السوريون والعملات الرقمية.. طموح الثراء وقانون “قيصر”

السوريون والعملات الرقمية.. طموح الثراء وقانون “قيصر”
أستمع للمادة

منذ منتصف العام 2019 وحتى منتصف 2020 شهد سوق العملات الرقمية أو العملات المشفرة، انتعاشا كبيرا حول أنظار المستثمرين تجاه هذا القطاع الناشئ والغامض.

مع بدايات جائحة “كورونا” وارتفاع الاهتمام بكل ما هو إلكتروني، وكذلك ارتفاع أسهم الشركات التي تقدم خدمات تسهل الحياة من المنازل، وجد حتى الأشخاص العاديين في سوق العملات الرقمية، فرصة للثراء السريع أو لتحسين الدخل أو بأقل الأحوال للادخار في أصول تشهد ارتفاعا مستمرا.

اقرأ أيضا: سوق العملات المشفرة.. الاستثمار والعوائق

من حيث المبدأ أحلام الثراء الفاحش والسريع تراود جميع البشر تقريبا، مهما كان الشخص راضيا بواقعه وعمله ومستوى حياته ودخله، لن يمانع معظم الناس إذا ما قيل لهم “أصبح هناك مليون دولار في حسابك المصرفي”. هذا الحلم أو الرغبة داعبتها عن قرب ثورة العملات المشفرة، أو ما بات يعرف بالشكل الشائع باسم العملة الأشهر “ثورة البيتكوين” التي بلغت ذروتها في منتصف العام 2020 عندما تخطت حاجز 50 ألف دولار لـ “البيتكوين” الواحد.

قطعة البيتزا

شخص أو مجموعة مجهولة من الأشخاص، أسسوا “البيتكوين” تحت اسم “ساتوشي ناكاموتو” ولذلك يسمى الجزء من “البيتكوين” بـ “ساتوشي” وكل مئة ألف “ساتوشي” أو “سات”هي “بيتكوين” واحدة.

قصص كثيرة داعبت أحلام الثراء لدى الشباب عبر سوق العملات المشفرة، منها عن أشخاص اشتروا “البيتكوين” بثمن رخيص ثم عندما أصبحوا أثرياء ونسيوا كلمة المرور للمحفظة الإلكترونية، وأخرى عمن رفض تلقي أجر خدمة ما بـ “البيتكوين” ثم ندم، والقصة الأشهر أو الأطرف هي قصة البيتزا.

هذه القصة سجلت أول عملية بيع عبر العملات المشفرة في التاريخ، وتحكي عن شخص عرض أن يدفع ثمن قرصي بيتزا بـ “البيتكوين” فكان ثمن كل قرص 10000 بيتكوين، لك أن تتخيل الآن سعر قرصي البيتزا وشعور البائع وحسرة الشاري، مع العلم أن “البيتكوين” الواحدة اليوم تتحرك بين 18 و 22 ألف دولار.

شتاء مستمر

بعد منتصف 2020 بدأت العملات الرقمية بالتراجع ولكن بشكل طفيف وغير مخيف للمستثمرين، صعود وهبوط كحال جميع الأصول المالية أو الأسهم، بالرغم من حالات هبوط كبيرة كان يشهدها السوق في بعض الفترات، وما يلبث أن يتعافى منها.

الوضع استمر بهذه الطريقة حتى بداية الغزو الروسي على أوكرانيا مؤخرا، والذي أربك جميع أسواق المال بما فيها سوق العملات المشفرة، ولامست “البيتكوين” لأول مرة حد 18 ألف دولار تقريبا لـ “البيتكوين” الواحد وهو الحد الذي بدأت الصعود منه في منتصف 2019.

مواقع اقتصادية مختصة وصفت هذه الفترة مؤخرا بـ “الشتاء القارص والمستمر للعملات المشفرة”، لكن الأمل بانتعاش هذا السوق لازال مستمرا خصوصا للعملة الثانية في قوائم المستثمرين وهي “إيثر”، المعتمدة على شبكة “بلوكتشين” خاصة بها هي شبكة “إيثيريوم” والتي طرحت قبل أسابيع تحديثها الجديد “إيثر2.0”.

طموح الثراء “لحقنا التريند”

تصاعد شهرة العملات الرقمية والقصص المنتشرة حولها وطموحات الثراء السريع، شجعت الملايين حول العالم لدخول هذا السوق، وزاد المستثمرين الجدد تشجيعا سهولة التداول والوصول إلى المنصات المقدمة لهذه الخدمة، حيث يقول فؤاد (اسم مستعار)، لمحامي سوري يعيش في أوروبا وقد دخل سوق العملات الرقمية تحت تأثير الموجة الأخيرة، خلال حديثه لـ “الحل نت”، “لحقنا التريند”، واستمر في سرد دوافعه لهذا السوق،  بالقول بدأت أشعر بالقلق بعد الأخبار المتداولة عن انهيار الدولار وطبيعة عمل البنوك ونظام الفوائد الذي تعمل به، لذا قررت البدء بمغامرتي الخاصة، بحسب تعبيره. كان الهدف الرئيسي لفؤاد هو الحفاظ على مدخراته وليس كسب المزيد من المال، إذ بدأ بالأسهم وثم تحول للعملات الرقمية حيث اقتنع بفكرة (بلوكتشين).

يصف فؤاد تجربته بالسيئة لأنه دخل سوق العملة المشفرة بدون علم ومعرفة كافية، ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في ذلك أيضا، لقد خسر ولكنه أعتبر بأنه تعلم، وفق تعبيره.

فؤاد يجد أن هناك سلبيات في هذا النوع من التداول خصوصا غياب الثقة، حيث لم يجرؤ على الاستثمار بشكل أكبر رغم عروض من شركات متخصصة في ذلك، وعزا ذلك إلى أنه وكمواطن سوري لم ينسى ما حدث من شركات توظيف الأموال في سوريا في التسعينات من القرن الماضي.

أما عن الإيجابيات فهي عديدة أبرزها التعلم بشكل أكبر عن الاقتصاد والتداول في الأسواق وكذلك عالم “بلوكتشين” و “إن أف تي” يقول فؤاد.

دخل أفضل

أهداف أخرى كانت لدى مستثمرين آخرين منهم رامي طرابلسي، وهو صحفي من الطبقة المتوسطة وأب لطفلين يعيش في السويد، يقول خلال حديثه لـ”الحل نت”، دخلي يعتبر عاديا، وهذا كان دافعي للدخول في سوق العملة الرقمية، كنت أبحث عن تحسين وضعي المادي.

العملات الرقمية كانت تكبر بسرعة، وتحقق مرابح كبيرة، بدون خبرة بالتداول، ويتابع سرده، حققت مكاسب بسيطة ولكنها جيدة بالنسبة لي كبداية، وبسبب نقص الخبرة خسرت تلك المكاسب ولم أغامر بأرقام كبيرة، لأني لا أملك الجرأة لهذه ووضعي المالي لا يسمح لي بذلك أيضا.

رامي لا ينصح أصحاب الدخل المتوسط أو البسيط بالدخول في هذا السوق ويصف الخسائر فيه بـ “الموجعة”، أما سيف عزام، وهو صحفي أيضا وأب لثلاثة أطفال، يعيش في فرنسا يقول لـ “الحل نت”، أنا أتابع استثماري في العملات الرقمية والأمر ممتع. في الوقت الحالي خسرت بسبب انخفاض الأسعار الذي حدث مؤخرا، لكني أعرف أنني سوف أستطيع تعويض الخسائر في الفترة القادمة.

حتى تصبح متداولا في العملات الرقمية تحتاج سنوات من الخبرة، لتعرف كيف تتابع حركة السوق ومعرفة الوقت المناسب للبيع والشراء، وفق لعزام.

وفي حديثه عن تجربته وأهدافه، يقول عزام، في البداية يكون الأمر مغري ويشكل نوع من الطمع، ولكن لا يجب أن ننسى المخاطر التي قد تؤدي لخسارة كامل المبلغ، لقد دخلت إلى هذا السوق بشكل رئيسي لتحسين وضعي المادي.

 هذا السوق يحقق أرباحا أكبر من الأسهم، لكن سوق الأسهم مستقر أكثر وهنا تكمن المتعة في التداول بالعملات الرقمية كما تكمن خطورة هذا الأمر، وفق عزام.

إقبال السوريين على سوق العملات الرقمية لا يبدو غريبا، على الرغم من أن البلاد تعيش وضع اقتصاديا خانقا يفرض حتى على المقيمين في الخارج التزامات مادية شهرية تجاه ذويهم داخل البلاد.

كان السوريون مهتمين بالتغيرات التي تحدث تقنيا واقتصاديا واندفعوا كغيرهم لسوق العملات الرقمية، وفق حديث المختص بسوق الأوراق المالية، طارق الجنيدي، لـ “الحل نت”، فالظروف الاقتصادية الهشة للسوريين لا تعد مانعا بل شكلت دافع تجاه هذا النوع من الاستثمار، وذلك في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وانهيار العملة السورية، وكذلك نماذج الرابحين والذين حققوا ثروات عبر سوق العملات الرقمية.

لكن الجنيدي لفت إلى أن هذه النماذج التي نجحت في سوق العملات الرقمية، أنست المستثمرين الجدد أهم مبادئ الاستثمار، وهي عدم المخاطرة بأي مبلغ نحتاجه فعليا في نفقات الحياة اليومية.

بعد صدور قانون “قيصر” بعدة أشهر تلقى العديد من السوريين تحديدا عبر منصة “بايننس” وهي الأشهر في سوق العملات الرقمية، إخطارا بإغلاق حساباتهم لأسباب تتعلق “بالقواعد الأمنية الخاصة بالبلد” دون الإشارة لكونهم سوريين، وتركت المنصة مهلة للعملاء لسحب أرصدتهم أو نقلها لمحافظ أخرى.

قد يهمك: تأجيل طرح العملة الرقمية في سوريا لهذه الأسباب

وهذا شكل جديد من أشكال التأثيرات غير المباشرة للعقوبات الاقتصادية، التي تقول الأطراف الدولية إنها تستهدف الحكومة السورية، لكنها عطلت خلال العشر سنوات الماضية حياة العديد من السوريين على الأقل على صعيد التعاملات المصرفية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد