هل الصين على حافة الركود الاقتصادي؟

هل الصين على حافة الركود الاقتصادي؟
أستمع للمادة

الركود هو انخفاض خطير في النشاط الاقتصادي يستمر لأكثر من بضعة أشهر، ويتم تحديده تقليديا من خلال ربعين متتاليين من انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وعادة ما تؤدي فترات الركود إلى انخفاض العديد من المؤشرات الاقتصادية بما في ذلك انخفاض الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض عمليات الإنتاج والتصنيع كما ينخفض الإنفاق الاستهلاكي.

في هذه السطور نسلط الضوء على احتمالية دخول الصين في فترة ركود، بالاستناد على مجموعة من الأسباب، ويمكن تقسيمها لأسباب داخلية وخارجية. وفيما يلي نذكر الأسباب الداخلية.

التمسك بـ “سياسة صفر كوفيد-19”

مازالت الصين متمسكة بسياسة الإغلاق في عدد من المدن لمواجهة تفشي فايروس “كوفيد-19″، وتقول حكومة بكين إنها بعملية الإغلاق أنقذت أكثر من 50 مليون إنسان من الموت نتيجة الانتشار السريع لـ “كوفيد-19”. سياسة الإغلاق ستكون لها انعكاسات مباشرة وسريعة على الاقتصاد، وبالفعل سرعان ما انعكست على انخفاض عمليات الإنتاج والتصنيع.  فقد أظهرت مؤشرات النمو للنصف الأول من عام 2022 ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 2.7 بالمئة مقارنة بتوقعات نمو 5 بالمئة، بينما نما الإنتاج الصناعي بنسبة 3.8 بالمئة، دون التوقعات البالغة 4.6 بالمئة.

انخفاض الإنتاج الصناعي أثر على الشركات العالمية، حيث صرح مسؤولون في شركة “آبل” أن عمليات الإغلاق في الصين قد تكلف الشركة ما بين 4 و 8 مليار دولار في المبيعات المفقودة، بسبب مشاكل سلسلة التوريد.

قد يهمك: “فخ مبطن”.. لماذا قبلت الصين بجدولة ديون الدول الفقيرة؟

في اليابان، صرحت شركة “سوني كروب كورب” أن قيود التوريد المرتبطة بالصين، ستضر بإنتاج وحدات تحكم ألعاب الفيديو الرئيسية الخاصة بها، وقال المدير المالي لشركة “سوني”، أن قيود “كوفيد-19” بما في ذلك الإغلاق في شنغهاي، جعلت من الصعب على الشركات هناك تصنيع وشحن الأجزاء المستخدمة في أجهزتها. من المعروف أن الصين تصدر سنويا إلى السوق الدولية بما يقارب 2.631 تريليون دولار بحسب تقديرات 2019، وتصنف معدات البث وأجهزة الكمبيوتر والآلات وقطع الغيار والهواتف وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا، من أهم الصادرات الصينية للسوق الدولية.

الواردات الصينية شهدت انخفاضا ملحوظا مؤخرا، فقد سجلت عدد من الدول انخفاضاَ في مؤشرات التصدير إلى الصين، حيث تراجعت صادرات تايوان وكوريا الجنوبية إلى الصين في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 3.9 بالمئة لكل منهما مقارنة بشهر مارس من عام 2021، وأبلغت شركة “بي أم دبليو” عن انخفاض بنسبة 19 بالمئة في حجم الإنتاج في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022 مقارنة بالعام السابق، مشيرة إلى أن السبب هو عمليات الإغلاق في الصين.

 “بي أم دبليو” قالت إن شحنات السيارات إلى الصين، تراجعت بنحو 9 بالمئة خلال الربع الأول من العام الجاري، كما انخفضت واردات خام الحديد بنسبة 13 بالمئة عن العام السابق، وانخفضت واردات النحاس بنسبة 4 بالمئة، وواردات السيارات بنسبة 8 بالمئة.

الطلب على النفط في الصين شهد خلال العام الجاري 2022، أول انخفاض منذ عقدين، مع تراجع معدلات حركة المرور والسفر بسبب عمليات الإغلاق الناجمة عن فيروس “كورونا”، وانخفضت معدلات الاستهلاك اليومية في شهر آب/أغسطس من العالم الحالي بنسبة 9.4 بالمئة عن معدلات الشهر نفسه من العام الماضي 2021.

كنتيجة لسياسات الإغلاق ارتفعت معدلات البطالة إلى 6.1 بالمئة في شهر حزيران/يونيو من العام الجاري، وعادت للانخفاض إلى 5.1 بالمئة في شهر أيلول/سبتمبر الفائت، لكنها تبقى مرتفعة مقارنة بعام 2019 حيث كانت 4 بالمئة. 

تباطؤ سوق العقارات

قطاع العقارات يمثل حوالي ربع الاقتصاد الصيني، وهو من المحركات الرئيسية لنمو الاقتصاد الصيني، ومن المعروف أن الصين اعتمدت بشكل كبير على الاستثمار في العقارات من أجل تحقيق نمو اقتصادي في البلاد، ويتأرجح قطاع العقارات من أزمة إلى أخرى منذ عام 2017، فقد خسر قطاع العقارات في الصين عام 2017 بما يقارب 3.2 تريليون دولار خلال انهيار سوق الأسهم الصينية في عام 2015، وعاودت سوق العقارات الانخفاض مع بداية جائحة “كورونا” في عام 2020.

 استمر الانخفاض على الطلب وبيع المنازل في النصف الأول من عام 2022 الأمر الذي ينذر بخسارة قطاع العقارات أكثر من 130 مليار دولار. تعيش أيضا غالبية الشركات العقارية الصينية أزمة سداد للبنوك الصينية والدولية، بعد التراجع الحاصل في أسواق العقارات.

الأسباب الخارجية

على الرغم من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن الصين لم تتأثر كثيرا، بسبب حصولها على أسعار مخفضة للبترول والغاز من روسيا، لكن ذلك لم يحمي الصين من التأثر من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم، والناتجة عن ارتفاع أسعار موارد الطاقة في السوق الدولية، حيث تعيش غالبية دول العالم حالة من التضخم والانخفاض في المؤشرات الاقتصادية، الأمر الذي سينعكس على انخفاض الاستهلاك العالمي، وبدوره سينعكس على واردات الدول من السوق الصينية لاسيما دول الاتحاد الأوروبي التي تعد شريكا مهما للسوق الصينية.

في النتيجة يعاني الاقتصاد الصيني من تباطؤ ناتج عن سياسات الإغلاق لعدد من المدن في أعقاب نهج “سياسة صفر كوفيد-19” والذي تزامن مع تراجع لمؤشرات سوق العقارات. كما انعكست الأحداث العالمية الأخيرة من الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من ارتفاع في أسعار الطاقة والتضخم العالمي ورفع أسعار الفائدة في غالبية دول العالم، إلى تراجع في معدلات الإنتاج والتصنيع في الصين، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الواردات الذي قد يؤدي إلى ركود بطبيعة الحال.

 دخول الاقتصاد الصيني بحالة ركود يمثل ضربة للاقتصاد العالمي، الذي لا يعد مجرد سوق ضخمة للسلع بكافة أنواعها وأشكالها في العالم، ولكنه يمثل دينامو التصنيع في مركز التجارة العالمية. كما سينعكس سلبا على الدول المنتجة للمواد الخام الطبيعية، مثل دول الخليج العربي التي تصدر جزءا كبيرا من إنتاجها من النفط إلى السوق الصينية، كذلك البرازيل وتشيلي وأستراليا التي تزود الصين بالنحاس وخام الحديد.

تقارير سابقة لـ “الحل نت” تحدثت عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الصين مؤخرا، وعن تراكم الديون الصينية لعدد من الدول. فمنذ أن أطلقت الصين مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، لتوسيع نفوذها الاقتصادي في آسيا وإفريقيا، تراكمت الديون الصينية لعشرات الدول في القارتين، ومع بدء الأزمة الاقتصادية منذ عامين، مع انخفاض توقعات النمو الاقتصادي، يبدو أن مئات ملايين الدولارات الصينية مهددة بالضياع، وسط عجز الدول عن سداد الديون.

أسباب التهديدات

تُعد مبادرة “الحزام والطريق”، من أبرز أسباب تهديد أموال الصين بالضياع، بعدما أصبحت الحكومة الصينية أكبر دائن حكومي في العالم للدول النامية، ما دفعها للجوء إلى صندوق النقد الدولي فيما يبدو أنه محاولة ضمان حصولها على أموالها أو جزء منها.

تتنوع القروض الصينية المقدَّمة لنحو 150 دولة في آسيا وإفريقيا، بين قروض مقدمة من الحكومة الصينية وأخرى من البنوك الصينية، وبعضها مقدم للحكومات وأخرى مقدمة لشركات تابعة للحكومة، ولكن ميزانيتها لا تظهر في ميزانيات الحكومات.

اقرأ أيضا: مئات ملايين الدولارات لبكين مهددة بالضياع.. استراتيجيات فاشلة للنفوذ الصيني؟

ورغم أن الرقم النهائي لحجم القروض غير معروف، إلا أن وزارة الخارجية الصينية، تؤكد أن البلاد قدمت خلال العقد الماضي نحو تريليون دولار، في شكل قروض واستثمارات ومنح وأموال أخرى لمشروعات التنمية لدول، مثل الإكوادور وأنغولا.

نحو 110 مليارات دولار أميركي، قيمة الديون لأفقر 68 دولة في العالم، للمقرضين الصينيين، وذلك حسب تقديرات مركز التمويل والتنمية الأخضر في جامعة فودان في شنغهاي، حتى نهاية 2020.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد