خارطة السّنة المستقبلية في العراق.. صراع قديم أم متجدد؟

خارطة السّنة المستقبلية في العراق.. صراع قديم أم متجدد؟
أستمع للمادة

أيام حبلى بالصراعات التي لا تنتهي هي أيام العراق، على رأسها الصراع الشيعي-الشيعي مرورا بالصراع الكردي-الكردي وصولا إلى الصراع السني-السني، وهذا الأخير لم يظهر للعلن كبقية الصراعات فهو لم يحسم بعد. كل الاهتمام الآن يتمركز حول الصراع الشيعي ومعضلة الكتلة الأكبر، والصراع الكردي وأزمة اختيار مرشح موحد لمنصب رئيس الجمهورية، كما أن السّنة حسموا منصب رئيس البرلمان لصالحهم حتى لو كان لطرف على حساب طرف آخر، وهذه الأسباب تجعل السّنة في العراق في المرتبة الثالثة من حيث النفوذ بعد الشيعة والكرد، رغم أنهم حكموا العراق لسنوات طويلة.

أصل الصراع السني يعود إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، والذي كان منقسم بين ثلاث أطراف رئيسية، هي تحالف “تقدم” بقيادة محمد الحلبوسي، وتحالف “العزم” بقيادة خميس الخنجر، و”جبهة الإنقاذ والتنمية” بقيادة أسامة النجيفي، رئيس مجلس النواب الأسبق والذي فشل في الانتخابات البرلمانية فشلا ذريعا، وبقي الصراع بين “تقدم” و”العزم”.

اقرأ أيضا: القوى السياسية السنية العراقية: ما دورها بتشكيل الحكومة المقبلة وسط ضغوط أنقرة وطهران؟

الصراع بين الطرفين الباقيين وصل إلى حد تبادل الاتهامات والتسريبات وصولا إلى التدخل التركي ولقاء الحلبوسي والخنجر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس المخابرات التركية فيدان، في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، وبعد اللقاء تم إعلان تحالف “بالعزم نتقدم” بين الطرفين على أن يتولى خميس الخنجر زعامة التحالف والحلبوسي رئاسة البرلمان، وهذا ولّد شرخ آخر في التحالف السني، حيث تم إعلان انشقاق أكثر من 16 نائب وإعادة تشكيل تحالف “العزم” برئاسة عضو مجلس النواب الحالي مثنى السامرائي، وتم تغيير اسم تحالف “بالعزم نتقدم” إلى المسمى الحالي له وهو تحالف “السيادة”.

هل هناك صراع؟

رغم أن الخلافات بين المكون السني ليست بالشكل المعلن التي هي عليه الخلافات بين المكون الشيعي، إلا أن الخلاف واضحا من خلال عودة قيادات سنية لإيقاف تمدد الحلبوسي في المناطق السنية، وهذا ما تكلم عنه علي حاتم السليمان، الذي يعد أحد أهم القيادات العائدة والجدلية في المنطقة السنية، وكان مطلوبا للقضاء العراقي بتهمة الإرهاب، إلا أنه أصبح اليوم أحد أهم القيادات الوطنية وليس مطلوبا في أي قضية، وسط حديث عن تواجده لفترة ما في إيران، وقد أظهر دعمه في أكثر من مناسبة لـ “الإطار التنسيقي” الذي يعد حليفا لإيران في العراق.

الصراعات السنية-السنية بدأت على الأرض فعليا ويمكن تشخيصها، كما باتت أقطابها واضحة للعيان أيضا، لكن بما أن الوضع الآن في مرحلة هدنة سياسية، أصبحت تلك الصراعات غير مرئية وأصبحت سرية، ومما لا شك فيه أنه هناك انشقاق واضح على الأرض وهنالك مواقف وآراء تكشف عن نفسها أنه هناك أزمة داخل البيت السني، بحسب حديث المحلل السياسي علي البيدر، لـ “الحل نت”.

موقع “المونيتور” الأميركي رجح في تقرير نشره في آب/أغسطس الفائت، أن الصراع الشيعي_الشيعي قد ينتشر في مناطق واسعة من العراق، ويرجع ذلك إلى تنامي نفوذ الفصائل المسلحة التي تمثل معظمها “الإطار التنسيقي”، وكذلك “سرايا السلام” التي تمثل الصدر، هذه الفصائل موجودة في مناطق خارج حدودها الجغرافية والمجتمعية. نوه التقرير أيضا إلى أن الكرد والسنة يخشون أن ينتقل الصراع بين الشيعة إلى المجتمعات الأخرى، حيث تحدث مسؤول سياسي سني عن اعتقاد الشيعة، أن السنة يؤججون الخلافات بينهم ولكن هذا غير صحيح.

أحد قيادات السنة في محافظة الأنبار، يدعى سطام أبو ريشة، نشر تغريدة في آب/أغسطس الماضي، عن أنه وبرفقة قيادات أخرى سيعملون على سحب الشرعية ممن يدعي زعامة المكون السني، متحدثا عن الحلبوسي.

المعادلة السياسية السنية هي أكثر معادلة هشة في العراق، وذلك بسبب كبر هامش المناورة الذي يتمتع به ممثلي السنة، سواء على مستوى التحالفات الداخلية أو الارتباطات الإقليمية، بحسب حديث أستاذ العلاقات الدولية  في جامعة الموصل فراس إلياس، لـ “الحل نت”، حيث يرى أن سيناريو الصدام يرتبط بالدرجة الأساس على طبيعة وتداعيات العلاقة بين “”التيار الصدري و”الإطار التنسيقي” من جهة، وطبيعة أدوار الفواعل الإقليمية في الداخل العراقي من جهة أخرى، هي جميعها متغيرات ستلعب دورا في إعادة تشكيل المعادلة السنية بالمرحلة المقبلة.

التدخل الإيراني والتركي

التدخل الإيراني والتركي في الشأن السني العراقي بات واضحا من خلال دعم إيران لتحالف “العزم” بعد تحالف “السيادة” مع الصدريين، بعيدا عن “الإطار التنسيقي” الموالي لها، وهذا ما جعلها تدعم تحالف “العزم” وكانت تشن هجمات إعلامية على الحلبوسي وتحالف “السيادة”، كما ساهمت إيران في إعادة العديد من القيادات السنية إلى الأنبار وهم على خلاف مع محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي.

تركيا عملت منذ البداية على دعم السنة من خلال إنشاء تحالف سياسي قوي تمثل بتحالف “السيادة” وإعطاء رئاسة البرلمان للحلبوسي ورئاسة التحالف لخميس الخنجر. وكالة “ترك برس” نقلت عن اجتماع رئيس المخابرات التركية فيدان بالحلبوسي والخنجر قبل أسابيع في الأنبار غرب العراق، أن تركيا هي التي أشرفت بصورة غير مباشرة على تأسيس هذه التشكيلة الواسعة من قادة السنة، في أثناء زيارة الحلبوسي وخميس الخنجر إلى العاصمة التركية أنقرة، قبل إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق.

إحدى الأطراف ستكون قريبة على تركيا والأطراف الأخرى قريبة على ايران، وبالتالي وفي نهاية المطاف ستنتصر الأطراف الحليفة لإيران، كون الجزء الأكبر من المنظومة السياسية قريب منها، كما أن الموقف التركي ربما لن يكون بهذا الحجم أو القيمة داخل البيت السني في المرحلة المقبلة، وفق المحلل السياسي علي البيدر.

عودة بعض القيادات السنية

عملية عودة بعض القيادات السنية المستبعدة وأن كانت جزء من عملية أكبر لإعادة تطبيع الحالة السنية، إلا أنها قد لا تخلو من مساعي كبح جماح الحلبوسي، خصوصا وأن أغلبها لا يتمتع بعلاقات جيدة معه، بحسب الأستاذ فراس إلياس. لكن تبقى مسألة قدرة هذه القيادات على منافسة الحلبوسي، تتعلق بمدى مقبولية الراعي الإقليمي على إعادة توزيع الأدوار من جديد، أم يتم الاستمرار بالمراهنة على الحلبوسي في المرحلة المقبلة.

قد تبدو عودة بعض القيادات السنية إلى الساحة العراقية، صناعة معادة لتلك الأطراف ونتحدث هنا عن علي الحاتم ورافع العيساوي سطام البو ريشة، وهذا يأتي من أجل خلق حالة من التوازن في الموقف السني، وألا تكون هناك حالة من الانفراد به، وبالتالي هم خصوم لرئيس البرلمان العراقي الحلبوسي، بحسب البيدر.

الحلبوسي بدأ بتحسين موقفه وأصبح يقترب من “الإطار التنسيقي” من أجل أن يحرج الأطراف السنية (تحالف العزم) الحليفة للإطار، لإدراكه أن موقعه السياسي ومنصبه الحالي بات غير مستقرا، لذلك بات يقترب أكثر من “الإطار التنسيقي” وأيضا قد يحاول ضم بعض حلفاء الإطار لجانبه من خلال منحهم بعض الامتيازات.

استقالة الحلبوسي

الحلبوسي كان قد عرض استقالته للتصويت على قبولها أو رفضها من قبل أعضاء مجلس النواب العراقي الذين رفضوا الاستقالة بغالبية الأصوات، وقال الحلبوسي في تصريحات صحفية عن تقديمه للاستقالة، إنه يريد المناصب تكليفا وليست تشريفا، ومن يتسلّم هذه المواقع يجب عليه أن يعي حساسية هذه المرحلة، والانتقال من مبدأ الأغلبية في إدارة الدولة إلى توافقية المحاصصة، وإيمانه بضرورة وجود فريق معارض وآخر حاكم، ولضرورات أخرى تتعلق بديمقراطية العمل التي تتطلب استفتاء القوى السياسية الحالية العازمة على المضي بتشكيل الحكومة، وفق المبدأ الأخير وقناعاتها بوجوده كرئيس للبرلمان.

الحلبوسي انتخب في كانون ثاني/يناير الماضي من قبل التحالف الثلاثي لـ “التيار الصدري” الشيعة وتحالف “السيادة” و”الحزب الديمقراطي الكردستاني”.

يمكن القول بأن رئيس مجلس النواب الحالي محمد الحلبوسي نجح حتى اللحظة في الحفاظ على علاقته مع مقتدى الصدر من جهة، وعدم استفزاز قوى “الإطار التنسيقي” من جهة أخرى، وبالتالي هي مداخل يمكن من خلالها أن يحافظ على منصبه، بعيدا عن متغيرات الداخل السني، ولكن هذا المسعى قد يصطدم بالمزاجية السنية المتغيرة، فيما لو تم الذهاب نحو الانتخابات المبكرة، كما يشير الأستاذ فراس إلياس، إلى أن المعادلة السنية مفككة، وهذا يتضح بعملية تنقل النواب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما أن أغلب النواب هم جزء من معادلة السلطة، وذلك يظهر بنجاح الحلبوسي في مصادرة دورهم النيابي واختصاره بشخصه، وهو ما جعلهم مجرد أرقام أكثر من كونهم عناصر نيابية فاعلة، وهي حالة يمكن تطبيقها على باقي الكتل السياسية الأخرى.

العديد من المتابعين اعتبر أن تصرف الحلبوسي الأخير بعرض استقالته للتصويت تصرف ذكي، خاصة أنه يرغب في إعادة تجديد ثقة النواب به بعد استقالة حلفائه منهم وصعود خصومهم، وفي ظل أنباء عن قرب إعلان تحالف واسع باسم “ائتلاف إدارة الدولة”، يضم بين مكوناته قوى “الإطار التنسيقي”، للتصدي لتشكيل حكومة جديدة.

يشكل العرب السنة حوالي 15 في المئة إلى 20 في المئة من سكان العراق ويشكل الشيعة نحو 60 في المئة من العراقيين، والأكراد حوالي 18 في المئة من السكان، فيما ترفع بعض التقديرات نسبة سنة العراق لثلث السكان، بحسب موقع مجلس العلاقات الخارجية الأميركي “سي أف أر”.

قد يهمك: الصراع بين القوى السنيّة في العراق: تنافس انتخابي مشروع أم عنف سياسي واستهداف لشخصيات بارزة؟

الدستور العراقي ينص على إمكانية إنشاء أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي، على غرار إقليم كردستان شمال العراق، لكن المقترح يواجه معارضة كبيرة منذ طرحه، ووفقا للمادة 119 من الدستور العراقي، يحقُ لمحافظة أو عدة محافظات والتي تتوفر لديها الشروط اللازمة، أن تقدم طلب إجراء استفتاء لإقامة إقليم جديد خاص بها، وهذا الطلب يجب أن يخضعَ لموافقة ثلث أعضاء الرابطة السياسية أو عُشر المشاركين في انتخابات المحافظة أو المحافظات التي ترغبُ في إنشاء إقليم مستقل في العراق.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير