القروض الروسية لحكومة دمشق: هل تستمر موسكو في تمويلها للأسد بشروط مذلة؟

القروض الروسية لحكومة دمشق: هل تستمر موسكو في تمويلها للأسد بشروط مذلة؟
أستمع للمادة

تعكس القروض الروسية لحكومة دمشق، التي تم منحها في السنوات الماضية، حجم الضائقة المالية التي تعاني منها تلك الحكومة، وتقلص خياراتها التمويلية إلى جهة رئيسية واحدة، هي موسكو. وسط غياب أي خيارات أخرى. ما يجعل القروض، التي تم تمريرها من خلال فئة الأوليغارش الروس، أفضل المتاح، في ظل إفلاس الخزينة السورية.

وقدمت موسكو، وفق لوثائق تم تسريبها من قبل موقع “نيو لاينز” مؤخرا، قرضين لحكومة دمشق، بقيمة إجمالية قدرها مليار دولار، بشرط أن يتم استخدام الأموال حصرا للدفع لشركات روسية محددة، تعود ملكيتها للأوليغارش الروس. وتسود حاليا توقعات بأن دمشق مقبلة على شح كبير في مصادر التمويل، نظرا لاحتمالية توقف القروض الروسية، بعد تعثر موسكو في غزوها لأوكرانيا. يضاف إلي ذلك الأزمات المالية التي تواجهها إيران، التي تشكل الداعم الآخر، الأقل أهمية، للحكومة السورية.

القروض الروسية والشروط المذلة لحكومة دمشق

وثائق موقع  “نيو لاينز” أظهرت كيف تتهرب موسكو من العقوبات المفروضة عليها عبر القروض الروسية لحكومة دمشق، المصممة لصالح أوليغارش روس، فُرضت عليهم عقوبات من قبل الولايات المتحدة، لدورهم  في تسهيل حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا.

ويبيّن التحقيق أن الأزمة المالية في سوريا دفعت حكومة دمشق لاقترض مبلغ مقداره مليار دولار أميركي، على دفعتين، من شركات روسية، يمتلكها رجال أعمال مثل غينادي تيمشينكو ويفغيني بريغوزين (طباخ بوتين). ويُعتبر الأخير ممول مليشيات شركة فاغنر الروسية، التي تنتشر في بلدان متعددة، منها سوريا. ووفقا للتحقيق تستفيد شركات كل من تيمشينكو وبريغوزين من القروض الروسية لحكومة دمشق، عبر فرض شروط قاسية عليها.

وفي شهر كانون الأول/ديسمبر 2020 تم التوقيع على منح قرض قيمته سبعمئة مليون دولار لدمشق، تحتكر بموجبه روسيا تقديم المواد والخدمات المقدمة للحكومة السورية. أي أن دمشق  مجبرة على استخدام المال للشراء حصرا من السوق الروسية.

وتنص الشروط على أنه يجب استخدام المبلغ بالكامل بحلول الثلاثين من حزيران/يونيو 2021. كما تم فرض غرامة بنسبة واحد في المئة على الأجزاء غير المستخدمة من القرض، ليتم دفعها لاحقا باليورو أو الروبل، تعويضا عن النفقات التي تتسبب بها للجانب الروسي.

ويقول معدو التحقيق إنهم “تحدثوا مع المصدر، الذي سرب لهم الوثائق، والذي أكد أن الجانب السوري لم يكن سعيدا بهذه الاتفاقية، بسبب شروطها غير الملائمة، وأن المسؤولين السوريين شعروا بالإهانة والإحباط من أن السلع والخدمات الروسية ليست مطابقة للمواصفات، وقد تم تجاهل الشكاوى المتعلقة بتأخير التسليم”.

ويضيف المصدر أن “الكرملين قد انخرط في مماطلة بيروقراطية بخصوص القروض الروسية لحكومة دمشق، وقام بإعادة التفاوض في اللحظة الأخيرة على الشروط، والتلاعب في الأسعار، وعامل دمشق بشكل عام بوصفه قوة إمبريالية”.

وأكد التحقيق أن “من بين السلع الأساسية، التي تستوردها دمشق، وفقا للاتفاقيات مع الشركات الروسية، القمح والبنزين والديزل والسكر وأعلاف الدجاج، وأكثر من عشرين نوعا من الأدوية والمستلزمات طبية، وقطع غيار أجهزة المولدات الكهربائية”.

حكومة دمشق مضطرة للاستسلام

مهند أبو الحسن، مدير البيانات في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، يقول لموقع “الحل نت” إن “حكومة دمشق مضطرة للقبول بالقروض الروسية، عن طريق الأوليغارش الروس، حتى ولو كانت شروطها قاسية، في ظل غياب أي مصدر آخر للتمويل. فإيران تواجه مشكلة حقيقية في تمويل ميليشياتها في سوريا، نتيجة العقويات الغربية التي تتعرض لها، ما جعل طهران تحفز جميع ميليشياتها على الاعتماد على التمويل الذاتي. وهذا يفسر اتجاه هذه المليشيات في سوريا للتركيز على الاستثمار في حقول النفط، وتحصيل الإتاوات، من خلال  شبكة كبيرة من الحواجز”.

ونظرا لغياب أي جهة أو دولة يمكن أن تدعم الحكومة السورية يشير أبو الحسن إلى أن “روسيا تعد الداعم الأساسي والوحيد، الذي يقدم المال والاحتياجات الأساسية التي تريدها دمشق، وعلى رأسها النفط والقمح. وعلى سبيل المثال يمكن نظريا لدول أخرى دعم دمشق بهذه المواد، مثل الهند وفنزويلا ، لكن هذا الدعم غير واقعي، نظرا لأكلاف الشحن الباهظة”.

الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر يؤكد بدوره أن “الخيارات المالية أمام حكومة دمشق قليلة جدا، لذلك فهي مضطرة لقبول أي شروط مهما كانت مجحفة، وهذا الواقع تستغله موسكو عبر القروض الروسية لحكومة دمشق”.

وفيما يتعلق بعمر الديون والقروض يشير السيد عمر إلى أنها “لا تعود لفترة زمنية محددة، بل متوزعة على سنوات طويلة، بعضها من عام 2004 والآخر من عام 2020. ومن الملاحظ هنا، ووفقا للوثائق المسربة، أن موسكو باعت دمشق القمح بسعر يفوق السعر العالمي بأربعين بالمئة، وهذا يدل على سعي موسكو لاستغلال حاجة حكومة دمشق للقروض الروسية، واستثمار حالة الحصار التي تمر بها”

هل القروض الروسية غير حكومية؟

وعلى الرغم من أن المصدر المباشر للقروض الروسية لحكومة دمشق هو الأوليغارش الروس، إلا أن هذا لا يعني أن هذه القروض غير حكومية.  

 ويكشف أبو الحسن أن “الاقتراض، في حقيقة الأمر، يتم من الحكومة الفيدرالية الروسية. ويطلق على هذا النوع من الاقتراض اسم اقتراض التمويل. ويعني تلبية الحكومة الروسية طلبات الاقتراض، وتخصيص المبالغ المطلوبة، لكن دون منحها بشكل مباشر للجهة المقترضة”.

متابعا: “في حالة القروض الروسية لحكومة دمشق يتم منح هذه القروض من الحكومة الروسية لشركات الأوليغارش الروس، التي تقوم بتوريد المواد التي تطلبها سوريا، ما يحقق مكاسب كبيرة لهذه الشركات وللحكومة الروسية في الوقت نفسه. وهكذا تقوم شركات الأوليغارش بدور يمكن أن نطلق عليه اسم قنوات الدعم الخلفية، التي تمرر المساعدات والتعاملات المالية بين البلدين، دون مرورها بالمؤسسات أو المنصات المعرضة للعقوبات الغربية”.

وفي هذا السياق، يوضح يحيى السيد عمر أن “دمشق جهة منفذة فقط للخيارات التي تفضلها موسكو، فيما يتعلق بعمليات التمويل، فالحكومة الروسية هي من تحدد الجهات الوسيطة، لا حكومة دمشق، كونها ليست في وضع يسمح لها بتحديد الجهة المقرضة، ومن الملاحظ هنا أنه من الصعب فصل المؤسسات المالية الحكومية الروسية عن الشركات الأوليغارشية، فهي متداخلة تداخلا عضويا”.

مقالات قد تهمك: تراجع الدور الروسي بسوريا: كيف ستعوّض حكومة دمشق انشغال موسكو في أوكرانيا؟

هل تستطيع موسكو الاستمرار بمنح القروض الروسية لحكومة دمشق؟

ومع أن البوابة الروسية تعد المصدر الأساسي للتمويل، الذي تعتمد عليه دمشق، إلا أن إمكانية منح موسكو قروضا تمويلية جديدة لحكومة دمشق تبدو مسألة بعيدة المنال، لأن روسيا فقدت جزءا كبيرا من احتياطيها النقدي، وتعاني من أزمات مالية قابلة للانفجار، على وقع استمرار غزوها لأوكرانيا، وتطوره لحرب استنزاف.

وفي هذا السياق، يوضح مهند أبو الحسن أن “موسكو لا تمتلك القدرة في الوقت الحالي على الاستمرار في تمويل حكومة دمشق عبر القروض الروسية”.

وبناء على ما سبق يستبعد أبو الحسن “تحول سوريا إلى ملاذ للأوليغارش الروس، عبر القروض الروسية لحكومة دمشق”. مؤكدا أن “الأوليغارش يفضلون، خلال عمليات تهريب الأموال الخاصة بهم، اللجوء إلى ما يشبه الواحات الضريبية، الموجودة في دول مثل الإمارات، وحتى إسرائيل إلى حد ما. وهذه الواحات تتميز بتوفير إمكانية تحريك الأموال دون عوائق. في حين أن تهريب الأموال الروسية إلى سوريا غير مفيد إطلاقا، لخضوع دمشق للعقوبات الغربية. وبما أن الاوليغارش يعانون من العقوبات الغربية أيضا، فستكون العقوبات مضاعفة، في حال تهريب الأموال نحو المناطق التي تخضع لسلطة دمشق”.

من جهته  يتوقع يحيى السيد عمر “الاستمرار بتقديم القروض الروسية لحكومة دمشق، ففي حال توقف الأوليغارش الروس عن ذلك سيزاد الحصار عليهم، مما قد يعني سقوطهم وإفلاسهم، وهذا ما لا تريده موسكو. ولكن لا يمكن أن تكون سوريا ملاذا لأموال الأوليغارش، فالجهاز المصرفي فيها شبه منهار، إضافة لعدم استقرار البيئة السياسية والأمنية في البلاد، وهكذا ظروف تحول دون أن تكون سوريا ملاذا لأي أموال دولية”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات