هل يحتاج العراق إلى تعديل دستوري؟

هل يحتاج العراق إلى تعديل دستوري؟
أستمع للمادة

على الرغم من المطالبات الشعبية والسياسية الواسعة في العراق منذ 2003 وحتى الآن، لا يزال الدستور يمثل عقبة أمام تقدم البلاد التي ما تزال غارقة في الأزمات السياسية والاقتصادية، والتي كان الدستور أحد أبرز مسبباتها، ومع ذلك، فإن محاولة تعديل الدستور في ظل الظروف السياسية الحالية غير قابلة للتطبيق، بحسب معده واشنطن للدراسات السياسية، الذي أكد أنه حتى مع صرف النظر عن العيوب الفنية الإشكالية التي تشوب الميثاق الحالي، لا يزال العراق يعاني من نقص كبير في المبادئ الدستورية واحترام سيادة القانون. 

وعلى الرغم من ذلك، أشار المعهد في دراسة نشرها اليوم الجمعة وتباعها موقع “الحل نت”، إنه مع افتقار العراق حاليا إلى الوحدة وسيادة القانون اللازمين لمتابعة بحذر عملية مشحونة سياسيا مثل تعديل الدستور، لكن هناك العديد من البدائل التي يمكن أن تضع هذه العملية على طريق الإصلاح المنهجي. 

في ظل الجمود السياسي الذي تسببت به الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد نتيجة التدافع السياسي بين القوى السياسية حول تشكيل الحكومة منذ عام من الآن، إلا أنه دفع العراقيين إلى زيادة مطالبتهم بتعديل دستور البلاد، حيث اعتبر الكثيرون أن النظام الطائفي في فترة ما بعد صدام حسين عجز عن توفير الاستقرار والازدهار، وبالتالي أكمل مسيرته، وفقا للدراسة.

ووسط ذلك، وبالرغم من أنه لا تزال المعايير الديمقراطية وحقوق الأقليات المنصوص عليها في الدستور بمثابة طموح في أحسن الأحوال، حتى في أوساط المراقبين الأكثر تفاؤلا، وبناء على ذلك لفت بعض القادة السياسيين علنا إلى أنهم يستجيبون لمثل هذه الدعوات، بالرغم من تنوع الأسباب الكامنة وراء الدعوات الأخيرة لإجراء إصلاحات دستورية.

فبعض قادة حركة “تشرين” الاحتجاجية التي أُطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2020، المستائين من غياب المساءلة في ظل النظام الحالي القائم على الإجماع، كانوا يحثون على الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي يحترم في الوقت نفسه الحقوق المدنية. 

الدراسة لفتت إلى أن “قد يواجه عدد من التعديلات المحتملة بمعارضة كبيرة في بعض الأوساط، فقد ترفض الأحزاب الكردية والعربية السنية أي تغييرات تحد من البنود الاتحادية في الدستور أو تحوله عن النظام البرلماني، فمن وجهة نظرها، أصبحت السلطة تتركز أكثر فأكثر في بغداد منذ عام 2003، وعلى الأخص من خلال إلغاء مجالس المحافظات”.

اقرأ/ي أيضا: نهاية الانسداد السياسي وقرب تشكيل الحكومة العراقية؟

الدستور ومعارضة الرأي العام

كما أكدت أنه “على الرغم من معارضة الرأي العام المتزايدة للطائفية، لا تزال الأحزاب السنية والكردية تخشى أن تصبح الهيمنة السياسية الشيعية دائمة إذا سمحت باعتماد إجراءات معينة”، مشيرة إلى أنه “من جهة أخرى قد يطالب الليبراليون الذين يعلو صوتهم بشكل متزايد بالتخفيف من حدة موقف الميثاق بشأن الدين، الأمر الذي قد يثير بلا شك غيظ الأحزاب الإسلامية، وإذا وصلت الدعوات الواسعة النطاق لحظر الميليشيات إلى المرحلة الدستورية، فستتم مكافحتها – بكل معنى الكلمة”.

في حين لفتت إلى أن أحد الأسباب الجزئية لعدم تعديل الدستور على مر السنين على الرغم من العديد من الشكاوى، بينت أن، الدستور لم يخل من الجدل عند صياغته، إلا أنه كان نتاج إجماع شاق وحيث تمت المصادقة عليه عبر استفتاء شعبي في عام 2005، انبثقت هذه الوثيقة من تنازلات متوازنة بدقة من قبل جماعات سياسية ودينية وعرقية وطائفية متنوعة، بالإضافة إلى تأثير كبير وتسهيلات مهمة من قبل “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق”، (يونامي) والولايات المتحدة، وهذا هو السبب جزئيا لعدم تعديل الدستور على مر السنين على الرغم من العديد من الشكاوى.    

وعن المشكلات الدستورية، أشارت الدراسة إلى أنه على مدى العقدين الماضيين، تخطت النخبة السياسية الالتباسات التي يكتنفها الدستور وأوجه قصوره المتصورة بطرق متنوعة، والأكثر أهمية أن “المحكمة الاتحادية العليا” لعبت دور الحكم وقدمت تفسيرات للبنود الرئيسية، وفي عام 2010، حددت هذه “المحكمة” ما يشكل “الكتلة الأكبر” في مجلس النواب لتشكيل الحكومة – وهو قرار يعتقد الكثيرون أنه أدى إلى تآكل احترام الرأي العام للدستور والمحكمة لأنه بدا أنه يتعارض مع المعايير الديمقراطية.

أيضا، أنه في الآونة الأخيرة، أصدرت “المحكمة الاتحادية العليا” سلسلة من الأحكام القوانين/القرارات الهامة التي أعادت تحديد النصاب البرلماني الضروري لانتخاب الرئيس وقلبت الأساس القانوني لقطاع النفط والغاز التابع لحكومة إقليم كردستان رأسا على عقب، من بين تأثيرات أخرى.  

في حين من جهته، سن مجلس النواب قانونا يوسع نطاق المواد الدستورية التي تغطي بعض القضايا الرئيسية على سبيل المثال، القواعد المنظمة للانتخابات، لافتة إلى أنه مع ذلك، لم يتم تنفيذ أحكام أخرى بأي شكل من الأشكال، مثل حل الخلافات حول الأراضي المتنازع عليها “المادة 140” أو إنشاء “مجلس اتحادي” ليكون بمثابة مجلس الأعيان ضمن مجلس نواب على النحو المتوخى في الأحكام مؤلف من مجلسين تشريعيين “المادة 65″، وحتى الإجراءات ذاتها لإدخال تعديلات على الميثاق تظل خاضعة لتفسيرات متباينة على نطاق واسع.  

لكن مع ذلك، عادت الدراسة لتؤكد أنه من الناحيتين السياسية والقانونية إن عملية تعديل الدستور طويلة وشاقة، وفي هذا السياق، يسلط الدستور الضوء على آليتين: الأولى عملية تعديل مرحلية تتطلب تصويتا بالأغلبية البسيطة في مجلس النواب، ومن ثم إجراء استفتاء شعبي يستوجب تصويت الأغلبية بالإيجاب على المستوى الوطني وعلى ما لا يزيد عن قلة من المحافظات الفردية التي ترفض الاقتراح بأغلبية ساحقة، وثانيا وعملية تعديل عامة تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، ثم إجراء استفتاء عام بسيط.   

اقرأ/ي أيضا: العراق.. استقالة الحلبوسي ضحك على الذقون؟

الدستور والمواد الخلافية

معهد واشنطن للدراسات بين في دراسته، أنه بصورة أكثر تحديدا، نصت المادة 142 على أنه في أعقاب تشكيل مجلس النواب بفترة وجيزة، كان من المتوقع أن يقوم بتشكيل لجنة تكون مهمتها إعداد تقرير حول التعديلات المقترحة في غضون أربعة أشهر، وكان من المقرر الموافقة على هذه التعديلات من خلال تصويت أغلبية بسيطة في المجلس التشريعي، ثم طرحها للاستفتاء وتمريرها ما لم يتم نقضها بأغلبية ثلثي الناخبين في ثلاث من محافظات العراق الثمانية عشر.

غير أنه يفترض أن واضعي مسودة الدستور قصدوا أن يكون هذا الإجراء الانتقالي متاحا فقط في بداية مجلس النواب الأول في عام 2006 في الواقع، يبدو أن اللغة في المادة 142 تشير، وبحسب الدراسة إلى أن أحكامها ربما تكون قد انتهت صلاحيتها منذ فترة طويلة.

ومع ذلك، نظرا إلى عدم تحديد تاريخ نهائي صراحة، واصل قادة مجلس النواب بدعم من توضيح “المحكمة الاتحادية العليا” المقدم عام 2017، العمل كما لو أن هذه الآلية سارية المفعول إلى أجل غير مسمى، مما لا يتطلب سوى التصويت بأغلبية بسيطة في المجلس التشريعي، وقد تم بالفعل تشكيل لجنة المراجعة الإلزامية، ولكنها تجاوزت بأشواط فترة الأشهر الأربعة المحددة لها لاقتراح تغييرات.

من جانب أخر تناولت الدراسة، “المادة 126” الآلية الثانية، التي تنص على بدء تعديل الدستور من خلال اقتراح مشترك من قبل رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو من قبل خمس أعضاء مجلس النواب، وبعد ذلك يجب الموافقة على هذا الإجراء من قبل ثلثي أعضاء مجلس النواب وتصويت أغلبية بسيطة في استفتاء شعبي، مع عدم منح سلطات النقض للمحافظات، واستنادا إلى هذه المادة، شكل الرئيس برهم صالح لجنة لاقتراح التعديلات خلال احتجاجات “تشرين” عام 2019، مشيرا إلى أن رئاسة الجمهورية تؤمن بأن “المادة 126” سارية المفعول أساسا. 

ومع ذلك، على الرغم من أن المقاربتين هما حاليا قيد التنفيذ، لكن الدراسة أشارت إلى أنه لم يتم تقديم أي منهما رسميا، علما أن السعي إلى اعتمادهما في آن واحد ينافي النوايا المفترضة للمخططين والمتمثلة بتوفير عملية مرحلية متأنية، أي اقتراح مجموعة أولية من التعديلات عبر التدابير المؤقتة الموضحة في لمادة 142، ثم تفعيل المادة 126 باعتبارها المسار الوحيد لأية تعديلات مستقبلية، وإذا ما بقي المساران مفتوحين، فسوف يصطدمان من دون شك، وربما سيرغما “المحكمة الاتحادية العليا” على التدخل والفصل بموجب قرار وليس مجرد توضيح، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع المضطرب أساسا.

وبالرغم من ذلك، ومع أنه في حين تعتبر العملية الرسمية لتعديل الدستور شاقة، تعود الدراسة لتشير إلى  أن هذا التعقيد يوفر ضمانات حماية جاهزة ضد الاستغلال المتقلب أو الخبيث للتعديلات من أجل تحقيق مكاسب سياسية، ولا ينبغي الاستخفاف بتغيير الميثاق أو في أوقات الأزمات، تنفيذه على الإطلاق، نظرا لتداعياته الكبيرة على توازن القوى في العراق، وليس فقط داخل ما بين الأحزاب السياسية، ولكن أيضا بين السلطة التشريعية وأولئك المواطنين الذين كانوا يضغطون من أجل التغيير.

الدستور العراقي وتداعياته السياسية

عن التداعيات السياسية لتلك الإشكالات الدستورية، بينت الدراسة، أنه باستثناء فترة قصيرة خلال ذروة احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر في عام 2019، لم يتمتع العراق لبعض الوقت بالبيئة السياسية المناسبة لمثل هذه العملية الضخمة كتعديل الدستور، وبناء على ذلك، قد يكون من الأفضل أن ينظر قادته في عقد مؤتمر دستوري أو آلية مماثلة في المقام الأول، أي عملية تكتسب شرعيتها من خلال مشاركة المجتمع المدني ومصممة خصيصا للنظر في مزايا التعديلات المحتملة ومناقشتها قبل طرحها للتصويت رسميا”، مشيرة أنه يمكن بعد ذلك عرض النتائج على مجلس النواب وإخضاعها للإجراءات القانونية السائدة.  

كما أشارت إلى أنه فضلا عن ذلك، ووسط هذا الجو المستقطب السائد اليوم، قد تمنح بعض جوانب الغموض في الدستور المشرعين مزيدا من الوقت والمجال لإعادة هيكلة النظام الدستوري قبل محاولة تعديل الدستور بحد ذاته، مستعرضة أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال التوسع في جوانب الوثيقة الأكثر إيجابية، خاصة الحقوق المدنية عبر تشريع جديد أو وثيقة حقوق.

ومثالا على ذلك، قالت الدراسة أنه على الرغم من صعوبة النقاش حول سن قانون وطني للمواد الهيدروكربونية النفط والغاز، سيكون إقرار هذا التشريع الذي يجيزه الدستور أقل صعوبة من محاولة إعادة النظر في كيفية تصور الدستور للاتحادية ودور إقليم كردستان.

وأشارت إلى أنه ذلك يجب إعطاء الأولوية لبناء المؤسسات المنصوص عليها في الدستور، ويتمثل برنامج الأعمال الأول في إنشاء “محكمة اتحادية عليا” جديدة، وفقا للمادة 92 ثانيا، من أجل تجنب الخطوة الصارمة المتمثلة في الانتقال إلى نظام رئاسي مع الاستمرار في الاستجابة للدعوات إلى مزيد من المساءلة، يمكن لمجلس النواب أن يسن تشريعا جديدا يمكن الرئيس باعتباره حامي الدستور. وسيتماشى هذا الأمر مع المادة 67، التي تمنح الرئيس صلاحيات المراجعة الإدارية وسلطة الادعاء على الحقوق الدستورية.  

في الختام، شددت الدراسة على أنه بالنسبة لدور الولايات المتحدة، فلا يزال دستور عام 2005 الإرث الأبرز الذي تركته أمريكا في العراق ويجب أن يبقى على هذا النحو، وتحقيقا لهذا الهدف، وفي وجه البدائل غير المؤكدة، يتعين على واشنطن و “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” مساعدة بغداد مجددا على إعادة هيكلة النظام الدستوري من خلال اتخاذ خطوات تشريعية وفي مجال السياسة، من دون تعديل الدستور في الوقت الحالي.

 ويمكن أن تندرج هذه المساعدة القانونية ضمن اختصاص “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” الثنائية بخاصة الفرعين الثاني والثامن، والتي تلزم الولايات المتحدة بـ “دعم وتعزيز ديمقراطية العراق ومؤسساته الديمقراطية”، وعلى الرغم من الأزمة المتفاقمة، لا تزال سياسة العراق التي تشكل موضع نزاع شديد مراعية إلى حد ما للدستور، على الأقل ظاهريا، وبغية الحفاظ على هذا الشق المهم للدستورية، على بغداد وشركائها الدوليين النظر بجدية في كيفية تعزيز الدستور وجعله يطبّق بشكل أفضل، ليس فقط من أجل التقدم في المجال السياسي، بل من أجل مستقبل الشعب أيضا.      

اقرأ/ي أيضا: العراق والدستور.. تاريخ حافل بالخروقات

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة