الفصول الأربعة.. صورة ضيقة عن المجتمع السوري؟

الفصول الأربعة.. صورة ضيقة عن المجتمع السوري؟
أستمع للمادة

تتجاوز حلقات المسلسل السوري “الفصول الأربعة” عشرات ملايين المشاهدات على كافة المنصات الإلكترونية المتاحة عليها للعرض، عدا عن المقاطع المركبة من المسلسل على أغاني، والمشاهد الحساسة المجتزئة منه، حتى قام مجموعة من الشباب في دمشق بإنتاج وثائقي سُمي “نوستالجيا الفصول الأربعة”.

بلغ المسلسل المُنتج نهاية تسعينيات القرن الماضي حد الأيقونية في صناعة الدراما السورية، وشكل الانطلاقة القوية لمخرجه الراحل حاتم علي، ويعتبره السواد الأعظم من السوريين أنه عكس صورتهم ولا يتجرأ إلا قلة على توجيه انتقادات خجولة لهذا العمل، فدعونا ندخل على هذه الصورة “Zoom In” ونغوص بتفاصيلها.

الفصول الأربعة صورة ضيقة عن المجتمع؟

بداية لمن لا يعرف أو نسي تفاصيل مسلسل “الفصول الأربعة”، فهو مسلسل درامي اجتماعي على جزئين، يقوم ببطولته نخبة الدراما السورية حينها، ويمثل عائلة دمشقية من أب وأم و5 بنات وأزواجهن وأولادهن.

من خلال هذه التركيبة حاول المسلسل لكاتباته ريم حنا، ودلع الرحبي، توجيه رسائل مباشرة يلقن فيها العديد من القيم ويحاول تصويب عدة مفاهيم خاطئة في المجتمع السوري.

لا شك بأن محتوى نص المسلسل كان قيما من حيث الأفكار، و حمل ما حمل من رسائل لم يتعب عليها صناع العمل فنيا بقدر ما تعبوا عليها قيميا.

ناقش المسلسل التمايز الطبقي، والعلاقات الاجتماعية الأسرية، التربية، التعليم، حقوق المرأة، تأثير الفن في المجتمع وغيرها من المواضيع، ولكن لماذا قد نقول بأن الصورة التي عكسها المسلسل ضيقة؟. لأنه من زاوية واحدة هي زاوية الطبقة الوسطى العليا فما فوق، طرح المسلسل جميع الرؤى ووجهات النظر التي حمّلها صناع العمل للنص.

لا يوجد أخ ذكر مثلا في العائلة، لا يوجد أي ممثلة محجبة في بلد تمثل المحجبات النسبة الأكبر من سيداتها.

عائلة كريم ونبيلة الدمشقية من الطبقة “البروجوازية” وهنا تجدر الإشارة إلى أن كلمة “برجوازية” تشير للطبقة الوسطى العليا المتعلمة، لا للطبقات الثرية. كانت عائلة لا تشكل انعكاسا للمجتمع السوري بل انعكاسا لشريحة واحدة من هذا المجتمع.

العائلة بكل أفرادها متعلمة على الأقل تعرف القراءة والكتابة، وجميع أفراد العائلة مثقفين و منفتحين، حتى برهوم (أندريه سكاف) العاطل عن العمل هو شاعر ومثقف، فهل هذه هي صورة الأسرة السورية؟. لم تكن كذلك إذا ما نظرنا مثلا لمسلسلات أخرى اجتماعية ومن إخراج حاتم علي نفسه.

الفصول الأربعة والواقع المعيشي

المستوى الاقتصادي والمعيشي للعائلة في المسلسل أيضا لم يعكس صورة للمجتمع السوري، في العائلة طبقات مختلفة ماديا وليس اجتماعيا أو ثقافيا، نبدأ من مالك بيك الجورابر (سليم صبري) المليونير ورجل الأعمال؛ علما أن السواد الأعظم من رجال الأعمال في سوريا هم “الحجي” وليس “البيك”.

نجيب (بسام كوسا) الموظف العادي، الشريف الذي يعيش من راتبه وراتب زوجته، لكنه يتسم بالثقافة والوعي، دعونا نضع خط عند كلمة “شريف” دون أن ندخل في نقاش الفساد في مؤسسات الدولة السورية.

هذا ينقلنا إلى عادل (جمال سليمان)، هو محامي ويعيش في منزل فاره قياسا بمنازل التسعينات في سوريا، لديه مكتب وسيارة، وهو أيضا محامي شريف.

برهوم الصهر الرابع، فقير وعاطل عن العمل لكن المسلسل لم يستغل أي من ذلك للدخول في مشاكل البطالة أو مشاكل الطبقة الفقيرة.

الجميع في المسلسل كان مرتاحا عموما، لا مشاكل حساسة في حياة الشخصيات لا اجتماعيا ولا اقتصاديا ولا سياسيا ولا حتى على أصعدة حقوقية وإنسانية.

الفصول الأربعة وخديعة المحبة

كل ما ذكر ينقلنا إلى خديعة المحبة التي قدمها المسلسل، الحب سيد الأحكام بين جميع أفراد الأسرة، رغم المشاكل أو الغيرة أو التوترات التي تحدث أساسا بهدف درامي، دون الخوض في عمق العلاقة الأسرية في سوريا.

على طاولات محاكم الأحوال الشخصية والمحاكم الشرعية في البلاد منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، فضائح يندى لها الجبين لحجم التردي الأخلاقي في المجتمع السوري، من مشاكل الإخوة والأزواج والأولاد وقضايا النسب والميراث وغيرها.

أن يعرِض المسلسل عن ذلك ويتجه لتقديم أسرة عصرية مستقرة ومحبة، لا يعني أن هذا انعكاسا للمجتمع السوري، إنما مجددا هو انعكاس شريحة واحدة، وربما هي الأصغر في سوريا، وقد تكون كذلك في عدة دول ومجتمعات.

المسلسل كان مادة درامية جيدة، وحصل على الإشادة والمتابعة ويعيش حتى اليوم في ذاكرة جيل كامل، وربما هذا النجاح الأكبر الذي يحلم به أي فنان عند القيام بعمله.

لكن الإصرار على اعتبار المسلسل انعكاس واقعي للأسرة السورية، فيه من الرغبة الكثير بوضع مساحيق التجميل على هذا المجتمع، فأي صورة يعكسها مسلسل شارته مقطوعة لـ أنطونيو فيفالدي، لمجتمع بالكاد سمع بالموسيقى الكلاسيكية على الراديو.

ربما يصور “الفصول الأربعة” نوستالجيا صناعه لجيل أهلهم في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وربما يمثل للسوريين اليوم ما كانوا يحلمون أن تكون عليه العلاقات الاجتماعية والأسرية في سوريا، لكنه برأيي الشخصي لا يمثل سوريا التي تربينا في شوارعها.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة