الإعلام السوري البديل: هل نجح “المواطن الصحفي” بسد ثغرات تغطية الحدث السوري؟

الإعلام السوري البديل: هل نجح “المواطن الصحفي” بسد ثغرات تغطية الحدث السوري؟
أستمع للمادة

كان الإعلام السوري البديل إحدى أهم الظواهر التي أفرزتها الاحتجاجات السورية، التي انطلقت عام 2011. فبعد أن حرصت وسائل الإعلام الرسمية، التابعة للحكومة السورية، على تقديم صورة متوافقة تماماً مع رواية السلطات للأحداث. وتم منع وسائل الإعلام الأجنبية من العمل في البلاد، دخلت أعداد كبيرة من الناشطين في الحراك الإعلامي. لتغطية الوقائع، التي حاول الإعلام الحكومي إخفائها عن العالم. رغم عدم توفر الخبرة في العمل الصحفي لدى كثيرين ممن تصدوا لهذه المهمة.

فإلى أي درجة نجح الإعلام السوري البديل بتشكيل بديل فعلي عن الإعلام الرسمي؟ وما أهم التحديات التي يواجهها؟

«بدأنا نشطاء وأصبحنا مصادر»

“محمد حسن العايد”، المنحدر من مدينة حمص، بدأ نشاطه بصفة “مواطن صحفي” مع اندلاع الاحتجاجات السورية. ثم بات مراسلاً، وهو اليوم مدير لعدة مواقع إخبارية.

يسرد “العايد” لموقع «الحل نت» تجربته في الإعلام السوري البديل: «كانت هناك كلية واحدة تدرّس الإعلام في سوريا. واقتصر نشاطها على رفد المؤسسات الإعلامية الحكومية بالصحفيين. وقد اتخذ عدد من هؤلاء الصحفيين الأكاديميين موقفاً معارضاً للحكومة مع بدء الاحتجاجات السورية. وانضموا إلى المظاهرات محاولين تغطيتها. لكن التغير اللافت كان ظهور الناشطين الإعلاميين في الميدان. الذين بدأوا عملهم بمحاولة توثيق انتهاكات حكومة دمشق. ثم أخذوا يشقون طريقهم نحو الاحترافية في العمل الإعلامي».

مضيفاً: «تدرجنا في سلم الأولويات على مر السنين، حتى بلغنا الاحترافية. وبعض الناشطين الإعلاميين صار يعمل مع وكالات عالمية وقنوات أجنبية، وباتوا من أهم مصادرها».

وفي معرض حديثه يعتبر “العايد” أن «الإعلام السوري البديل نافذة لبث مشاكل الناس وهمومهم. إلا أن أداءه لا يخلو من النواقص والنقاط السلبية. وعانى أحياناً من كثرة الأخبار التي ينشرها دون مصادر».

 أما عن النقاط الإيجابية في عمل الإعلام السوري البديل فـ«تتمثل أساساً بحملات المناصرة لمن يتعرّضون للانتهاكات. وإنتاج أفلام وثائقية مهمة. مثل “آخر الرجال في حلب” و”الكهف” و“إلى سما” وغيرها. وجميعها حصدت جوائز عالمية. وحجزت مكانة مهمة. أوصلتها نحو العالمية. وبالمقابل هناك مشاريع توقفت، بسبب سوء الإدارة. مثل وكالة “سمارت”. وأخرى تحقق تقدماً وتطوراً، مثل “راديو روزنا” وموقع “الحل نت” وغيرهم». بحسب “العايد”.

وعن مصادر تمويل هذه المشاريع الإعلامية يؤكد “العايد” أن «هنالك داعمين متعددين. بعضهم يسعى لمناصرة فئات اجتماعية مهمة مثل النساء أو الأطفال. وإمكانية نجاح المشاريع عموماً تعتمد على طريقة طرحها الخطاب الذي تقدمه. والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، ونشاطاتها في المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق».

ويختتم تقييمه لأداء الإعلام السوري البديل بالقول: «هناك تجارب كثيرة متفاوتة في المستوى. ولكن  بشكل عام أثبت الإعلام البديل أنه أفضل من وسائل الإعلام السورية الرسمية. رغم أنها تتمتع بقدرات مالية وخبرات أكبر».  

هوامش حرية الإعلام البديل

ولكن ما مدى الحرية التي يتمتع بها الإعلام السوري البديل؟ وهل يمكن القول إنه تخلّص من معظم الخطوط الحمراء، التي كانت تنهك الإعلام الرسمي؟

“سلطان الأطرش”، ناشط إعلامي يعمل مراسلاً في محافظة إدلب، أكد لموقع «الحل نت» أن «الظروف السياسية والعسكرية تتحكّم دائماً في آلية نقل الصورة. ولا سيما أن الحالة السورية مرّت بكثير من المنعرجات مختلفة الخطورة. وتعرّض الصحفيون والناشطون الإعلاميون خلال السنوات الماضية لكثير من الانتهاكات والمضايقات. وخصوصاً مع اختلاف وتبدّل القوى المسيطرة على الأرض. والتي غالباً ما تكون أول إجراءاتها، بعد تحقيقها للسيطرة، استهداف حرية الصحفيين. وتقييدهم ضمن سياساتها. والحد من صلاحيات عملهم».

وعن مدى احترافية عمل الإعلام السوري البديل ضمن هذه الظروف يرى “الأطرش” أن «العمل الصحفي يفتقر إلى المنهجية والخبرة. خاصة في مجالات مثل البث التلفزيوني، وإدارة غرف الأخبار، والتغطية الحية للأحداث. وهو جاء أصلاً بوصفه ردة فعل على انتهاكات الحكومة السورية ومحاولة توثيقها».

منوهاً إلى أن «خريجي كلية الصحافة أنفسهم في سوريا لم يعتمدوا على المناهج والكتب التي درسوها. وإنما عملوا على تطوير أدواتهم، بالاعتماد على الخبرة والاجتهاد الذاتي».

“إياس المحمد”، مدير موقع “سيريا مونتيور” يؤكد، مثل بقية الإعلاميين الذي رصدنا إفاداتهم، أن «الإعلام السوري البديل ضمّ عدد كبيراً من الصحفيين غير الأكاديميين. الذين تمكنوا من تطوير أنفسهم، وصقل مهاراتهم الصحفية. عبر المتابعة وإنجاز تقارير مؤثرة. وهنا تتجلى أهمية عملهم. إذ استطاعوا جذب شريحة كبيرة من الناس لمتابعة موادهم الصحفية. من تحقيقات وتقارير ومقالات».

ويضيف، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «رصد ما يجري في المحافظات السورية المتعددة. ومتابعة ما تطلقه بعض الشخصيات المقرّبة من الحكومة السورية من تصريحات. يثيران اهتمام الجمهور وانتباهه. وهذا من أهم ما يتميّز به الإعلام السوري البديل».  

تجربة الإعلام السوري البديل في إدلب

من جانبه يركز الباحث السياسي “سعد الشارع” على تجربة الإعلام السوري البديل في محافظة إدلب. مؤكداً أنها «حالة خاصة. بسبب وجود حوكمة عسكرية مختلفة في المحافظة عن بقية المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق. وتوفّر نوع من الأمن النسبي. ما أتاح للصحفيين والناشطين الإعلاميين بعض المجال للعمل. كما أن معظم المؤسسات الإعلامية لا تملك إدارة متواجدة داخل إدلب. وبالتالي لا تستطيع الجهات المسيطرة على المحافظة ممارسة الضغوطات عليها».

كما يؤكد “الشارع” أنه «رغم الانتهاكات التي تمارسها الجهات المسيطرة على إدلب بحق الصحفيين. إلا أنهم استطاعوا إظهار صورة حسنة لبقية السوريين، وللمجتمع الدولي، بما يخصّ إدلب وريفها».

ويتابع الباحث السوري أن «السنوات الماضية شهدت بروز عدة شخصيات إعلامية. انخرطت بالسلك الصحفي بشكل احترافي. وبدأت تطوّر نفسها ضمن سياقين: الأول يتمثّل بالدراسة الأكاديمية. بعد إنشاء جامعتين تدرّسان الإعلام في المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق. بالتعاون مع جامعات دولية وإقليمية؛ والثاني يرتكز على تطوير المهارات التقنية للصحفيين. عبر إجراء دورات متعددة، برعاية عدد من المنظمات المدنية».

رغم كل هذا يعتقد “الشارع” أن «العاملين في الإعلام السوري البديل بإدلب لم يصلوا إلى الدرجة المطلوبة من الاحترافية بعد. نتيجة الجو المغلق في المحافظة. وربما بسبب عدم تأدية بعض الشخصيات الإعلامية السورية المهمة لدورها في تطوير عمل الناشطين الإعلاميين. وابتعادها عن أي نشاط في سلك الإعلام البديل».  

ويختم الباحث حديثه بالإشارة إلى أن «المعوقات التي تواجه الناشطين الإعلاميين في إدلب لا تقتصر على تدخّل السلطات المهيمنة على المحافظة. بل هنالك أيضاً بعض ردات الفعل المجتمعية، التي قد تعرقل عمل الصحفيين. لذلك تعتمد المؤسسات الإعلامية على التحلي بالواقعية والمنطق. محاولةً النجاح بأداء مهامها في نقل صورة الوضع في إدلب».

للقراءة أو الاستماع: الإعلاميات بين مطرقة السلطات وسندان المجتمع السوري

معوقات الإعلام السوري البديل وآفاقه

من جهته يؤكد الكاتب “جمال مامو” أن «ظروف الحرب كانت سبب نشوء ظاهرة “المواطن الصحفي”، الذي استطاع رصد الأحداث بكاميرات متوسطة الجودة. او حتى كاميرات الموبايلات. رغم وجود كثير من الأخطاء، المتمثلة بالارتجالية وعدم الانضباط في نقل الأخبار. مثل الكشف عن مواقع العمليات القتالية. وإظهار وجوه الضحايا. والمبالغة بالأرقام وأعداد القتلى. رغم كل هذا نجحت بعض المشاريع الإعلامية السورية بتطوير نفسها. إلى أن غدت مصادر تعتمدها وكالات إعلامية إقليمية ودولية».

ويشدد الكاتب السوري على أنه «يوجد تفاوت واضح بما يتعلق بدعم المشاريع الإعلامية، من قبل مؤسسات المعارضة السورية. مثل الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة. وكثير من جهات الإعلام السوري البديل لا يعتمد أصلاً على دعم المعارضة. بل يموّل نقسه من عائدات الإعلانات. أو يتلقى دعماً من منظمات أوروبية وأميركية. والمشكلة الأبرز أن غالبية المواقع تكتب باللغة العربية. وقلة قليلة منها يرصد الأحداث بباقي اللغات. مثل  التركية والإنجليزية والفرنسية»، مضيفاً: «نحن بحاجة لإنشاء مواقع للأخبار بنسخة إنجليزية. وترجمة الاخبار والمقالات بشكل احترافي أكثر» .

وعن أهم آفاق الإعلام السوري البديل في المستقبل، والمشاكل التي سيواجهها، يقول “مامو” إن «انتشار وباء كورونا وإغلاق الحدود صارا عائقاً كبيراً أمام تطوير عمل الإعلام البديل. لأنهما أديا إلى قلة انعقاد الندوات والدورات الإعلامية. قياساً إلى ما كان يجري سابقاً. رغم أن الحاجة تتطلب دائماً استمرار عقد تلك الدورات. لإبقاء الناشطين الإعلاميين في صورة آخر التطورات. كما أن الظروف الأمنية تمنع وجود غرف أخبار مركزية ورؤساء تحرير يضبطون إيقاع نقل الخبر. وينسّقون عمل الناشطين بشكل متناغم.  فضلاً أن الإعلام البديل يجب أن يخرج من الاقتصار في تركيزه على تغطية الانتهاكات التي ترتكبها القوات النظامية. أو نقل المعاناة الإنسانية في المخيمات. والتركيز على المواضيع التي تهم الرأي العام العالمي. فلا يبقى نشاطه قائماً على ردود الأفعال. وأخيراً فإن اعتماد الإعلام البديل على وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال موقعي “فيس بوك” و”تويتر”، يؤمن له انتشاراً أكبر. ولكن قد يحرمه من المصداقية وتعدد مصادر نقل الخبر».

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات