نفسها بوصفها أعمالاً نسوية. على العكس، معظم شخصيات قلعي من الذكور. وفضاءات القصص ذكورية هي الأخرى.

في المسلسل الأول فضاء الحكاية  قهوة شعبية. وفي الثاني حمام تركي. أما في “صح النوم” فالفضاء هو فندق صغير. في العملين الأولين صاحب العمل هو “أبو صياح”، الذي أدى دوره رفيق سبيعي. الشخصية النمطية  لـ”الزكرتي” الدمشقي. يذكوريته الطافحة، أخلاقه النبيلة. ولكن في الجزء الثالث يحدث تحول كبير في لب الحكاية. يُستبدل البطل الفحل، بأنثى جميلة وقوية. وتصبح “فطوم حيص بيص”، التي أدت دورها نجاح حفيظ، البطل المطلق للعمل. والشخصية التي تدور حولها أحداث الحكاية.

ولكن ما دلالة الانتقال من مقهى وحمام تركي يديرهما زكرتي دمشقي، إلى فندق (ومن سمات الفندق الانفتاح على العالم والغرباء الوافدين من كل مكان) تديره امرأة مستقلة؟ وهل من الدقيق حقاً الحديث عن “نسوية” لدى نهاد قلعي؟ وما ضرورة العودة إلى تراث مؤسس الفرجة السورية للبحث عن جذور خطاب نسوي محلي؟

في السؤال عن الإرث النسوي السوري

هنالك مصدران لقراءة الأثر النسوي: الأول هو النص النظري، بما يشمل كل النتاج الأدبي والفكري. الثاني هو الانعكاس الفني لصورة المرأة في الفنون الجماهيرية. إلا أن ذلك الأثر، الذي بدأ الآن يشكل طلائع حركة نسوية، ليس وليد اليوم. كما انه ليس نتيجة الانفجار السوري الكبير. إنما هو قائم على إرث نسوي كبير وممتد، ترسخت أساساته في بدايات القرن. ولا بد من تفحّص شبكاته المعرفية والرمزية.

لا يمكن قصر وصف “الحركة النسوية” على مجموعة الأبحاث والمقالات، والعمل الأدبي والإعلامي، الذي تأديه ناشطات يعرّفن أنفسهن بهوية نسوية واضحة. بل يندرج تحت هذا الوصف  كل الأفعال والأحداث الاجتماعية المتعلقة بالمرأة. من الممارسات اليومية، التي تقوم بها النساء للتكيف مع أوضاعهن، ومقاومة الضغوطات التي يتعرضن لها، بشكل مباشر أو غير مباشر. مروراً بالمعارك، التي يخوضها سياسيون وحقوقيون من الجنسين ضد النظام الدستوري والتشريعي الظالم للنساء. وصولا إلى تمثيل النساء في الثقافة الجماهيرية.

بهذا المعنى ربما تكون أعمال قلعي منطلقاً جيداً لدراسة الإرث النسوي السوري. فهي وثائق شديدة التكثيف عن التغيرات الاجتماعية والسياسية، التي طالت أوضاع النساء والأدوار الجنسية في البلاد بعد الاستقلال. وعلى الرغم من أن قلعي لم يرفع راية النسوية. إلا أنه امتلك موقفاً، يمكن استشفافه بوضوح، كان دوماً “يشير نحو الأمام”، إن صح التعبير. فقد قدّم صوراً شديدة التأثير لسعي النساء للاستقلال وامتلاك القوة. 

الألعاب الجندرية في “مقالب غوار”

أول مسلسل في ثلاثية نهاد قلعي التلفزيونية كان “مقالب غوار”. وهو مسلسل كوميدي يدور في مقهى شعبي، وبطله القهوجي “غوار الطوشة”. قُدمت منه نسختان، لبنانية وسورية. وفي النسختين صوّرت النساء السوريات واللبنانيات عبر شخصيات متعددة. كان أبرزها شخصية “ازدهار”، حبيبة “غوار”، التي تعمل خادمة منزلية عند عائلة برجوازية.

وعلى الرغم من أن هذه الشخصية، التي أدتها الفنانة “فايزة شاويش”، لن تنضج إلا في العمل التالي “حمام الهنا”. إلا أن الملفت في “مقالب غوار” ألعاب التحوّل الجنسي التي تتم في العمل. إذ نرى الذكور يقومون بأداء أدوار نسائية، والنساء يفعلن العكس.

في الحالة الأولى نرى تحوّل “حسني البورظان” إلى “فاتنة المقاهي”. المغنية الجديدة الآتية إلى مقهى “أبي صياح”. ليوقع “غوار الطوشة”، الجاهل بالنساء، في مقلب شديد القسوة. أما في الحالة الثانية فيطلب “غوار” من أخته أن تلبس زيه (الطربوش والشروال والقبقاب)، وتذهب بدلاً منه إلى بيته، الذي يرابط “البورظان” على بابه لينال منه.

ألعاب التحوّل الجندري هذه قديمة في فنون الفرجة. لكن الجديد فيها هنا هو الدلالة الاجتماعية للتحوّل. ووجود نوع من التقبّل الاجتماعي له. فحينما يسأل “البورظان” أخت “غوار” عن سبب ارتدائها الملابس الذكورية، تجيبه بكل بساطة: «أنا حرّة». فقد رأت ذلك الزي مناسباّ لها فارتدته. ويؤيدها كل الناس الذين اجتمعوا حول المشهد/الفضيحة. إلا أن الفضيحة لم تكن من نصيب الفتاة، بل من نصيب “البورظان”، الذي اعترض طريق امرأة بسبب ملابسها.

“منتهى الجمال”: We can do it

“مُنتهى، مُنتهى”.. شرائح واسعة من الجماهير العربية شاهدت ذلك النداء الشهير لـ”غوار الطوشة”، وهو يغني في التلفزيون السوري ويشير بيده تجاه الكاميرا. كانت تلك الحلقة الأخيرة من المسلسل السوري “حمام الهنا”، الجزء الثاني من ثلاثية قلعي.

يتوسّع الحضور النسائي  في هذا العمل وتنضج شخصية رفيقة غوار “منتهى”. وتخرج من كونها شخصية ثانوية، لا وجود لها إلا في ظلال الذكور، لتصبح شخصية مستقلة.

“منتهى” خادمة في بيت عائلة “حسني البورظان”، يتعرّف عليها “غوار” في الحلقة الأولى، وتصبح حبيبته. الملفت في شخصية “منتهى” أن ما يجمعها مع “غوار”، أمام كل المجتمع الذكوري المحيط بالحمام الشعبي، الذي تدور فيه الأحداث، وأمام المشاهدين في منازلهم أيضاً،  كونها حبيبته فحسب، لا صفة رسمية لها، خطيبةً أو زوجةً أو قريبةً. هي صديقة غوار، “صاحبته”. الجميع يعلم ذلك ويتعامل معه دون أي حكم أخلاقي.

“مُنتهى” ندّ لـ”غوار”، لا تظهر خلال العمل مستضعفةً أو مهيمناً عليها. وإنما فتاة مستقلة مادياً، تعيش من عملها، لا بل تسند حبيبها عند انتكاسته في العمل. إنها حرة، تزور “غوار” في بيته وحدهما. وتسأل عنه صراحة رجال الحارة الشعبية.

رسم مخرج العمل، فيصل الياسري، برفقة الممثلة “لينا باتع”، التي أدت الدور، صورة لشخصية “منتهى” بدت طليعية جداً في زمنها: فتاة جميلة وقوية، تربط عصبةً على رأسها، وتشمّر عن سواعدها. ربما كانت  الصورة قريبة من صورة الفتاة في الملصق الأميركي “We can do it”. وهو الملصق الدعائي، الذي تحوّل إلى رمز الحركة النسوية في الثمانينات.

في العمل ذاته يتطرّق قلعي لمسألة التحرش. ويظهر قدرة القانون على ضبطه، وموقف المجتمع السلبي منه. بل حتى موقف “أبي صياح”، المعلّم المترع بالذكورة، الذي يطالب بضرورة إنزال أشد العقوبات بشغيله “غوار”، لأنه تحرّش بفتاة ترتدي “الميني جوب”، اللباس الذي كان دارجاً وقتها. لا يترك الكاتب لشخصية “غوار” أي مبرر أو عذر للتحرّش، يغلق كل الأبواب عليه. ولا يجعله يخرج من السجن إلا بعد تنازل عائلة الفتاة المُتحرّش بها عن ادعائها ضد الجاني، بشرط ألا يكرر فعلته مطلقاً.

“فطوم حيص بيص”: المرأة/ المركز

إلى الآن، ومنذ انطلاقة التلفزيون السوري، لم تُقدم شخصية نسوية بمقدار شخصية “فطوم حيص بيص”. تعني كلمة “حيص بيص” بالتركية الحيرة. وتلك سمة “فطوم” الأوضح. تحتار في الاختيار بين رجل المجتمع المحترم “حسني البورظان”، والصعلوك، أو Bad boy حسب التعبيرات المعاصرة، “غوار الطوشة”.

لكن شخصية “فطوم” لم تكن مقتصرة على المسائل العاطفية. فلم يسجن قلعي بطلته في دور المرأة الرومانسية، التي يمكن اختزالها بعلاقاتها مع الرجال. أو اعتبارها موضوعاً مكرساً لرغبة الذكور. فهي أيضاً مديرة وصاحبة الفندق، الذي يعمل به “غوار”، والمحرّك الأساسي للأحداث، تمتلك شخصية قوية وفريدة. عنيفة مع عمالها. ومتينة أمام رجال الحارة. ترتدي “الملاية” في الخارج. بينما هي في الفندق، أمام الجميع، بدون حجاب، وبلباس خفيف.

يمثل مشروع “فطوم” الفندقي، المركز في حارة “كل مين إيده إله”، الحارة الدمشقية النموذجية، التي تدور فيها أحداث العمل. بل يكاد يكون المشروع الوحيد الناجح فيها. ويستمر العمل فيه رغم كل المقالب والحكايا التي تدور بين العاشقين المتنافسين. الملفت في شخصية “فطوم”  تقديم المرأة فرداً قادر على الريادة. لا بل أكثر كفاءة من الذكور المتنافرين المتصارعين.

“فطوم” شخصية نسوية بامتياز، ليس لأنها تحمل خطاباً نسوياً نظرياً، بل لأنها صاحبة فعل نسوي متين. ليست طريدةً أو هدفاً. بل مركز القوة في شبكة العلاقات الدرامية. وهي صاحبة السلطة، العاطفية بالحب، والمهنية في الحياة العملية. لا بل هي الوحيدة القادرة على تمويل وإعالة نفسها. في الوقت الذي نرى فيه الذكرين، الصحفي وعامل الفندق، يستندان عليها مالياً.

في النهاية تختار “فطوم” بشكل مستقل عن رغبات الذكور كلهم. تتزوج “ياسين”، العامل الدرويش، الذي من الواضح أن سيبقى تحت جناحها دوماً. هكذا انتزعت تلك المرأة القوية حريتها وقرارها. بعيداً عن صراع الديكة الذي دار حولها. ربما يشير قلعي بهذا إلى قدرة النساء المستجدة على الخروج من شبكات الهيمنة الذكورية المترسخة. كل المعارف، توازنات القوى، التركيبات اللغوية والسلوكية، التي بناها أصحاب الشوارب السميكة، انهارت بقرار مستقل من امرأة، لم تقبل أن تكون مجرد موضوع للرغبة. وحققت رغبتها الخاصة.

أبعد من قلعي

قدمت الممثلات اللواتي أدين الأدوار (لينا باتع، نجاح حفيظ، فايزة شاويش، وغيرهن) نموذجاً رفيعاُ لنساء سوريا في الستينيات والسبعينيات. ونقلن في تجسيدهن تلك الشخصيات الأفكار التي حملتها نصوص قلعي، وطورنها ونفخن فيها الروح. ولذلك فيمكن القول أن “نسوية” قلعي لم تكن توجها فردياً لكاتب طليعي. بل نتيجة عمل جماعي شاركت به النساء بشكل محوري.

في السياق ذاته لم تنكفئ الدراما التلفزيونية السورية، في سنوات ذروتها، عن مواصلة الخط الذي بدأ مع قلعي. وساهمت كاتبات سوريات، مثل “ريم حنا”، “أمل حنا”، “يم مشهدي”، وغيرهن. في تدعيم المعمار الدرامي السوري، بطرح قضايا نسوية معاصرة، وشخصيات نسائية، تحمل بذاتها أسئلة وقضايا راهنة.

الدولة السورية في فترة ما بعد الاستقلال، التي نمت ضمنها الدراما التلفزيونية، انهارت اليوم. وتتعرّض النساء السوريات، سواء من بقي منهن في البلاد، أو اللواتي خرجن إلى المنافي والمغتربات، لأوضاع مركّبة من القمع والهيمنة. يبتكرن معها أشكالاً جديدة للمقاومة. فهل تستطيع النسوية السورية اليوم بناء خطاب جديد للتعبير عن هذا، يتجاوز ما أسسه جيل الرواد، أم أنها ستبقى متأخرة عن تمثيل الجديد في حياة ملايين السوريات؟ من الجيد أن يبقى السؤال مفتوحاً على كل احتمالات الإجابة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة