سوق الأدوات المستعملة في سوريا.. القديم بمواجهة الغلاء!

سوق الأدوات المستعملة في سوريا.. القديم بمواجهة الغلاء!
أستمع للمادة

“نسينا الجديد من زمان” يقول حسن شيخ صالح (أب لأسرة يعيش في محافظة ريف دمشق)، متحدثا عن آلية شراء الأدوات المنزلية التي يعتمدها منذ سنوات، فالأدوات المستعملة هي ملجأه عندما يريد شريد أي أثاث أو أداة كهربائية لمنزله، بسبب وصول أسعار الأثاث الجديد إلى “أرقام فلكية” بحسب ما يصف شيخ صالح.

أسواق منتشرة

أسواق القطع المنزلية  في سوريا، شهدت ازدهارا واسعا خلال السنوات الماضية، وهي تنافس المتاجر التي تبيع القطع الجديدة بقوة، نتيجة الانخفاض في الأسعار، واضطرار العائلات لبيع أثاث منازلهم المستعمل بسبب التنقل أو السفر خارج البلاد.

ويقول شيخ صالح في حديثه لموقع “الحل نت“: “لم يعد أحد من الأهالي يرغب بشراء الجديد، منذ شهر احتجت لشراء براد للمنزل، لم أفكر أبدا بالتوجه لشراء الجديد، في سوق المستعمل ستجد برادا جيدا بسعر 800 ألف تقريبا، بينما لو أردت شراء قطعة جديدة ربما يتجاوز سعرها ثلاث ملايين ونصف ليرة“.

ويؤكد شيخ صالح أن أسواق بيع القطع المنزلية المستعملة، أصبحت منتشرة أكثر من أسواق بيع القطع الجديدة، مشيرا إلى أن الإقبال عليها واسعة، ويضيف: “ستجد في سوق المستعمل إقبال واسع وحركة جيدة، فدائما هناك عرض وطلب مرتفعين، بينما في سوق الجديد هناك عرض جيد لكن الطلب منخفض جدا، ويقتصر فقط على الفئة ذات الدخل المرتفع من المجتمع“.

الباحث الاقتصادي باسل زينة، قال إنه يمكن للأسواق الشعبية لبيع القطع المستعملة، أن تلعب دورا أفضل مستقبلا إذا تم تبنيها من قبل المؤسسات الحكومية، وذلك من خلال توفير المكان المناسب لها وإلغاء رسوم شغل المكان وتخفيض الضرائب على المنتجين المحليين للسلع والبضائع المعروضة في هذه الأسواق.

اقرأ أيضا: أدوية مهربة في سوريا.. ذريعة لرفع الأسعار؟

أوضح زينة في تصريحات نقلتها صحيفة “تشرين” المحلية الخميس، إلى أن الأسواق الشعبية أصبحت الملجأ الوحيد لذوي الدخل المحدود، لأنها تناسب إلى حد ما القوة الشرائية لأغلب المواطنين“.

استخدام مواقع التواصل

فضلا عن الأسواق الشعبية في البلاد، تكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بصفحات ومجموعات لبيع الأثاث المنزلي المستعمل، حيث يعرض الأهالي أنواع مختلفة من الأثاث كالسجاد والأدوات الكهربائية والتحف وغرف النوم والجلوس سواء كانت قطع الأثاث موجودة في محال لبيع الأدوات المستعملة أو في المنازل لدى أشخاص يرغبون في بيع مقتنياتهم بدوافع عدة إما بداعي السفر، وإما للتخلص من أثاث ليسوا بحاجته، وإما لتأمين قوت يومهم في ظل غلاء المعيشة وعدم وجود مصدر رزق.

عشرات الصفحات والمجموعات تم إنشاؤها في سوريا، تم إنشاؤها بغرض بيع وشراء الأدوات المستعملة، في حين يتم أيضا في بعض المجموعات عرض الملابس والأدوات الشخصية للبيع، لا سيما من قبل من قرروا الرحيل والسفر خارج البلاد.

تروي رويدا الأحمد (سيدة تعيش في حلب ولديها خمسة أولاد) قصة عرض جميع أثاث منزلها للبيع الأسبوع الماضي، وذلك بعد أن قررت السفر إلى تركيا، استعدادا لخوض رحلة الهجرة إلى البلدان الأوروبية، علها تحصل على حياة مستقرة.

“إنها ذكريات وليست مجرد أغراض مستعملة” تقول الأحمد في معرض حديثها لـ“الحل نت“، مشيرة إلى أنها عاشت في منزلها في مدينة حلب لما يزيد عن 20 عاما مع زوجها وأولادها، الذي سافروا جميعا واحدا تلو الآخر.

وتضيف: “قررنا بيع جميع الأثاث مع معظم الأدوات الشخصية بمبلغ 3 ملايين، إنه مبلغ زهيد مقارنة بما يحتويه المنزل، بالطبع الذكريات لا أحد يشتريها، فهي قيّيمة فقط بالنسبة لأصحابها، نستعد الآن لرحلة سفر طويلة مضطرين لبيع أثاث المنزل بأقصى سرعة“.

بدوره يؤكد أسامة نجار، أنه يعمل في العديد من مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي، التي تختص بعرض الأدوات المستعملة، مشيرا إلى أنه يدير مجموعتين مقابل الحصول على “كومسيون” من قبل البائع.

ويقول نجار لـ“الحل نت“: “غالبا ما يستعين بي الأصدقاء والأقارب الذين ينوون السفر إلى الخارج، فأنا موجود دائما على تلك الصفحات، عمليات البيع تكون عادة معنونة بالبيع بداعي السفر، وربما لا يكون الأمر كذلك“.

ويضيف: “نحصل على نسب متفاوتة بين خمسة بالمئة إلى عشرة بالمئة، من سعر البيع، أصبحت هذه الصفحات هي مصدر رزقي، فأنا أقوم بإدارتها ونشرها، والإشراف على عملية التواصل بين البائع والشاري“.

تفاقم الأزمة الاقتصادية

منذ بداية العام الجاري، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها، تزامنا مع فشل وعجز الحكومة السورية، عن ضبط أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق.

قبل أيام رفع بنك سوريا المركزي، سعر الصرف الرسمي إلى 3015 ليرة للدولار، في حين أن سعر السوق السوداء المستخدم في معظم الأنشطة الاقتصادية، هو حوالي 4575 ليرة، وكان السعر الرسمي لليرة قبل الخفض 2814 للدولار، ما انعكس سلبا على الأسواق.

الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، شفيق عربش، قال في تصريحات صحفية سابقة إن: “رفع سعر صرف الليرة أمام الدولار يؤدي حتما إلى رفع سعر صرف الدولار الجمركي، وهذا بدوره يؤثر في كل رسوم عمليات التخليص الجمركي للبضائع المستوردة، وبالتالي ستكون النتيجة ارتفاعا كبيرا بالأسعار“.

ووصف عربش، وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بأنها أدارت ظهرها للحقيقة، ورأت فقط ما تريد أن تراه عندما أصدرت تعميمها الأخير، لأن الواقع مختلف تماما عمّا نشرته، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك أي مبرر لرفع سعر الصرف، لأنه مخالف للسعر الذي اعتمدته الحكومة في موازنة عام 2022.

وحول ما ذكرته وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بأن رفع سعر الصرف لن يؤثر إلا في المواد التي يتم تمويلها من المصرف وهي حصرا القمح، والأدوية النوعية، وحليب الأطفال، توقّع عربش، ألا يكون هناك زيادة في أسعار هذه المواد ولكن سيتم تعويض هذا الفرق من خلال رفع أسعار سلع مدعومة والمرشح للارتفاع، هو أسعار المشتقات النفطية.

وتواجه الأسر السورية أزمات معيشية واقتصادية مختلفة، في ظل تردي الواقع الخدمي والمعيشي في مختلف المناطق السورية، ما جعل تربية الأطفال ورعايتهم، وتأمين الحد الأدنى من مستلزماتهم تحديا حقيقيا ومستمرا تعجز آلاف الأسر السورية عن مجاراته.

التحايل على الأزمات

يواجه السوريون في المناطق الخاضعة للحكومة السورية، صعوبة في التغلب على أزمات ارتفاع الأسعار المتكررة، فبدأت العائلات السورية بحذف العديد من الأصناف الاستهلاكية من قائمة المشتريات الشهرية، بهدف التوفيق بين الدخل والمصروف.

ومع حلول العام الجديد 2022، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في سوريا سواء الخضروات، والفواكه، أو المواد التموينية، أو اللحوم أو غيرها. ويبدو أن العام الجديد جلب معه العديد من التغييرات في الاقتصاد السوري، ويمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى نتائج غير متوقعة على العائلات السورية خصوصا وأن أغلبها بات يُصنّف ضمن الطبقة الفقيرة.

لا يبدو أن حكومة دمشق قادرة على ضبط أسعار السلع الغذائية بالتحديد، فقد فشلت جميع الآليات التي أقرّتها منذ بداية العام الجاري لضبط الأسعار، فضلا عن فشلها في فرض الأسعار الواردة في نشراتها الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

كذلك يعتمد السوريون في مناطق سيطرة دمشق، على الإعانات الخارجية من أقاربهم وأصدقائهم من دول اللجوء لتغطية احتياجاتهم الأساسية بشكل شهري، وذلك بسبب ضعف القدرة الشرائية وانهيار الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها، في ظل الغلاء المستمر لأسعار مختلف السلع والمواد الأساسية.

قد يهمك: ظروف صعبة على الصناعة السورية.. “الحال واحد عالكل“!

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد