راتب المؤسسات الحكومية السورية.. “البحصة ما بتسند جرة”

راتب المؤسسات الحكومية السورية.. “البحصة ما بتسند جرة”
أستمع للمادة

“الوضع مؤسف، مهما زادت الرواتب لن تغطي احتياجات أصغر عيلة”، ما بين زيادة رواتب الموظفين في سوريا وعدمها، تبقى إلهام السروجي، متخوفة بشكل كبير، لأن ذلك سينعكس حتما على الأسعار، فرفع الأجور الذي تلوح به الحكومة السورية منذ تموز/يوليو الفائت، هو استجابة متأخرة وجزئية لمطالب العمال الذين تلاشت قوتهم الشرائية بسبب انخفاض قيمة العملة الذي أغرق ما يقرب من 90 بالمئة من السكان في فقر.

عادة ما يكسب الشخص الذي يعمل في المؤسسات الحكومية السورية حوالي مليون و700 ألف ليرة سورية سنويا (380 دولار)، ويمكن أن يتراوح هذا من أدنى متوسط راتب يبلغ حوالي 450.300 ليرة سورية إلى أعلى متوسط راتب يبلغ 8 ملايين ليرة سورية، ومتوسط زيادة الراتب للفرد في سوريا يبلغ حوالي 4 بالمئة كل 29 شهرا.

الحكومة في دمشق تقف عاجزة أمام انهيار قيمة الرواتب والأجور أمام المواد الغذائية والسلع الأساسية للأسر السورية، فضلا عن انهيار العملة المحلية، الذي أفقد الرواتب في سوريا نسبة كبيرة من قيمتها، وهذا ما دفع المئات من موظفي المؤسسات الحكومية السورية إلى الاستقالة مؤخرا.

تعويضات القطاع العام.. “فاشوش”

“بسوريا عيار الراتب يومين، بعد هيك بدك العناية الإلهية تمشيك لآخر الشهر”، في المناطق المستقرة نسبيا التي تسيطر عليها الحكومة والتي تعد موطنا لمعظم السوريين، تراجعت مستويات معيشة السبروجي والعديد من زملائها الموظفين والموظفات في قطاع التربية والتعليم وغيره من القطاعات الحكومية.

تقول السروجي، القاطنة في منطقة صحنايا قرب العاصمة دمشق، لـ”الحل نت”، إن “أعمل في مديرية التربية منذ 12 عام، وأتقاضى راتبا لا يتجاوز 110 آلاف ليرة سورية في أحسن حالاته مع المكافآت والحوافز والزيادات، لكن هذا لا يكفي سوى دفع أجرة بيت ونص دين البقالة”.

وتشير السروجي، إلى أن ما يدعم بقائهم في البيت، هو أن زوجها يعمل تاجر خضراوات في سوق الهال، وأيضا تعمل ابنتها كمترجمة في إحدى مكاتب الترجمة قرب جامعة دمشق، و”لولا هالكتلة العاملة خارج مؤسسات الحكومة في البيت كان الخبز ما شفناه”.

التحديات المترابطة في التضخم وانخفاض قيمة العملة أدت إلى تآكل مكانة السوريين الاقتصادية بشكل مطرد، فخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ارتفعت أسعار بعض السلع بأكثر من 300 بالمئة، كالزيوت والمنتجات الحيوانية، فيما يبلغ متوسط ارتفاع الأسعار، منذ آذار/مارس الفائت، بين 30 و50 بالمئة، بما في ذلك المنتجات محلية الإنتاج والصناعة.

وبالفعل، كان معنى انخفاض الليرة هو أن معظم موظفي الخدمة المدنية وغيرهم من العاملين في المؤسسات الحكومية غير قادرين على العيش على رواتبهم. الوظائف الثانية والثالثة، والأشكال المختلفة من الفساد، والتحويلات المالية من أفراد الأسرة في الخارج، مكنت الكثيرين من البقاء، ولكن إلى متى؟

حفنة دولارات

كانت الوظائف الحكومية في سوريا مطلوبة بشدة قبل عام 2011، حيث وفروا للناس الأمن الوظيفي، وتم ضمان الترقيات وزيادة الرواتب. ونادرا ما كان معظم موظفي الخدمة المدنية مثل المعلمين والأطباء وأفراد القوات المسلحة يتعرضون للإجهاد، إذ كانوا يعملون بضع ساعات فقط في اليوم ويقضون عطلات رسمية طويلة.

حاليا، انعكس المثل الشعبي القائل “البحصة بتسند جرة”، وفقا لما تؤكده الموظفة المصرفية سكينة الدالاتي، لـ”الحل نت”، والتي قررت الاستقالة هذا الشهر من وظيفتها والسفر إلى ليبيا برفقة زوجها من أجل الوصول إلى أوروبا، فحفنة الدولارات التي تستلمها لا تكفيها لحضور مناسبة زفاف، حسب وصفها.

قرار الدالاتي، جاء رغم الوعود التي أطلقها أعضاء داخل مجلس الشعب في أيار/مايو الفائت، حيث كشف عضو مجلس الشعب السوري محمد خير العكام، عن زيادة قريبة للرواتب والأجور في سوريا، بناء على مقترح من مجلس الشعب، معتبرا أن البلاد “تعاني من مشكلة كبيرة وهي انخفاض الأجور“.

وقال العكام في اتصال هاتفي مع إذاعة “المدينة إف إم“ حينها، إن دمشق لا تطبق الدستور فيما يتعلق، بالرواتب والأجور، “حيث يكفل الدستوري السوري، رواتب تضمن حياة كريمة، وهذا هو مدعاة لتغيير الأجور كلما تغيرت الأسعار“، مؤكدا أن الحد الأدنى للرواتب في سوريا حاليا هو 92 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 22 دولار أميركي تقريبا، وأن المقترح الجديد ينص على أن يرتفع الحد الأدنى إلى 150 ألف.

الزيادة ليست حلا

طلبات الاستقالة تزايدت من المؤسسات الحكومية السورية بعد اتساع الهوة ما بين الراتب الذي يتقاضاه العامل وأسعار المواد الاستهلاكية، إضافة إلى أجور المواصلات من سكنهم إلى مكان عملهم، فوفقا لما نشرته صحيفة “تشرين” المحلية، الخميس الفائت، عن رئيس اتحاد عمال اللاذقية، منعم عثمان، فإن عدد العمال المتقدمين بطلبات استقالة في المحافظة، بلغ منذ بداية العام وحتى تاريخه، 516 عاملا، بينهم 149 طلبا في المؤسسة العامة للتبغ، و320 في شركات الغزل، و58 في الزراعة، و21 في قطاع البلديات، و27 في مديرية الموارد المائية، و31 طلب استقالة في مديرية الصحة.

وأضاف عثمان، أن أغلبية الطلبات، التي تم تقديمها لعمال تتراوح سنوات الخدمة لديهم بين 20 إلى 25 عاما لم يوافق عليها بسبب حاجة الجهة العامة لخدمات العمال الموجودين لديها، لافتا إلى أن عدد الطلبات التي أتت مع عدم الموافقة وصلت إلى 91 طلبا في المؤسسة العامة للتبغ.

وصل سعر كيلو البطاطا نحو 1600 ليرة سورية، والفاصولياء تراوح سعر الكيلو منها بين 2500 لـ4000 ليرة سورية حسب النوع والصنف، وسعر كيلو بصل الفريك 1000 ليرة سورية للنخب الأول، بينما وصل سعر كيلو الملفوف البلدي إلى 1000 ليرة سورية للنوع الأول، وبلغ سعر كيلو الزهرة 1600 ليرة سورية، وسعر الكوسا إلى 1000 ليرة سورية في أحسن حالاته. وأما كيلو الفليفلة الخضراء فقد بلغ سعراً قدره 1200 ليرة سورية، في حين سجل كيلو الجزر سعراً قدره 2000 ليرة سورية، وبلغ سعر كيلو الباذنجان نحو 1700 ليرة سورية، تقول دالاتي “لو بدي أشتري من كل صنف كيلو مع دجاجة واحدة، فالنتيجة هو دفع راتب الشهر كاملا”.

في بداية الشهر الجاري، قال رئيس اتحاد العمال في السويداء، هاني أيوب، لموقع “غلوبال” المحلي، “بعد أن باتت أجور النقل تستهلك أكثر من نصف رواتب العاملين في القطاع العام، فلم يكن أمام الموظفين أي خيار آخر سوى التقدم باستقالاتهم، ليصل عدد المستقيلين منذ بداية العام ولتاريخه، إلى نحو 400 موظف”، محذرا في الوقت ذاته من استمرار مسلسل الاستقالات في المؤسسات الحكومية والذي سيؤدي في النهاية حسب تعبيره إلى “إفراغ المؤسسات السورية من كوادرها العمالية”.

مخاطر جماعية

رغم إصدار المرسوم رقم 252، يوم الأحد الفائت، الخاص بالنظام النموذجي لحوافز توظيف العاملين بالمؤسسات العمومية، الذي يهدف إلى تحديد القواعد والضوابط لمنح الحوافز والمكافآت والجوائز وفقا لنوع النشاط في الجهات العمومية، والتي قد تبلغ 300 بالمئة، من راتب الموظف، إلا أن الدالاتي والسروجي قللتا من فعالية هذا القرار على مستوى عيش الموظفين في المؤسسات الحكومية السورية.

تعمل القوى الاقتصادية والسياسية في سوريا على تفاقم حالات الاستقالات، إذ أدى انخفاض قيمة الليرة السورية، ومستويات التضخم غير المسبوقة، ونقص السلع الأساسية، والتداعيات العالمية لغزو روسيا لأوكرانيا إلى زيادة كبيرة في تكلفة المعيشة في سوريا وخلق فجوة غير مسبوقة بين الدخل والإنفاق.

تجاوز متوسط تكلفة المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد 2.8 مليون ليرة سورية في آذار/مارس الفائت، أي أكثر من 28 ضعف متوسط رواتب الحكومة. وبالتالي، ليس من المستغرب أن يحاول العديد من موظفي الخدمة المدنية العثور على شيء أفضل، سواء في الداخل أو في الخارج.

وبما أن الوضع الاقتصادي المتدهور في سوريا مستمر، أي أنه بدون تدخل قوي للحكومة، ستستمر الفجوة بين الدخل ونفقات المعيشة في الاتساع. سياسة دمشق الحالية المتمثلة في تقديم زيادات صغيرة في الرواتب ومكافآت لمرة واحدة تفشل في تحسين الروح المعنوية للموظفين، ومن غير المرجح أن يكون عمال القطاع العام راضين حتى يحصلوا على أجر مناسب للعيش. وخلاف لذلك، سيأتي وقت لا يكون فيه لموظفي الخدمة المدنية خيار سوى متابعة العمل الذي لا يغطي أكثر من التنقل إلى المكتب.

ولذلك، يتجه معظم السوريين إلى المساعدات المقدمة من الدول الخارجية، بالإضافة إلى الحوالات التي تأتي من الخارج من قبل الأهالي والأصدقاء وغيرهم، في تعبير واضح عن مدى التدهور الاقتصادي في سوريا، حيث كشفت مصادر اقتصادية في وقت سابق وفقا لتقارير إعلامية، عن أن 70 في المئة من السوريين يعيشون على الحوالات، مقدرة حجم المبالغ التي تصل سوريا من المغتربين يوميا بـ5 ملايين دولار.

أخيرا، على الرغم من أن مقاييس التدهور الاقتصادي العميق في سوريا أصبحت الآن مألوفة لأولئك الذين يتابعون الأزمة التي طال أمدها، إلا أن الجهات الفاعلة في مجال المساعدة وصناع القرار السياسي يجب ألا تتهاون في مواجهة “الوضع الطبيعي الجديد” المقلق في سوريا. ستؤدي خسارة الفرص في سوريا إلى تفاقم خطر فرار جميع السوريين، بما في ذلك الفنيين المهرة. وعلاوة على ذلك، فإن تقلص الفرص الاقتصادية داخل سوريا سيزيد من جاذبية اقتصاد الحرب.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد