هجرة الأطباء في سوريا مستمرة.. الغربة جَنّة بعد الفقر!

هجرة الأطباء في سوريا مستمرة.. الغربة جَنّة بعد الفقر!
أستمع للمادة

“بالتأكيد انتظر التخرّج للسفر إلى خارج البلاد“، يقول علاء الأحمد، (اسم مستعار لطالب يدرس في كلية الطب بجامعة دمشق)، مؤكدا أن مستقبل الطبيب في سوريا لا يمكن أن يؤمن حياة كريمة لعائلة، لا سيما وأن الحكومة تجبر خريجي الطب على خدمة الدولة لمدة 10 سنوات.

تفاقم ظاهرة هجرة الأطباء

تتفاقم ظاهرة هجرة الأطباء السوريين من البلاد، حيث فشلت جميع الإجراءات الحكومية بالحد من هذه الظاهرة، في ظل انخفاض الرواتب، وعدم تقديم الدعم اللازم للكوادر الطبية، التي غالبا ما تبحث عن أي فرصة للهجرة.

الأحمد قال في حديثه لـ“الحل نت“، “لا مستقبل للطبيب هنا، كنت أعلم من البداية أن مشواري في الطب سينتهي في سوريا، بمجرد حصولي على الشهادة، حياة الطبيب هنا عبارة عن استعباد، أنت تدرس الطب مدة 10 سنوات، ومجبر على العمل في مشافي الدولة للمدة نفسها، وبراتب لا يتجاوز 200 ألف في أحسن الأحوال“.

لكن الأحمد أكد أن سفره خارج البلاد يواجه عدة صعوبات، ليس أبرزها الحصول على فيزا أجنبية، فخريجي الطب ملزمين على الخدمة في مؤسسات الدولة الطبية، ولا يحصلون على شهادة التخرج وكشف العلامات خلال هذه المدة.

حول ذلك أضاف، “هذه صعوبة أخرى تواجه الطبيب في سوريا، سأحاول البحث عن واسطة للحصول على كشف العلامات، لا يمكنني العمل هنا كطبيب، من غير المعقول أنني أدرس لمدة 10 سنوات للحصول على هذا الراتب، عداك عن البيئة غير الآمنة وغير المريحة التي يعمل بها الطبيب في سوريا، بالتأكيد السفر لأي دولة أفضل من البقاء هنا“.

بسبب الأوضاع التي يعيشها القطاع الطبي في سوريا، انخفض الإقبال على التسجيل في كليات الطب السورية، بعد أن كانت كليات الطب من أكثر الأماكن إقبالا قبل عام 2011، وكان الحصول على مقعد في كلية الطب بمثابة حلم لكل طالب سوري.

صحيفة “الوطن” المحلية، أكدت إن إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فتح باب التقدم إلى مفاضلة ملء الشواغر لمفاضلة فرز طلاب السنة التحضيرية 2021/2022، للقبول في كليات الطب البشري، دلّ على أن عدداً قليلا من الطلاب سجلوا هذه الرغبة في بطاقة المفاضلة، وبالتالي لم تكتمل نسبة الـ 50 في المئة التي خصصتها الوزارة لكلية الطب البشري من عدد طلاب السنة التحضيرية سواء الناجحين أو المترفعين الراسبين.

مصدر “أكاديمي” نفى للصحيفة المحلية، أي تعديل على نص المرسوم الخاص بطلاب الطب البشري (ملتزم)، مؤكدا أنه كان واضحا ويخدم العملية التعليمية خلال السنوات القادمة، مشيرا إلى أن الطالب الذي يدرس 10 سنوات عليه الالتزام بمثلها في خدمة الدولة.

تقرير “الوطن” أشار إلى ارتفاع نسبة التسرب من خريجي الطب البشري، إذ يتم تخريج أكثر من 1000 طالب وطالبة في جامعة دمشق، نسبة ما بين 30 لـ 40 بالمئة منهم إلى خارج البلاد.

الطبيب مصطفى الفيصل، وهو طبيب سوري جراح (45 عاما) يعمل حاليا في مصر، أكد أنه خرج من سوريا عام 2015، بعد أن ساءت أحوال القطاع الطبي في سوريا، ولم يعد يستطيع إكمال عمله في البلاد.

الفيصل قال في حديثه لـ “الحل نت“، “خيارات الطبيب أصبحت محدودة جدا في سوريا، هو ملزم بدراسة 10 سنوات، وبعدها لديه الخدمة العسكرية، والخدمة في مشافي الدولة برواتب زهيدة، أعلم في المهنة منذ العام 2009، لكنني قررت الخروج من سوريا عام 2013”.

قد يهمك: تكلفتها تحتاج راتب“.. تزايد معاناة المواطنين مع قطاع الاتصالات في سوريا

الفيصل رأى أن قراره كان صائبا بالهجرة، وأضاف “صحيح أنني في الغربة، لكن في الوطن لم أكن لأحقق شيء لنفسي ولعائلتي، الوضع الآن ازداد سوء، وأسمع ذلك من زملائي الذين بقوا في البلاد، ومعظم الأطباء يبحثون عن أي فرصة للخروج والهجرة“.

الدكتور فيصل تابع، “منذ خروجي أعمل في عيادة خاصة، بعد أن عملت عدة سنوات في بعض المشافي، على الأقل أشعر بالاستقرار المادي والمعنوي، الآن لدي حياة مستقرة إلى حدّ كبير هنا، لا أظن أن الأوضاع تسمح لي بالعودة قريبا“.

هجرة الأطباء تسببت بمزيد من الانهيار القطاع الصحي، ورغم أن الأطباء لا يحصلون على أجور ترقى لمتوسط أجور الأطباء، إلا أن انهيار العملة المحلية، جعل من كشفيات الأطباء الحالية قضية شائكة يصعب على المرضى مواجهتها

الارتفاع في أسعار الطبابة في سوريا، دفع شريحة واسعة من المجتمع للتوجه إلى مراكز العطارة الشعبية، وهي مراكز كانت قد اندثرت بشكل كبير في وقت سابق، لكنها عادت مؤخرا، ويعتمد عليها أصحاب الدخل المحدود في البلاد.

بدورها أشارت مصادر طبية، إلى أن التوجه إلى طب الأعشاب القديم، قد يكون له آثار سلبية على المريض في بعض الأحيان، خاصة أن العاملين بهذا المجال لا يمتلكون الخبرة الطبية الكافية، لوصف الأدوية المناسبة لكل مريض.

تضييق مشافي الحكومة

تقارير إعلامية تحدثت من معاناة الكوادر الطبية، لا سيما العاملين في قطاع المشافي الحكومية، ففضلا عن ضعف الرواتب، يعاني الأطباء من ضغط كبير في العمل والمناوبات، والتي تصل في بعض المشافي إلى أربع أو خمس مرات أسبوعيا، ما يعني أن الطبيب محروم من ممارسة أي عمل آخر.

عشرات الأطباء المقيمين في المشافي، اشتكوا إلزامهم من قبل إدارات المشافي، بالعمل لأيام متواصلة، وسط ظروف سيئة تعيشها الكوادر الطبية في المشافي، فضلا عن ضعف الدخل والرواتب.

الطبيب السوري عمرو الخطيب، أكد في تصريحات صحيفة سابقة، إن الأطباء المقيمين في المشافي بدمشق، يعيشون ظروفا قاسية خلال إقامتهم في المشافي لأيام متتالية، وذلك في ظل غياب المستلزمات الأساسية للطبيب المقيم، وأبرزها مكانا للإقامة والنوم.

الهجرة وصلت للممرضين

القطاع الطبي يشهد حالة من النزيف للكوادر الطبية، حيث هاجر نحو 50 ألف طبيب، من أصل 70 ألف، كانوا موجودين في سوريا، بحسب ما أكد نقيب الأطباء السابق كمال عامر، في شباط/فبراير من العام 2021.

مسؤول السلامة المهنية في مشفى “الباسل” بدمشق، سعد الدين الكردي، أكد أن الهجرة في القطاع الطبي، طالت مؤخرا الممرضين، إلى بلدان أخرى كالعراق ولبنان، لافتا إلى أن بعض المشافي فقدت ما يقارب 50 بالمئة، من موظفيها خلال العشر سنوات الماضية.

الكردي، أوضح في تصريحات سابقة، أن “الكوادر الطبية لا تحصل على الأجور والتعويضات اللازمة“، ما دفع العاملين في القطاع الطبي إلى البحث عن أي فرصة للهجرة والعمل في دول أخرى. ونتيجة لهجرة الممرضين لفت الكردي، إلى أن بعض المشافي شهدت تأدية المستخدمين، أو أشخاص غير مؤهلين ليقوموا بعمل الممرضين بسبب النقص، وحول أجور الممرضين اعتبر، أن “الممرض عليه أن يعمل ثلاثة أيام حتى يشتري وجبة طعام“.

دول مختلفة تجذب الأطباء السوريين

تقرير سابق لموقع “الحل نت“، أشار إلى أن ليبيا دخلت أيضا على خط استجرار عمالة التمريض والكوادر الفنية في الآونة الأخيرة، بعد العراق، حيث أن دول الخليج التي تشترط تعديل الشهادات للممرضين وتحتاج دوله إلى إتقان الإنكليزية، بخلاف العراق وليبيا اللتين تعترفان بالشهادة السورية.

ولفت التقرير، إلى أن تدفق كبير للأطباء في الآونة الأخيرة لأطباء التوليد من الخريجين الجدد، وتُعتبر الصومال وليبيا والعراق واليمن أبرز وجهاتهم، حيث يتراوح راتب الطبيب منهم بين 2000 – 3000 دولار شهريا، بينما تتراوح رواتب التخصصات النادرة كجراحي الصدر والعظام والعمود الفقري، وأطفال الأنبوب ما بين 20 – 30 ألف دولار شهريا.

التقرير بيّن، أن هناك 300 طبيب سوري في الصومال، مقابل حوالي 1000 طبيب في العراق، وهو عدد ليس بالقليل، رغم أنه لا يؤثر على العمل الطبي في بعض التخصصات داخل سوريا، لكنه يؤثر في تخصصات أمراض الأوعية الدموية والصدر والجهاز العصبي والرئوي، بينما محافظة حلب لديها ثلاثة أطباء صدرية فقط ونفس العدد من جراحي الأوعية الدموية، وهو عدد ضئيل للغاية.

لا يبدو أن الحكومة السورية، قادرة على المحافظة على ما تبقى من الكوادر الطبية، لا سيما مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فما زال الأطباء المتبقيين يبحثون عن فُرص للهجرة، وفي الوقت نفسه تنعكس هذه الهجرة على السوريين الذين يعانون في حالات المرض والحاجة للعلاج خاصة مع انتشار العديد من الأمراض والأوبئة، ومنها مؤخرا الكوليرا.

قد يهمك: “مازوت ما في والشتا قاسي“.. مدافئ غريبة تنتشر في الأسواق السورية

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط