“فيسبوك”.. موقعٌ رائجٌ لتجارة الأسلحة في العراق؟

“فيسبوك”.. موقعٌ رائجٌ لتجارة الأسلحة في العراق؟
أستمع للمادة

يوم تلو الآخر، تزداد تجارة الأسلحة إلكترونيا في العراق، وبالتحديد عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، إذ أصبحت الكثير من الصفحات تتداول هذا الشأن بشكل علني من دون أي مخاوف وبأسماء واضحة مثل “سوق السلاح في بغداد” وكذلك “بيع وشراء الأسلحة في العراق” وغيرها العشرات من الصفحات.

الواقع الافتراضي، بات أكثر خطورة على الشارع العراقي، لسرعة انتشاره وسهولة تداوله من كافة الفئات العمرية، ولكن ما يثير الانتباه بأن هذه الصفحات تمتلك الشجاعة الكافية لتجارة السلاح بشكل علني.

النزاعات العشائرية في محافظات العراق الجنوبية والتي تصل أحيانا إلى استخدام القذائف وأسلحة ثقيلة أخرى، جميعها تشير إلى انتشار السلاح بصورة عشوائية دون قانون رادع أو رقابة حكومية، وبحسب تقارير صحفية، أن السلاح المنفلت تقف وراءه جهات سياسية وشخصيات ذات نفوذ في الدولة.

لكن كيف يتم تمرير هذه الأسلحة خلال نقاط التفتيش المتواجدة في أغلب شوارع العاصمة بغداد، وبقية المحافظات العراقية الأخرى، أثناء إيصالها من التاجر إلى المشتري.

“الحل نت” بحث عن تفاصيل هذه التجارة الخطيرة التي باتت تهدد حياة المواطنين، من خلال لقائه ببعض الأشخاص (التجار) المروجين لتلك التجارة وبعض المستفيدين منها.

أبو محمد، من أهالي البصرة، اشترى أكثر من قطعة سلاح عبر صفحات تروج لبيعه على “الفيس بوك” مؤخرا، حيث يقول خلال حديثه، لـ “الحل نت” إن الغرض من شرائه لتلك الأسلحة، هو حماية نفسه، لكونه شخصا ذا جاه. تمكن أبو محمد من شراء “بندقية كلاشنكوف” عبر إحدى الصفحات، بعد أن تواصل مع أحد التجار ضمن المجموعة، واتفق معه على السعر وتم تحديد مكان الاستلام.

البائع أوصل السلاح إلى مكان قريب من منزل أبو محمد، لعدم قدرة الأخير على نقله بسيارته الخاصة، تخوفا من الحواجز الأمنية، ويتوقع أبو محمد أن أغلب تجار السلاح، تربطهم علاقات وطيدة بفصائل مسلحة وأحزاب نافذة، وهذا ما يمنحهم القدرة على المتاجرة وعلى نقل السلاح بسهولة.

“لمن تشتكين حبة القمح إذ كان القاضي دجاجة” هكذا هو الحال في العراق وهذا ما ينطبق عليه الواقع، كيف من الممكن محاربة هذه التجارة الخطيرة التي تهدد حياة المواطنين إذ كانت الحكومة العراقية تتغافل عنها، بل والبعض منها متعاون معها وداعما لها، بحسب وصف أبو محمد.

الأسلحة تباع في السوق السوداء عن طريق “صفحات فيسبوك” وتبدأ أسعارها من 600 دولار إلى 2500 دولار بالنسبة للمسدسات، أما الأسلحة الثقيلة تصل إلى 7000 دولار وأكثر، وفق ما تحدث به مصطفى، (اسم مستعار لأحد تجار السلاح) عبر اتصال هاتفي مع “الحل نت”.

قد يهمك: أجواء حذرة في العراق.. عودة جديدة للاغتيالات؟

الحصول على تلك الأسلحة، يكون من خلال مداهمات وملاحقة عناصر خلايا تنظيم “داعش” الإرهابي، والعثور على أسلحة خاصة بهم.

تجارة السلاح، راجت إلكترونيا في العراق بعد حملات دهم وملاحقة لمتاجر بيع السلاح المعروفة في بغداد والمحافظات العراقية الأخرى، فالتضييق الأمني على المتاجر دفع إلى الترويج الإلكتروني للسلاح المتوفر لدى التجار، بحسب مصطفى.

ما علاقة الأحزاب السياسية بصفحات بيع السلاح؟

جميع الحكومات السابقة والحالية لديها علم بصفحات بيع السلاح، وهي مدركة تماما مدى خطورتها على المجتمع العراقي، وفق ما أفاد به ضابط برتبة عقيد في وزارة الداخلية (فضل عدم الإفصاح عن اسمه، لأسباب أمنية) لـ “الحل نت”.

انتشار هذه الظاهرة الخطيرة بحسب العقيد، بأن الكثير من صفحات بيع الأسلحة على “فيسبوك”، تعود إلى الأحزاب السياسية الحاكمة في العراق وإلى الميليشيات المعاملة في المنطقة، وجزء من الأجهزة الأمنية تتعامل معها وتشتري السلاح عبر وسطاء وتجار فيها أيضا.

العقيد فاضل محمد، في الجيش العراقي، يتفق مع رأي العقيد في الداخلية فهو يرى أن ظاهرة المتاجرة بالسلاح عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي وبالتحديد “فيسبوك” انتشرت بعد التضييق على المتاجرين من قبل بعض القوات الأمنية ومنعهم من بيع السلاح.

القوات الأمنية مستمرة في ملاحقة المتاجرين، وفق حديث محمد، لـ “الحل نت” كما لديها بعض الخطط لملاحقة تجار السلاح إلكترونيا.

قناة” يورو نيوز” الأوروبية كانت قد كشفت في تقرير لها في آب/أغسطس الفائت، عن بعض الصفحات التي تروج وتبيع الأسلحة في العراق بشكل علني، والتي يزيد عدد متابعيها عن مليوني شخص. لفت التقري إلى عواقب هذا الأمر على أرض الواقع، حيث أقدم طالبا في إقليم كردستان (شمال العراق) في حزيران/ يونيو الماضي، بقتل محاضرا جامعيا، ثم قتل رئيس قسم القانون في مؤسسة أخرى، بمسدس اشتراه من خلال صفحات “فيسبوك” المختصة بتجارة الأسلحة في العراق.

ليست المرة الأولى التي يتم فيها اتهام “فيسبوك” بالافتقار إلى تطبيق الإشراف على المحتوى المنشور، بحسب التقرير، ما أدى إلى وقوع ضرر حقيقي في مختلف أنحاء العالم.

منصة” فيسبوك “قامت بإغلاق عدد من الحسابات التي استشهد بها تقرير المعهد البريطاني، كما أنها تقوم بتعزيز عدد موظفي مراقبة الضوابط التابعين لها في المنطقة، إلا أنها تعتبر هذه الخطوة مجرد إجراء مؤقت.

سلاح خارج المؤسسة العسكرية؟

جميع الحكومات منذ عام 2003 تطالب بحصر السلاح بيد الدولة ولكن للأسف بعض المحافظات وتحديدا الجنوبية تملك أسلحة تضاهي سلاح الدولة نفسها من حيث النوع والكم، وفق حديث، الخبير في الشؤون الأمنية، معن الجبوري، لـ “الحل نت”. حمل السلاح أصبح بمثابة لعبة بيد البعض لذا من الضروري كبح جناح هذا الوحش المنفلت الذي بات يهدد حياة المواطنين.

فيما يخص المتاجرة بالسلاح على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة “فيسبوك”، يؤكد الخبير أن عملية السيطرة على عمليات البيع على موقع “فيسبوك” عملية معقدة جدا، ويجب على إدارة “فيسبوك” نفسها أن تحد من هذا التعامل بفرض العقوبات والحظر على هذه المواقع التي تروج ببيع الأسلحة والتي تحاول إغراء الشباب وانجرافهم وراء ذلك.

الدائرة الرقابية الحكومية مسؤولة أيضا عن السيطرة على هذه المواقع من خلال دليل معلوماتي وأمني واستخباراتي وفرق متخصصة بهذا المجال للوصول إلى هؤلاء المروجين ومقاضاتهم بحسب القانون العراقي ليكونوا عبرة للأخريين.

هناك محاولات من قبل الدولة للحد من هذه المواقع التي تبيع الأسلحة، بحسب الجبوري، ولكنها ضعيفة مقارنة بانتشار السلاح، إذ ما يقارب 30 مليون قطعة سلاح كانت للجيش العراقي السابق أصبحت الآن خارج المؤسسة العسكرية.

الميليشيات تشتري السلاح الثقيل

بعض القنوات العراقية قد تداولت مؤخرا حادثة مقتل طفل على يد شقيقته البالغة من العمر خمس سنوات أثناء عبثها بالسلاح من دون علم والديها في محافظة ذي قار جنوب العراق.

من خلال إحدى صفحات بيع الأسلحة على “فيسبوك” تواصل “الحل نت ” مع أحد التجار، ويدعى أبو سلمان، والذي تحدث عن عمله في تجارة السلاح قائلا، بدأت ببيع الأسلحة الخفيفة بعد عام 2003، وكان يتطلب آنذاك الكثير من الجهد والحذر لإيصاله إلى الزبون، أما الآن صفحات “فيس بوك” سّهلت العملية، فبعد عرض نوع السلاح يتفق معنا الزبون على السعر والمكان الذي يتم فيه الاستلام.

بعض الجهات الحكومية تشتري الأسلحة الخفيفة من هذه الصفحات أما الثقيلة منها فتقوم الميليشيات بشرائها، بحسب أبو سلمان.

اقرأ أيضا: مخازن السلاح العراقي: لماذا تحرص الميليشيات على إبقاء سلاحها وسط المناطق السكنية

كانت الأيام الأخيرة الماضية التي شهدت، اقتتال شيعي شيعي، بين اتباع “التيار الصدري” وجهات بعضها تابع لـ “الحشد الشعبي” والبعض الآخر لـ “عصائب أهل الحق”، بحسب التقارير والأخبار التي انتشرت، خير دليل على انتشار السلاح المنفلت في العراق، فالسلاح في متناول يد الجميع، سواء أسلحة خفيفة أو أسلحة من العيار الثقيل، وهذا ما شجع صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، على أن تقوم ببيعه بشكل علني فلا جهد استخباري ولا حكومي مبذول في محاولة ضبط السلاح المنفلت في العراق.

كان لدى العراق معدل أعلى من الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية العنيفة للفرد الواحد مقارنة بالولايات المتحدة والأعلى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2019، وفقا لجامعة “واشنطن”.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير