رفع الأسعار في سوريا.. “لا حسيب ولا رقيب”!

رفع الأسعار في سوريا.. “لا حسيب ولا رقيب”!
أستمع للمادة

“أكثر ما يحيرني، ليس رفع سعر هذه السلعة أو تلك، بل السؤال حول إدارة شؤون البلد، في ظروف الأزمات”، هذا التساؤل الذي يطرحه الموظف في مديرية التربية بدرعا، عبد الرؤوف المسالمة، يأتي في الوقت الذي تحدثت فيه الحكومة عن انخفاض أسعار الأغذية في سوريا، وشكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في السوق المحلية.

حسب التقارير المحلية، أثبتت أحوال الأسواق أن كل القرارات والحلول التي قدمتها الحكومة لتجاوز أزمة الغلاء والسيطرة على الأسواق لم تجد نفعا، وكل ذلك مجرد قرارات وكلمات ووعود، هذا يعني أن هناك خللا واضحا جليا أصبح لا يمكن التغاضي عنه لأنه حالة يومية يعيشها المواطن السوري.

في وقت سابق من هذا الشهر، وتعليقا على تدني الرواتب والأجور في سوريا، أكد عضو غرف تجارة دمشق فايز قسومة، على ضرورة ازدهار الاقتصاد حتى يعيش المواطن السوري، مشيرا إلى أن ذلك يعني بالضرورة تحسين وضع الكهرباء ورفع مستوى الدخل.

وقال قسومة، في تصريحات نقلتها إذاعة “أرابيسك” المحلية، إن دخل الموظفين في سوريا، لا يتناسب أبدا مع أبسط الاحتياجات الأساسية، وأضاف: “حتى لو أصبح الراتب بالحد الأدنى 500 ألف ليرة، فإنه لا يكفي لإطعامه أكثر من خبزة وبصلة“.

فرصة لجلد الناس

في وصف دقيق لما آلت إليه أحوال الأسعار في سوريا، يقول المسالمة لـ”الحل نت”، تدخل إلى أحد محلات المواد الغذائية في حي شعبي من أحياء درعا، وبضاعة المحل كله لا تتجاوز مليون ليرة، وتسأل عن قطعة محددة، فيقول لك صاحب المحل أنها متوفرة لكنها ارتفعت بنسبة 50 بالمئة، كون سعر الصرف غير مستقر، وهذا هو السعر الجديد إذا عجبك.

أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزه، في حديثه لصحيفة “الوطن” المحلية، اليوم الخميس، أشار إلى أن مشكلة الغلاء مستمرة ولا يمكن أن تحل مادامت انسيابية المواد بالأسواق منخفضة، لافتا إلى أن ارتفاع الأسعار متواتر لعدة أسباب أولها عدم استقرار سعر الصرف، وارتفاع أجور الشحن، وكذلك الرسوم الجمركية، وانقطاع البنزين لفترة والذي بدأت تظهر آثاره اليوم، كذلك موضوع حوامل الطاقة له تأثير على ارتفاع الأسعار كل ذلك تسبب في تناقص بعض المواد من الأسواق.

من جهته يذكر المسالمة، أنه حتى صاحب المحل، الذي يعلو الغبار رفوف محله الصغير والمتهالك، يربط نفسه بهذه الأسباب، وكأنه المتضرر الأساسي وشريك مباشر في هذا الشأن، ويريد أن يتذرع بمشاكل الشحن، من أجل استغلال الناس، ورفع سعر بضاعته المخزّنة أساسا منذ سنوات، واشتراها بالسعر القديم.

مناسبة هذا الكلام، أن بعض التجار في سوريا، يستغلون أي أزمة لرفع المواد التي يبيعونها، حيث أرجع أمين سر جمعية حماية المستهلك ذلك إلى التعقيدات الواردة بالقرار 71 الخاص بالاستيراد والمتضمن وضع قيمة المستوردات بشركات الصرافة لمدة 3 أشهر، والشركة المورّدة ترفض التمويل إلا إذا أخذت ثمن البضاعة الأمر الذي يخلق نوعا من التشابكات في عمليات الاستيراد، مع وجود نوع من الحذر لدى التجار لارتفاع سعر الصرف، الحال ذاته ينطبق على الصناعة وتوريدات المواد الأولية المستوردة.

وعلى سبيل المثال، تحديد سعر الزيت النباتي، الذي حدده التموين وأكدت أنه يتم تسعيره بناء على التكلفة والذي بلغ 2600 ليرة سورية، واليوم يباع بنحو 15 ألف ليرة سورية، في الوقت الذي لم تستجره “السورية للتجارة”، والسكر كذلك ما زال سعره مرتفعا بحدود 5 آلاف ليرة، لأن الكمية التي طرحت بالأسواق غير كافية.

الرقابة الغائبة

“بدلا من الفوضى التي بدأت تجتاحنا، وهي علامة على أن مجتمعنا لا يمكن أن يتحمل أزمات في المستقبل بسبب وجود هذه الأنماط التي تستغل الأزمات العالمية، وحول إدارة الأسواق، وحول من يجب أن يدير الأسواق، الرقابة على الأسواق غير كافية”، وفق ما تراه المهندسة المدنية، عبير الأكراد.

تقول الأكراد، لـ”الحل نت”، “نحن أمام ظاهرة خطيرة جدا، تؤكد أننا لسنا بخير، وأن هناك من يكذب، وهناك من يستغل”، وهذا ما أكده الصناعي أسامة زيود، خلال حديثه لذات الصحيفة المحلية، حيث قال: إن “ارتفاع الأسعار ليس له مبرر”، متسائلا في الوقت ذاته، لماذا ترتفع الأسعار ما دام الجميع يسعِّر حسب سعر الدولار بالسوق الموازي، وهذا واقع لأن الجميع لديه تكاليف مواد أولية تسعَّر حسب سعر السوق الموازي.

تابع زيود، “إذا فما حجة بعض التجار لرفع الأسعار فوق سعر السوق الموازي بـ50 بالمئة، الحجة دائما جاهزة، إما البنك أو الرسم الجمركي أو الفساد الجمركي أو تكاليف النقل أو الضرائب وغيرها”.

في هذا السياق، يرى حبزه أن سياسة التدخل الإيجابي غير صحيحة ولابد من وضع خطة مستقبلية أو إنقاذية للمواسم تقوم الجهات المعنية بوضعها، لأن ثقافة الاستهلاك لدى المواطن معروفة للجميع من موسم الأعياد وموسم للمدارس وموسم المونة وغيرها، و”نحن للأسف ليس لدينا خطة صحيحة للحد من ارتفاع الأسعار وتدخّل الجهات المعنية لا يتجاوز الجولات التموينية على الأسواق، كما حدث في موضوع الفروج وضبط كميات منها وإغلاق بعض المحال فقط”.

وأضاف حبزه، “هناك خلل بالتخطيط الاقتصادي لذلك نحن نطالب من الفريق الاقتصادي، وضع خطة مستقبلية على الأقل كل 6 أشهر حتى نعرف ماذا يحدث بالأسواق”.

الحالة السورية

منذ بداية العام الجاري، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها، تزامنا مع فشل وعجز الحكومة السورية، عن ضبط أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق.

ولا يبدو أن حكومة دمشق قادرة على ضبط الأسعار، وتأمين المواد الأساسية والغذائية بشكل يكفي حاجة الأسواق السورية، وذلك على الرغم من الوعود الكثيرة التي أطلقتها مؤخرا بهذا الصدد.

عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق، اعتبر أن المشكلة الرئيسية التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار اليومي، هي قلة توفر المواد وانعدام التنافسية.

وقال في تصريحات سابقة لصحيفة “تشرين” المحلية، “لن نستطيع الخروج من مشكلة ارتفاع الأسعار أو فقدان المواد، ما لم يتم الاتفاق على استراتيجية وطنية مشتركة تضم وزارات المالية والتجارة الخارجية والتجارة الداخلية وبنك سوريا المركزي“.

بحسب آخر الدراسات فإن متوسط تكاليف معيشة الأسرة السورية، شهد نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2022، ارتفعت بمقدار 563 ألف و970 ليرة سورية، عن التكاليف التي سُجلت في شهر تموز/يوليو الماضي، لتصل إلى ما يقارب الـ3.5 ملايين ليرة.

وأشارت الدراسة التي نشرتها صحيفة “قاسيون“، إلى أنها اعتمدت طريقة محددة في حساب الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية من خمسة أشخاص، تتمثل بحساب الحد الأدنى لتكاليف سلة الغذاء الضروري (بناء على حاجة الفرد اليومية إلى نحو 2400 سعرة حرارية من المصادر الغذائية المتنوعة).

وجاء في الدراسة: “ارتفع الحد الأدنى لتكاليف معيشة الأسرة بنحو 352,481 ليرة، منتقلا من 1,881,858 ليرة في تموز/يوليو إلى 2,234,339 ليرة في أيلول/سبتمبر، ما يعني أن التكاليف ارتفعت بنسبة وصلت إلى 19 بالمئة، خلال ثلاثة أشهر فقط“.

الجدير ذكره، أنه مع حلول العام الجديد 2022، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في سوريا سواء الخضروات والفواكه، أو المواد التموينية أو اللحوم أو غيرها. ويبدو أن العام الجديد جلَب معه العديد من التغييرات في الاقتصاد السوري، ويمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى نتائج غير متوقعة على العائلات السورية، خصوصا وأن أغلبها بات يُصنّف ضمن الطبقة الفقيرة.

لا يبدو أن حكومة دمشق قادرة على ضبط أسعار السلع الغذائية بالتحديد، فقد فشلت جميع الآليات التي أقرّتها منذ بداية العام الجاري لضبط الأسعار، فضلا عن فشلها في فرض الأسعار الواردة في نشراتها الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط