ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفيتي، وواحدا من أكثر الشخصيات السياسية نفوذا في القرن العشرين، والذي ساعد في وضع نهاية للحرب الباردة، توفي مساء الثلاثاء بعد صراع طويل مع مرض خطير، عن عمر يناهز 91 عاما.
وقال “المستشفى المركزي العيادي” التابع للرئاسة الروسية -في بيان أوردته وكالات “إنترفاكس” و”تاس” و”ريا نوفوستي”- إنه “بعد صراع طويل مع مرض خطير، توفي ميخائيل سيرغي غورباتشوف”.
ولد غورباتشوف لعائلة روسية أوكرانية من الفلاحين عام 1931 جنوبي روسيا، وأصبح أمينا عاما للجنة المركزية للحزب الشيوعي عام 1985، وقام بتنفيذ أكبر عملية إصلاح سياسية واقتصادية في الاتحاد السوفياتي، عُرفت بـ”البيرسترويكا”، ومن ثم أصبح رئيسا للاتحاد السوفياتي عام 1990.
ردود الفعل
العديد من قادة الدول قدموا التعازي، بوفاة، غورباتشوف، فقد أعرب الرئيس الأميركي، جو بايدن، الثلاثاء، عن أسفه لوفاة غورباتشوف، واصفا إياه بأنه “قائد نادر”، وساهم في “جعل العالم أكثر أمانا”.
وقال بايدن في بيان، إن الإصلاحات التي قام بها غورباتشوف خلال قيادته الاتحاد السوفياتي، “كانت تصرفات قائد نادر، قائد لديه من الخيال ما يكفي ليرى أن مستقبلا مختلفا ممكن، ومن الشجاعة ما يكفي للمخاطرة بمسيرته كلها لتحقيق ذلك، وأن النتيجة كانت عالما أكثر أمانا وأكثر حرية لملايين الأشخاص”.
وفجر اليوم الأربعاء أعرب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن “تعازيه الحارة” لأسرة الراحل. وصرح ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية، إن “فلاديمير بوتين يعرب عن تعازيه الحارة لوفاة ميخائيل غورباتشوف، وسيرسل في الصباح برقية تعزية إلى أسرة وأحباء” الراحل.
في غضون ذلك، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن تعازيها لرحيل غورباتشوف، معتبرة أنه كان “قائدا جديرا بالثقة مهّد الطريق أمام أوروبا حرة”.
بدوره، قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تغريدة على منصة “تويتر”، إن الراحل كان “رجل سلام مهدت خياراته الطريق أمام الحرية للروس. إن التزامه بالسلام في أوروبا غير تاريخنا المشترك”.
من جهته، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس عن “حزنه العميق” لوفاة غورباتشوف، منوّها إلى أن الراحل كان “رجل دولة فريدا غيّر مسار التاريخ” وبرحيله “خسر العالم زعيما عالميا عظيما، التزم التعددية، ودافع بلا كلل عن السلام”.
كذلك، أعرب رئيس الوزراء البريطاني المستقيل مؤخرا، بوريس جونسون في تغريدة على “تويتر”، عن أسفه لرحيل غورباتشوف، قائلا:”الشجاعة والنزاهة اللتين برهن عنهما لإنهاء الحرب الباردة”.
واعتبر جونسون، أنه في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدوانه على أوكرانيا، يظل التزامه -غورباتشوف- الدؤوب بانفتاح المجتمع السوفياتي مثالا يُحتذى لنا جميعا”، وفق تعبير جونسون.
من جانبها، دولة الصين، قدمت تعازيها لعائلة ميخائيل غورباتشوف مشيدة بالدور الذي لعبه في التقارب بين بكين، وموسكو بعد قطيعة استمرت ثلاثة عقود.
وصرح المتحدث باسم الخارجية الصينية، تشاو ليجيان أمام الصحافيين، إن “غورباتشيوف كانت له مساهمة إيجابية في تطبيع العلاقات بين الصين، والاتحاد السوفياتي”.
بينما أشاد الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بغورباتشوف، شاكرا “مساهمته الحاسمة في توحيد ألمانيا”، مضيفا في بيان الأربعاء إن غورباتشوف أثبت بأفعاله، أنه “رجل دولة كبير” يمتلك “الشجاعة الكافية للانفتاح الديموقراطي، وبناء جسور بين الشرق والغرب” وإحلال السلام في أوروبا، مضيفا أن هذا الحلم “انهار، حطمه هجوم روسيا الوحشي على أوكرانيا”.
في حين قال هنري كيسنجر، الذي شغل منصب وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، لبرنامج نيوزنايت على قناة “بي بي سي” إن غورباتشوف “سيُذكر في التاريخ كرجل بدأ تحولات تاريخية لصالح البشرية، والشعب الروسي”.
وقال جيمس بيكر، الذي تفاوض على إعادة توحيد ألمانيا مع حكومة غورباتشوف، لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، إن “التاريخ سيتذكر ميخائيل غورباتشوف باعتباره عملاقا قاد أمته العظيمة نحو الديمقراطية”.
قد يهمك: تحركات أوروبية لمواجهة آثار الغزو الروسي لأوكرانيا
“جعل العالم أكثر أمانا”
غورباتشوف ساهم في إنهاء الحرب الباردة من خلال مفاوضاته مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1990، لكنه اتُّهم أيضا بالمساهمة في انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
فعندما هاجمت الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية دول الكتلة السوفياتية في أوروبا الشرقية الشيوعية عام 1989، أحجم غورباتشوف عن استخدام القوة، على عكس قادة الكرملين السابقين الذين أرسلوا الدبابات لسحق الانتفاضات في المجر، عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا، السابقة عام 1996، وفق تقارير صحفية.
ثم غذّت هذه الاحتجاجات التطلعات بالحكم الذاتي في 15 جمهورية من الاتحاد السوفيتي، والتي سرعان ما تفككت في العامين التاليين بطريقة فوضوية، وحاول غورباتشوف منع هذا الانهيار، لكن جهوده باءت بالفشل.
وحين أصبح غورباتشوف أمينا عاما للحزب الشيوعي السوفياتي في عام 1985، شرع في إعادة إحياء النظام عبر موجة إصلاحات سياسية واقتصادية هدفت إلى تحديث الاتحاد السوفياتي، الذي كان يعاني من أزمات حادة، لكن إصلاحاته خرجت عن نطاق السيطرة.
وسمحت سياسته (غلاسنوست)، المتعلقة بالانفتاح والشفافية وحرية التعبير، بانتقاد الحزب والدولة بشكل لم يكن ممكنا تصوره في السابق، ولكنها شجّعت أيضا القوميين، الذين بدأوا في الضغط من أجل الاستقلال في جمهوريات البلطيق، (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا وأماكن أخرى).
وأبرم غورباتشوف، اتفاقات مع الولايات المتحدة للحد من الأسلحة، وأقام شراكات مع القوى الغربية لإزالة الستار الحديدي الذي قسم أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولعب دورا في إعادة توحيد ألمانيا، وفق تقارير صحفية.
لكن، إصلاحات غورباتشوف الداخلية الشاملة ساعدت في إضعاف الاتحاد السوفيتي إلى نقطة الانهيار، وهي اللحظة التي وصفها بوتين، بأنها “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين.
وخلال عامي 1990 و1991 تولى غورباتشوف، منصب رئيس الاتحاد السوفياتي، قبل الإطاحة به في انقلاب في آب/أغسطس 1991 قام به متشددون بالحزب الشيوعي، ومن ثم الاضطرار إلى الاستقالة في 25 كانون الأول/ديسمبر من نفس العام، في خطوة أدّت لانهيار الاتحاد السوفياتي.
عصر سياسية غورباتشوف
فلاديمير شيفتشينكو، الذي ترأس مكتب البروتوكولات في عهد غورباتشوف، أشار إلى أن عصر هذا الزعيم “هو عصر البيريسترويكا، عصر الأمل، عصر دخولنا إلى عالم خال من الصواريخ… لكن كان هناك خطأ واحد في تقدير الأمور: لم نكن نعرف بلدنا جيدا”.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عنه قوله، “لقد انهار اتحادنا. كانت تلك مأساة، ومأساة له”، ولم يغفر كثيرون من الروس لغورباتشوف، الاضطرابات التي أحدثتها إصلاحاته، معتبرين أن التراجع اللاحق في مستويات المعيشة ثمن باهظ للغاية مقابل الديمقراطية، وفق ما ذكرت وكالة “رويترز”.

وقضى غورباتشوف القسم الأكبر من العقدين الماضيين على هامش الحياة السياسية في روسيا، وقد دعا، بشكل متقطع، كلا من الكرملين، والبيت الأبيض إلى إصلاح العلاقات بين واشنطن وموسكو مع تصاعد التوترات بينهما إلى المستوى الذي كانت عليه خلال الحرب الباردة، منذ أن ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم في 2014 ثم غزوها أوكرانيا في شباط/فبراير الماضي، بحسب وكالة “فرانس برس”.
جائزة “نوبل للسلام”
غورباتشوف، حاز على جائزة نوبل للسلام في 1990 لتفاوضه مع الرئيس الأميركي، في حينه رونالد ريغن، على اتفاقية تاريخية لنزع الأسلحة النووية، كما اعتُبر قراره بمنع الجيش السوفياتي من التدخل للحؤول دون سقوط جدار برلين قبل عام من ذلك عاملا أساسيا في الحفاظ على السلام.

وشهد غورباتشوف، في الأشهر الأخيرة من حياته، دمار الإرث الذي خلّفه، إذ أدى غزو بوتين، لأوكرانيا إلى فرض عقوبات غربية على موسكو، وبدأ السياسيون في كل من روسيا، والغرب يتحدثون صراحة عن حرب باردة جديدة.
وخلال السنوات الأخيرة، تدهورت صحته وكان يتردد دائما على المستشفى. في حزيران/ يونيو، وذكرت وسائل إعلام دولية أنه نُقل إلى المستشفى بعد إصابته بمرض في الكلى.
وذكرت وكالة “تاس”، للأنباء نقلا عن المؤسسة التي أنشأها الزعيم السوفياتي السابق بمجرد تركه منصبه، إن غورباتشوف، سيدفن في مقبرة نوفوديفيتشي بموسكو بجوار زوجته رايزا، التي توفيت عام 1999.