شياطين في بلاد الاغتراب

شياطين في بلاد الاغتراب
أستمع للمادة

يتعرّى البشر في عالم الاغتراب، يضاجعوننا بكلّ ما أوتوا من قباحة، فنلد من أرحام الجحيم كائناتٍ لا تشبه أحلامنا، يعيشون في قوقعةٍ بائسةٍ جبلتها طهارتهم الأولى؛ أملاً في التفريق بين رؤوس الشياطين وأجنحة الملائكة.

لقد كنت صديقاً لشيطان، ادّعى معرفته لمعنى الصداقة المفقودة؛ في لحظة حاجةٍ كاذبةٍ ورفقاً لما تبقّى من معنى تلك الصداقة أقرضته كلّ ما جنيته خلال سنوات الشتات.

في زحمة الجنون رأيت منه المعنى الأجمل للصديق الوفيّ الذي قدّمته إليّ صديقتي المخلصة على أنه حبيبها ومشتهاها. كان صديقي في هذه الغربة -غير المعدّة مسبقاً- يحتلّ مكانة خاصّة في قلبي، فصديق الغربة هو الأصدق، كان معروفاً بالملاك المخلّص بين أصدقائه حيث يجدونه المنقذ الوحيد في جميع حالاتهم؛ هو من أعطى للصداقة معناها الحقيقي.

مدفوعاً بالفطرة منحته ثقتي دون أن أتبيّن وجه إبليس الطافح بين العديد من الأقنعة التي تغلّف حقده.
استولى على ما ادّخرته في ثلاثة آلاف يومٍ في بلاد الاغتراب، فقد كان بحاجة ماسّة إلى النقود كما ادّعى ذلك الصدوق؛ إلا أنّ عديم الشرف لم يكن سوى الابن البار لإبليس. كان يتصيّدني طوال سنواتٍ حتى كشف عن قذارته المقنّعة بألف وجهٍ حين حان موعد الرحيل فجأة!

أخبرته ماذا حلّ بي وبعائلتي بسبب جريمته المخزية، وكم أنا بحاجةٍ لأن يعيد إليّ نقودي التي جنيتها بمزيدٍ من الكفاح والصبر، فاخترع فنوناً من الكذب السافل لم يسبقه عليه شيطان.

أردته أن يقف بجانبي كأخ السند كما كان يدّعي وليس كمديون ليّ، فأشعل سيجارته وأخذ يحتسي من دمائي؛ ترجم هذا المشهد بصورة بروفايل استفزازيّة تشعّ بابتسامته الإبليسيّة التي ينشرها بكلّ ما أوتي من وقاحة.

بعد محاولاتٍ حثيثةٍ لأن ألقى صديقي عديم الضمير وجهاً لوجه لعلّه يجيبني عن السؤال الذي قلب كياني: لماذا فعلت ذلك؟ وافق على مضض، انتظرته في المكان المعتاد، تفاجأت بحضوره اللافت بكامل أناقته ورائحة العطر تحاول عبثاً أن تستر نتانة روحه.

لم يطلب أن يطمئنّ على حالي، بل شرع يتكلّم عن معاناته في هذه الحياة، وكيف أنه دائماً وأبداً ضحيّة احتيال!
أغرقني بأكاذيبه وتناسى ماذا فعل بي وبعائلتي. وأنا أتأملّ ذلك الكائن الشيطانيّ الذي لم أقابل شبيهه قبلاً إلا في القصص وتساؤلاً واحدا يتملّك عقلي، هل من المعقول أن يصل إنسانٌ لهذه المرحلة من الدناءة في حضرة شخصٍ لم تكن غايته إلّا فكّ ضائقته؟!

لقد كان صديقي متمرّساً، إذ لم أكن الأوّل في قصّة ذلك الشيطان البشريّ فلقد فعل فعلته بالكثير من الأصدقاء وأجهز على حياتهم.

الذي يفوق التصوّر أنّ كائناً يستطيع أن يتلبّس على مدى سنواتٍ شخصيّةً منافيةً تماماً لحقيقته من أجل أن يستولي على قلوب ضحاياه، حتى يستطيع أن يقتات عليهم دون أن يشعروا، بعد أن يحقنهم بمخدّر العاطفة، ثم يرميهم في مستهلّ الطرق.

لجأت إلى صديقتي المخلصة عشيقة ذلك الجبان، التي وضعتها الورقة الأخيرة في القصّة، إذ بقيت أملي الوحيد والمضمون من أجل أن أستردّ نقودي من ذلك الخائن، ففاجئني استهتارها ونشرها المزيد من الصور التي تنبّئ عن جمالٍ خادعٍ وحياةٍ معدومةِ الضمير تغلّفها البراءة الكاذبة.

بين ليلة وضحاها قُلبت حياتي رأساً على عقب، تنقّلت من عمل إلى آخر، تقلّبت بين عاصفةٍ وأخرى، وفي تلك الأيّام المشحونة بالذهول اختفت ظلالٌ لم أتوقّع زوالها يوماً وظهرت شخوصٌ لم أكن أُبصرها رغم أنّها تحيط بي منذ الأزل.

عديمو الضمير يبتكرون أنواعاً مختلفةً من فنون الاستغلال والاحتيال يضيفون إلى معاناة المغتربين الباحثين عن معنىً للحياة معاناةً من نوعٍ آخر؛ حيث تفرض الظروف الطارئة والقاسية على المنفيّين مواجهة شياطين بشريّة تفتعل بهم شتّى أنواع الاستغلال المادّي والعاطفي.

إذ نغور في سبر الخذلان فنرى شابّاً قد توقّف قلبه بعد أن أودع ماله عند تاجرٍ معروفٍ في مدينة الغربة التي يقطن بها، أخذ ميثاقه بأن تتكاثر أمواله خلال سنةٍ واحدة، الأموال لم تتكاثر، ولكنّ السنة قد تكاثرت إلى سنونٍ قبل أن يذوب بما سلبه من أموال الأبرياء والأرامل والأيامى. ربّما خسارة المال لم تقتل ذلك الفتى، بل قتله خذلان كلّ من له صلةٌ بالأمر من أصدقائه الذين ضمنوا له تلك الصفقة الكارثيّة، إذ انسلّوا من القصّة كالوهم، ولم يدفعهم أدنى ضمير بأن يرْثوا حال صديقهم أو أن يبرهنوا ولو بكلمةٍ واحدةٍ على وجودٍ لمعنى الوفاء، بل أثبتوا غلبة قلّة الأصل.

تلبّث شيطانٌ آخر على هيئة محبوبٍ اقتحم حدود إحدى المغتربات التي كانت تكافح وحيدةً حتى تجد لها متّسعاً لحياةٍ اجتماعيّةٍ مرموقةٍ وعملاً يحفظ كرامتها. أحبته كما لم تحبّ شيئاً من قبل، كان لها الحقيقة الوحيدة المنتظرة، ملك كيانها، أحاطها بأجنحةٍ قرمزيّةٍ، رسم لها هالةً من نورٍ تعلو روحها، كان هواؤها الذي أوقد نارها، قطفت بيدهِ مُرّها مع طيبها، هو من أكلت بلهيب جمره شهدها مع عسلها، هو من احتست بصحبته خمرها مع لبنها. حقنها بنفيس اللغة، تمثّل لها حبّاً خالصاً سائغاً لذةً للحالمين.

مشهد الجنّة بدأ بالتلاشي أمام عينيها، حين سقط الملاك من سمائها، الأجنحة التي غمر بها كيانها بدت أوهن من خيوط العنكبوت، حضوره أصبح باهتاً، مشاعره أضحت ضبابيّةً مضّطربةً. إلى أن اكتشفت بأنّها كانت لعبته البلاستيكيّة من بين مجموعة دمىً أخرى، كان يعبث بقلوبهم ليُشفى من قصّة حبٍّ فاشلة خسر بها كرامته. لم يسلبها قلبها فحسب، بل سلبها عقلها أيضاً، إذ ما زالت تهيم في الطرقات تبحث في وجوه المتعبين عن معنى الثقة.

يتعرّض المخذولون للومٍ قاسٍ أشبه ما يكون بالنحر، لوم من قبل المجتمع الذي يتّهمهم بالثقة التي يضعونها على الآخرين، وكأنّ اللائمون قد تناسوا مرورهم بظروف مماثلة، ربّما بأشكالٍ أخرى، وأنّهم ليسوا بمنأىً عن التعرّض لهكذا استغلال مهما بلغ مستوى وعيهم، وفئة أخرى يعزّونهم بكلامٍ معسولٍ بأنّ تجارب الخذلان هي تدريب الحياة لهم على عدم الوقوع بتلك الفخاخ مستقبلاً. ولكن، هل الإيثار والإخلاص لمن نعتبرهم مقرّبون يعتبر خطأً؟

العلاج الذي يقدّمه لهم مجتمعهم قد يهيّج حالةً نفسيّةً أشبه ما تكون بهلوسةٍ على شكل تساؤلاتٍ ربّما لن يعثروا لها على إجابات شفّافة، هل الثقة موجودةٌ أو هل يجب أن تكون موجودة؟ وعلى فرض وجودها، هل هناك ثقةٌ مطلقةٌ؟ كيف لنا أن نميّز الموثوق وهل نستطيع أن نثق بأحدٍ دائماً؟ هل الإنسان يتحوّل، أم هو ثابت، ولكنّ الأيّام تعرّي حقيقته؟

إذا كان وقوعهم ضحيّة الغدر والخيانة شيء لا بدّ منه من أجل تهييئِ نفوسهم حتّى تصبح مدركةً لحقيقة الكائنات، هل ما تبقّى من سنوات العمر يستحقّ احتواء جحيم هذا الخذلان؟

كان آخر ما فعلته في قصّتي مع صديقي الشيطان أنّي نظرت خلسةً إلى المرآة، فالتقت عينيّ بعيون ماري انطوانيت قبل إعدامها، رمقتني بنظرةٍ ساخرةٍ، فإذا بشعري قد تحوّل إلى هالةٍ من البياض، وأمّي من خلف الستائر لم تزل تبكي وتبكي.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة