العائلات السورية في أوروبا: هل تمرد الأبناء على ذويهم بتشجيع الدول المضيفة؟

العائلات السورية في أوروبا: هل تمرد الأبناء على ذويهم بتشجيع الدول المضيفة؟
أستمع للمادة

تثير مشاكل العائلات السورية في أوروبا كثيرا من الجدل الاجتماعي والسياسي، خاصة بعد حادثة سحب الأطفال السوريين من ذويهم في السويد، من قبل السلطات المحلية-مصلحة الخدمة الاجتماعية (السوسيال)، قبل عدة أسابيع. وهي ظاهرة  تتكرر من فترة لأخرى في السويد وبلدان أوروبية أخرى، ما يعيد السؤال حول الأسباب والتفاصيل.

ووفقا للقانون السويدي، المتعلق بالرعاية الاجتماعية، تقوم مؤسسة “السوسيال” بأخذ الأبناء من عوائلهم، في حالات الاعتداء والعنف من قبل الأهل، الذين يعتبرون غير مؤهلين للتربية. ويتم نقل الأطفال، وايداعهم في مؤسسات رعاية اجتماعية، قبل نقلهم لعائلة جديدة ترعاهم. هذا القانون، الذي تم استصداره في سبعينيات القرن الماضي، يتم تطبيقه بحق جميع من يعيش على الأرض السويدية من مواطنين ومقيمين. وتوجد حالات تم تسجيلها سابقا مع عوائل عراقية عدة. ما أدى إلى انتشار موجة احتجاج ضد سياسة تدخل السوسيال في السويد بشؤون العائلات السورية، وظهور وسم  #أوقفوا_خطف_أطفال_السويد على مواقع التواصل الاجتماعي.

قانونياً تتم عملية السحب على خطوات، تبدأ بتحقيقات حول حالات العنف أو الاعتداء، أو عدم أهلية الأبوين، بحسب التعريف القانوني لها، ثم مجموعة من الإنذارات، قد يصل عددها إلى ثلاثة. ثم تأتي مرحلة سحب الأطفال من عائلاتهم، بعد مهلة تصل لثلاثة شهور. لكن الأخبار التي وصلت، فيما يتعلق بالعائلة السورية في السويد، التي تم سحب أطفالها، أكدت أن العملية تمت فجأة، ودون القيام بأية إجراءات. مع نفي العائلة القيام بأي عملية اعتداء أو عنف ضد الأطفال.

فلماذا انفجر الوضع فجأة، وأدى إلى مشكلة سياسية تجاوزت حدود السويد؟ وما أهم الصعوبات الاجتماعية، التي تواجهها العائلات السورية في أوروبا، وتؤدي إلى مثل هذه الوقائع؟

تعريفات مختلفة للمعاملة المقبولة اجتماعيا

في هذا السياق تقول السيدة رشا علوان، خبيرة الشؤون المجتمعية، لموقع “الحل نت” إن “الحالة العنفية في الأسرة تجاه الأطفال، بحسب التعريف الأوروبي لها، ليست نفسها في الثقافة الأسرية السورية”.

متابعة بالقول: “الأسرة السورية قامت بنقل كيانها من محيط ومجتمع، لهما ثقافة وتقاليد راسخة، إلى محيط ومجتمع مغايرين كليا. هذا التغيير سيكون له آثار كبيرة على حياة العائلات السورية في أوروبا، وليس فقط على السوريين كأفراد”.

و توضح السيدة علوان أن “الصعوبة تكمن باعتقاد أفراد العائلات السورية في أوروبا بأنهم قادرون على العيش في مجتمع غريب، لكن مع المحافظة على أفكارهم ومعتقداتهم القديمة، وهنا تبدأ الصراعات، ما بين التغييرات المفروضة، والتمسّك بقواعد مجتمعية سورية وعربية، قد تكون صارمة في بعض الأحيان”.

صعوبات تأقلم العائلات السورية في أوروبا

محمد، شاب سوري، وربّ أسرة في الدانمارك، تحدث لموقع “الحل نت” عن مشاكل العائلات السورية في أوروبا، مؤكدا أنه “ما يزال إلى الآن غير قادر على التأقلم مع نمط الحياة في البلاد، على الرغم من مضي أكثر من خمس سنوات على وجوده في الدانمارك”.

لمحمد طفل عمره ست سنوات، وبدأ يعاني من بعض الصعوبات التربوية بالتواصل معه، بسبب الأفكار التي يتلقاها في المدرسة. “يسألونهم في المدرسة كثيرا عن المنزل وعن معاملة الأهل. بالنسبة لي جو المنزل مثالي لابني، لكن السؤال المتكرر من قبل المسؤولين في المدرسة يضعنا ضمن دائرة المراقبة، وهذا بحد ذاته غير مريح”. يقول محمد.

 لايختلف وضع العائلات السورية في بقية البلدان الأوروبية. ففي ألمانيا مثلا يواجه أولياء الأمور صعوبات مماثلة. سعاد، وهي ربة منزل سورية، تقول إن “المدارس في ألمانيا تعلّم الأولاد أمورا عن الجنس، وهذا في ثقافتنا غير مقبول. سألتني ابنتي عن بعض الأمور، التي خجلت من الرد عليها، خاصة وأنها لم تتجاوز الاثني عشر عاما. ولا أرى سببا لشرح هذه الأمور لها الآن”

وعن أسلوبها في مواجهة هذا التغير الثقافي تقول سعاد، في إفادتها لـ”الحل نت”: “أحرص دائما على تكرار فكرة أننا من بيئة مختلفة. نحن مسلمون ولنا معتقداتنا، التي لاتتوافق مع ما يقولونه في المدارس عن الجنس خاصة. شخصيا أرى أولادي متجاوبون معي، ولا يشكلون أي مشكلة لي. لكن تبقى هناك صعوبات تواجهها العائلات السورية في أوروبا. وهناك شعور دائما بالاختلاف”

تمرد الأبناء على الآباء

هذا الشعور بالغربة الثقافية، الذي تواجهه العائلات السورية في أوروبا، يؤدي، بحسب السيدة رشا علوان، إلى “حالات عنف أعلى من المسموح به مجتمعيا حتى سوريا. وفي كثير من الحالات يكون تدخل السوسيال نتيجة لشكاوى الأطفال أنفسهم، أو حتى الأمهات، اللواتي يردن حماية أولادهن وبناتهن من عنف الزوج”.  

وبرأي الباحثة الاجتماعية فإن “الشرخ الأبرز، الذي يهدد الأسرة السورية، هو شكاوي بعض الأطفال أو المراهقين، ومطالبتهم بفصلهم عن الأبوين. فاختلاف الثقافات وعقلية الدولة الحامية ضربت قيم الأسرة السورية بشكل كبير”. وتستحضر السيدة علوان حالة كانت قد حدثت في النمسا: “هنالك طفل أراد مثلا أن يشتري جهاز تابلت. وحين رفض الوالد اشتكى الطفل في المدرسة، وادعى أنه يتعرض للضرب، فتم سحبه وأخوته الاثنين من العائلة، على إثر هذا الادعاء”.

صراع داخلي ضمن العائلات السورية في أوروبا

هل هو إذا نوع من الصراع الداخلي ضمن العائلات السورية في أوروبا، بين الثقافة الأصلية وما تم التعرّف عليه من أنماط حياة وقوانين في الغرب؟

 ياسمين، المقيمة في السويد، أكدت لموقع “الحل نت” إنها تعاني في مواجهة ما أسمته “تمرد” أبناءها. “أحاول دوما إرجاعهم إلى التربية التي تربيناها في سوريا. لكن المجتمع هنا ومحيطهم في المدرسة جعلاهم يعتقدون بأنهم مستقلون بشكل كامل”. تقول ياسمين.

وتضيف: “ورغم  كل المشاكل، أحاول ضبط الأمور بحيث لا تصل لما نسمعه عن تدخل السوسيال. سيكون شيئا لايحتمل إن حدث شيء مشابه”.

مقالات قد تهمك: لم شمل السوريين في أوروبا: معارك يومية مع البيروقراطية وطرق التهريب المسدودة

من ناحية أخرى، تدافع السيدة حنان، المقيمة في أوروبا بدورها، عن فكرة تدخل مكاتب رعاية الأطفال، فهي ترى، في حديثها لـ”الحل نت”، أن “ثقافة العنف الموجودة لدى العائلات السورية في أوروبا غير صحيحة، ويجب أن تتوقف. لا يمكن اعتبار ضرب الأطفال وأهانتهم من قبل الوالدين أمرا طبيعيا.  الدولة هنا لاتتدخل فقط لأنها ترغب بذلك، فهي ترى أن من حقها رعاية من يقيم على أراضيها، إن كان يعيش في ظروف غير ملائمة في أسرته. أرى أننا في سوريا لدينا مشاكل اجتماعية وأسرية عدة، خاصة مع الأبناء، ويجب أن تتغير هذه الطريقة، وهذه المفاهيم غير الملائمة”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات