ظاهرة العنف الأسري في المجتمع السوري

ظاهرة العنف الأسري في المجتمع السوري
أستمع للمادة

أنهت سميرة راغب، عامها الخامس والعشرين منذ بضعة أسابيع مع حِمل ثقيل في حياتها التي ارتبطت بزواج تقليدي في محافظة حماة، متمثل بخمسة أطفال وزوج عاطل عن العمل وجمجمة مشعورة نتيجة تعنيف زوجها لها بشكل يومي دون سبب محدد وتحاول إقناع نفسها بأنه يحق له ذلك.

“قليلة هي الأيام التي لا يضربني فيها زوجي، ففي الأيام التي يجد فيها عملا يمضي النهار فيه فيعود منهكا، ولا يكلمني حتى. أما حين يكون في المنزل فإن أي كلمة أقولها من الممكن أن تتسبب بفورانه والبدء بضربي. سوء أوضاعنا المادية يزيد من عصبيته، لكنه مؤخرا ومنذ يومين ضربني بيديه على جمجمتي ثم بالحائط ليتسبب لي بشعر فيها”.

العنف الأسري ظاهرة اجتماعية منتشرة بكثرة في المجتمع السوري، دون وجود إحصائيات دقيقة أو متابعة قانونية لها، ضمن منظومة تعطي السلطة الكاملة للرجل. إحدى المبررات المتداولة بكثرة أن الرجل يقوم بالتعنيف تحت الضغط النفسي المتمثل بصعوبة المعيشة وضغوط الحياة.

الجذور المجتمعية للعنف الأسري

لفهم طبيعة العنف يجب إرجاعه إلى أصوله وتحليل الأسباب التي أدت إلى ظهوره، فهل هو فعل نابع من طبيعة الكائن البشري، أم أنه رد فعل على الممارسات التي يخضع لها الإنسان في المجتمع المعاصر. يعتبر علماء الاجتماع أن العنف يتبع لنظام القيم في كل مجتمع وهنا يتوجب علينا تحليل تلك القيم التي تحكم حضور المرأة ودورها في المجتمع، وإمكانية تعنيفها من عدمه استنادا لهذه القيم، وذلك ينبع من هيكلية النظام المجتمعي وتموضع الأفراد بداخله حسب حقوقهم.

يعتبر الباحث في السياسات الجندرية، ليل يوسف، أن العنف الأسري أصوله اجتماعية بشكل أساسي يقول متحدثا لـ”الحل نت” إن “العنف الأسري هو نتيجة لخلل كامن في بنية النظام الاجتماعي القائم على انعدام العدالة الجندرية، حيث تتوزع الأدوار على الرجال والنساء بصورة معايير قسرية تتضمن في أنساقها قبولا للسيطرة الأبوية، وقبولا للأساليب الممكنة لتفعيل تلك السيطرة”.

لا يمكن فصل الممارسات الاجتماعية عن السياق السياسي الذي نشأت فيه أو تقوم في ظله، فرمزية السلطة في سوريا كحكم مطلق تنساق على كافة الأنظمة الدينية والثقافية والاجتماعية، وأية خلخلة في هذه الأنظمة يمكن اعتباره تهديدا للنظام ككل، حيث تقوم بنية هذه الأنظمة على إبقاء فئة مهيمن عليها وفق تدرج هرمي، وبذلك يصبح النظام الاجتماعي مسيسا، وهنا تنشأ مجموعة من العلاقات داخل المنزل تخضع لهذه السياسات التي تعتمد هيمنة فئة على أخرى تقوم على أسس تمييزية في عمقها.

ويقول يوسف عن ذلك: “من المؤكد وجود عوامل خارجية يمكن إرجاعها إلى شكل النظام الاجتماعي وبنيته، وغالبا يكون قائما على لائحة محددة من الأدوار التي ينبغي على الرجل والمرأة الالتزام بها وتعزز الصراعات داخل الأسرة، ومع ذلك تلعب الخصائص الشخصية دورا حاسما في الاستجابة لضغط المحيط، لكن يبقى الضغط الذي تشكله البيئة الاجتماعية هو العامل الأقوى في تفجير العنف داخل الأسرة”.

التأثيرات النفسية للعنف الأسري

يؤدي العنف الأسري إلى تدمير العلاقة الأسرية وتحويلها إلى علاقة غير صحية يتعامل أطراف العلاقة فيها مع بعضهم بشكل قسري، بخاصة في مجتمع يعتبر الانفصال آخر الحلول لهذا العنف، تتفاوت التأثيرات النفسية على المرأة والأطفال من عائلة لأخرى، وذلك يتبع البنية النفسية للمرأة وكيفية تلقيها لهذا العنف ورد فعلها عليه، فمن المحتمل أن تتحول هذه المرأة لشخصية عنيفة في حالة من التماهي مع المعتدي ومحاكاته فتمارس عنفها كرد فعل على أطفالها، أو تتلقى العنف بخضوع تام يسلب منها شخصيتها ويجعلها غير قادرة على ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وباعتبار أن العنف يشكل أنماط السلوك الإنساني، ويتوقف نمو الأفراد في الأسرة على وجود علاقة صحية فيما بينهم، فإن الآثار النفسية للعنف ستبقى حاضرة في حياة هؤلاء الأفراد طوال حياتهم محددة لقيمهم وسلوكهم في المجتمع، ويسبب العنف لدى الأطفال انعدام الثقة بالنفس وتشوها في فهم العالم والعلاقات واهتزازا في السلوك.

بحسب المختص النفسي، أنس الحلبي، فإن للعنف تأثيرا نفسيا سلبيا على الأم والأبناء بالأخص. ويقول حول ذلك في حديثه لـ”الحل نت”: “تتحول العلاقة في الأسرة إلى دائرة من العنف، فالزوج يعنف زوجته وهي تعنف ابنها والطفل يمارس عنفه على أخيه، وقد ينتقل هذا العنف إلى المجتمع عن طريق ممارسة الأطفال له مع أقرانهم، ويؤدي العنف بين الزوجين إلى تبلد انفعالي لدى الأطفال حيث يصبحون عاجزين عن التعبير بالكلام وإنما بالعنف”.

في سياق متصل تنطوي معظم العلاقات الأسرية على عنف من نوع آخر ليس جسديا وإنما رمزيا أو نفسيا، ولا تقل خطورة هذا العنف عن العنف الجسدي فهو يترك آثارا وتشوهات في بنية الفرد النفسية ومشاكل في التعبير عن الذات، وقد تناقلت تقارير صحفية مؤخرا، عن موت امرأة بسكتة قلبية في الثلاثين من العمر في ريف دمشق، واعتُبرَ موتها نتيجة لممارسات تعنيفية نفسية من قبل زوجها، الذي اعتاد على إحضار نساء إلى منزله وإقامة علاقات معهن وزوجته داخل المنزل، الأمر الذي دفعها لأخذ أبنائها وترك المنزل والتوجه لمنزل والدها الذي يعيش مع زوجته بعد موت والدتها، لكن الزوج لم يكتف بذلك بل قام بأخذ الأطفال منها مما أدى إلى إصابتها بجلطة أفضت للموت.

العنف الأسري في القانون

شهدت الأيام الماضية في سوريا أكثر من حالة عنف أسري أدت إلى موت الضحايا، وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تحويل إحداها إلى قضية رأي عام وهي الشابة آيات الرفاعي، التي قتلت على يد زوجها وأهله بعد أن قاموا بتعنيفها لعدة مرات في نفس اليوم، الأمر الذي أجبر وزارة الداخلية السورية على التعامل مع الأمر وإلقاء القبض على المعنفين، في نفس الوقت يحدث بشكل مستمر ازدياد عدد ضحايا العنف الأسري دون محاسبة الفاعلين أو ملاحقتهم حتى. وتطوى حكايات تلك النساء مع ما تعرضن له من عنف لأسباب تتعلق بالمنظومة الاجتماعية التي تبرر هذا العنف بالإضافة لغياب قوانين تردع المعنفين أو تحاسبهم، ففي وقت لاحق قتل رجل في مدينة السويداء ابنتيه اللواتي لم يجتزن العشرين من العمر وفر هاربا دون معرفة الأسباب.

بينت قضية آيات مدى التغيير في تناول المجتمع السوري لمثل هذه القضايا حيث استنكر المجتمع مقتلها في الوقت الذي يعجز القانون عن وضع حد لمثل هذه الأفعال التي تهدد حياة النساء. المحامية رولا بغدادي تحدثت لـ”الحل نت” عن دور القانون في العنف الأسري وأماكن الخلل فيه.

“العنف الأسري جريمة تتألف من مجموعة عديدة من الأفعال، والقانون هنا يجب أن يأخذ دوره بتعريفه والمعاقبة عليه، وبعده يجب على القانون أن يبين الإجراءات التي يجب أن تتخذ بحيث تكون مرتبطة بطبيعة الموضوع حيث تواجه اليوم ضحايا العنف الأسري الكثير من التحديات بعملية الشكوى للشرطة، أو رفع دعوى للمحكمة وهنا من واجب القانون أن يشجع الضحايا على الشكوى، وهذا يسمى بناء منظومة العنف الأسري والقوانين التي تجرمه”.

تتحدث دراسة صدرت عن “الهيئة السورية لشؤون الأسرة”، كانت العينة عبارة عن نساء من مختلف المحافظات السورية بلغ حجم العينة 5000 أنثى أعمارهن تعدت الثامنة عشر، ونتيجة للدراسة تبين أن 45.1 بالمئة يتعرضن للتهديد بالضرب أو توجيه اللكمات، بينما تتعرض 29.6 بالمئة من النساء للدفع أو الإمساك بقوة، أما الضرب المبرح والركل بالرجل تتعرض له خمس النساء، فيما بينت الدراسة أن 68 بالمئة من المعنفين هم الأزواج.

في الوقت ذاته لا توجد إحصائيات رسمية حديثة لظاهرة العنف الأسري، فآخر إحصائية كانت عام 2018 عن المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي آنذاك، قال “إنه تمت معاينة 504 حالات عنف، 31 ذكر و53 أنثى تخت الثامنة عشر فيما كانت النسبة المتبقية 420 نساء فوق سن الثامنة عشرة”.

وعن ذلك تتابع بغدادي، إن “عدم وجود رادع قانوني هو سبب في زيادة حالات العنف الأسري، بخاصة أن المجتمعات تتعاطى بنوع من التسامح مع هذا العنف، فالأب يحق له تربية أبنائه وزوجته والعنف هنا يعتبر نوع من التربية. إن غياب إحصائيات دقيقة لمدى انتشار العنف يجعل الحقيقة ضائعة، ولكن نحن كمحامين نعرف تماما نسبة انتشار هذه الظاهرة، فقلة قليلة من النساء لا يتم تعنيفها أسريا”.

وعن الحلول القانونية قالت، “نحن بحاجة لإعادة النظر بكافة التشريعات السورية وإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة وتصنيف الأفعال التي تعتبر عنفا أسريا وتجريمها ووضع عقوبة رادعة لها، مع مراعاة الإجراءات التي يجب اتخاذها في حال تعرضت المرأة للعنف، لتستطيع الضحية معرفة الجهة التي تتواصل معها وتأمين الحماية لها، بالإضافة لوضع قوانين للمؤسسات التي تحميها تناسب المعايير الدولية. يجب أن ينص القانون على الأمر الزجري الغيابي قبل سماع المدعى عليه، لضمان ابتعاده عن الضحية وعدم إيذائها”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول المرأة