مثل سارة فلاح، ستواجه الكثير من الفتيات والنساء العراقيات اللاتي يغطين وجوههن ويتوشحن بالسواد، لحظة الدخول لمعامل “الطابوق” في ناحية النهروان شرق العاصمة بغداد، وهن يجسدن لوحة من المعاناة والانتهاكات.
حيث تضطر سارة ابنة الثلاثة عقود ونيف، ومثلها المئات للعمل في “مهنة الموت” كما يصفنها، لتوفير متطلبات الحياة، بيد أنهن غالبا ما يصرفنَ ما يحصلنَ عليه من أجور للعلاج على مضاعفات العمل الشاق مما يتسبب به من أمراض وتداعيات صحية.
النساء والفتات هن جزء من عوائل بأكملها انحنت ظهورها بمقتبل الأعمار في العمل بمعامل “الطابوق”، التي علاوة على مشقة العمل فيها لا يحسن مسؤوليها التعامل معهن، كما تقول فلاح في حديث لموقع “الحل نت“.
تضيف أيضا، أن “مصاعب الحياة أجبرتها على العمل في هذه المهنة، التي لا توفر أدنى مستوى من الظروف الآمنة، بعد أن قُتل زوجها في أحداث الاقتتال الطائفي التي اجتاحت البلاد عامي 2005-2007”.
كما تؤكد أن “عملها تُسبب لها بأضرار صحية بالغة“، حيث تعاني من نوبات الربو الذي أصابها نتيجة ما تتسبب به المعامل من انبعاثات سامة، إضافة إلى الأجواء البيئة السيئة التي تحيط بالمعامل التي يفرض تواجدها في أعماق أراض ترابية.

اقرأ/ي أيضا: “عايف روحي هناك”.. هجرة سكان الجنوب العراقي إلى إقليم كردستان تتزايد
معاناة وتميز بمعامل “الطابوق” في العراق
سارة تقول، إنه “على الرغم مما نحاول فعله من تجنب لتلك الظروف، من تغطية وجوهنا بالأوشحة، لكننا في الواقع نستنشق السموم طوال 12 ساعة من العمل، وهو ما انتهى في الغالب بالعاملينَ في معامل الطابوق إلى مرضى مزمنين“.
هناك في معامل “الطابوق”، إلى جانب سارة يمكن ملاحظة الفتيات القاصرات أيضا، اللاتي تعملن مع أمهاتهن وأباءهن، وسط صيحات ونهرات المشرفينَ على العمل، الذي لا يراعون طفولتهن أو قلوب ذويهن.
بحسب سارة التي تعمل منذ 7 أعوام في معامل “الطابوق”، فأنه “مع كل ما تواجهه النساء من مصاعب في العمل، وقيامهن بالواجبات الأكثر صعوبة داخل المعامل، والتي تتمثل بنقل الطابوق وفرزه وترتيبه، غير أن الرجال يتقاضون أجور أعلى منهن“.
بينما لا يتجاوز أجر الفتيات اللواتي يعملن منذ الساعة الثانية عشر صباحا وحتى الثانية عشر مساء بمعدل تحميل نحو 1000 طابوقة يوميا، 75 ألف دينارا عراقيا في الأسبوع، في حين لا يجدن مسكن مريحا بعد ذلك، إذ يجبرن على السكن في محيطات المعامل التي تلوث كل ما حولها.
ولا تقتصر معانتهن على ذلك الحد فحسب، بل يفتقدن النساء العاملات إلى رعاية حكومية، إذ تبيّن سارة في حديثها أنها ورغم المراجعات الكثيرة التي حاولت من خلالها الحصول على راتب رعاية اجتماعية أو أرامل لكنها لم تنجح، ومثلها الكثيرات.
بالمقابل، يلجأ بعض أصحاب معامل “الطابوق” إلى استخدام النساء بخاصة اللاتي يفتقدن لمعيل، لغرض تقديم أجور زهيدة مقابل خدمات شاقة، وهو ما يساهم بتقليل تكاليف الإنتاج والمحافظة على الأسعار التنافسية وضمان الحصول على أكبر عائد ممكن.

- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
معامل “الطابوق” واضطهاد العاملين
كما يتجنب أصحاب المعامل، دفع الضمانات الصحية والاجتماعية، فضلا عن تسجيل العاملين في لدى الجهات المسؤولية والتي معنية بحمايتهم القانونية وتضمن التنصل عن مسؤولياتهم.
وعن آثار هذه الظروف الصعبة في العمل على العاملين، يؤكد مختصين بمجال علم النفس الاجتماعي، أن هناك خطر الإصابة بالعديد من الأمراض النفسية والاجتماعية للأسر وأطفالهم العاملين في معامل “الطابوق”، أو في الأماكن التي تضم هكذا أجواء قاسية.
إذ أن معيشتهم في بيئة غير صحية اجتماعيا، وارد جدا أن تتسبب بالأمراض النفسية التي تؤثر على التركيبة الشخصية لهم وتصنع منهم المجرم والمدمن واللص، فضلا عنما يشعرون به من دونية تعامل الآخرين معهم وبفقدان حقوقهم، خاصة حق العيش الكريم والدراسة.
معامل الطابوق هي المخصصة لصناعة الطوب داخل أفران خاصة، ومادته الأساسية هي الطين الثقيل، يكون شكله إمامربعا بحجم كبير أو مستطيلا بحجم صغير يستخدم في البناء، ويكون بأنواع مختلفة حسب درجة الحرارة التي يحرق.
ووفق لقانون العمل 71 لسنة 1978، تخالف سياسة أصحاب معامل “الطابوق” المادة 81 التي تنص على أنه ﻻ ﻳﺠﻮز ﺗﺸﻐﻴﻞ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ الأﻋﻤاﻞ اﻟﺸﺎﻗﺔ أو اﻟﻀﺎرة ﺑﺎﻟﺼﺤﺔ، كما أن اﻟﻤﺎدة 82 تنص أنه ﻻ يجوز ﺗﺸﻐﻴﻞ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﺤﻮاﻣﻞ بأعمال إضافية، مما قد ﺗﺆدي إلى الإﺿﺮار ﺑﺼﺤﺔ اﻟﻤرأة أو حملها.
إلا أن هذه القوانين لا تنفذ في البلاد الزاخرة بالخيرات، رغم أن الكثير من المنظمات غير الحكومية قد أقامت العديد من البرامج المناهضة لهذه الظاهرة، مطالبة بوضع قوانين أخرى تعنى بقضايا العمالة والتسول.
اقرأ/ي أيضا: “رغبة القتال أكبر من الاستقرار“.. النزاعات العشائرية تربك المشهد بجنوب العراق

