مستقبل حركة “حماس” بعد علاقاتها مع دمشق.. بوابة نحو موسكو؟

مستقبل حركة “حماس” بعد علاقاتها مع دمشق.. بوابة نحو موسكو؟
أستمع للمادة

لا تزال مساعي “حماس” في ضبط بوصلتها السياسية واستعادة علاقاتها مع دمشق تلقي بظلالها على المشهد السياسي، وذلك ضمن التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى المنطقة والإقليم، فهل تسعى “حماس” بعد أن استعادت علاقاتها بدمشق إلى كسر عزلتها السياسية، وهل ستفتح تطبيع علاقات “حماس” مع دمشق، بوابة العلاقات مع موسكو على مصراعيها.

إلى جانب ذلك ما هو هدف “حماس” السياسي الإستراتيجي من استعادة العلاقات مع دمشق، هل يأتي بسبب إحالة الضغط السياسي التي فرضتها العديد من الدول العربية عليها وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات على الحركة.

قد يهمك: “حماس” تُعيد علاقاتها مع دمشق رسمياً.. ما الذي يحصل؟

على ما يبدو فإنّ “حماس” أدركت أنّ الحسابات السياسية القديمة إذا ما بقيت على وضعها القائم، فإنّه لن يكون بمقدور الحركة التحرك في مساحات جديدة، وأنّها ستبقى أسيرة لمصالح وحسابات دول ربما لا تعتبر القضية الفلسطينية أحد أولوياتها، وبالتالي عمدت الحركة إلى التفكير من هذا الأفق إلى أفق أوسع، وهذا متمثل في استعادة علاقاتها مع دمشق.

علاقات في الإطار المصلحي

من المعروف أنّه في العلاقات السياسية والدبلوماسية، ليس هناك ثوابت حقيقية يمكن السير عليها أو التكهن بها، فهي تدخل في الإطار المصلحي أكثر منه في أي بعد آخر لكل طرف أو جهة، وهذا ما ينطبق تماما على العلاقات بين “حماس” ودمشق.

تلك الرؤية يؤكدّ عليها الناطق باسم حركة “حماس” عبد اللطيف القانوع، في حديث خاص لـ “الحل نت”، حيث يرى بأنّ “عودة العلاقة مع الحكومة السورية ليست على حساب أحد، وإنّما تأتي في إطار ترسيخ العلاقة وتمتينها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، سيما أنّ سوريا تحدّ أراضينا المحتلة شمالا، وهو ما يتطلب علاقة راسخة وقوية” بحسب تعبيره.

في إطار توضيحه لطبيعة علاقات الحركة، يقول القانوع إنّ “علاقة الحركة تقف على مسافة واحدة من الجميع، فالحركة تقترب من أي دولة، بمدى قربها من قضيتنا ودعمها للشعب الفلسطيني وحقوقه. وفد من الحركة زار موسكو والجزائر وسوريا ولبنان وكلها تصبّ في هذا الإطار”.

“نطمح لعلاقات عربية وإسلامية أوسع، لتعزيز أكبر حشد عربي وإسلامي لدعم قضيتنا ومقاومتنا على أرض فلسطين، وبالفعل نطمح لتوسيع العلاقة مع النظام الروسي بما يخدم وينصف شعبنا ولا ضير في ذلك، وموقف روسيا داعم لقضيتنا، وجاهزون لفتح أي علاقة أو تطويرها أو ترسيخها بما يحقق أهداف شعبنا” وفق القانوع.

في ظل حالة الخصام بين دمشق وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، إلا أنّ العلاقات بين حركة “حماس” ودمشق ظلت تتسارع وتيرتها رغم الإيدلوجية “الإخوانية” للحركة بل وصلت إلى ذروتها قبل انطلاق الأحداث السورية، وقد وفرت تلك العلاقة ملاذا آمنا لقيادات ورموز الحركة بكافة مواقعهم ومستوياتهم.

لم تقتصر تلك العلاقات على الإطار الدبلوماسي أو السياسي، بل وصلت لحد الدعم والتبني من قبل حكومة دمشق على المستوى اللوجيستي والعسكري والأمني، ودخلت في إطار التعاون والتحالف المشترك مع وجود حالة التباين الواضح بين الحركة وجماعة الإخوان المسلمين الرافضة للعلاقة مع دمشق. لكن بعد بداية الأحداث السورية وتحديدا في نهاية عام 2011، وصلت هذه العلاقة إلى حالة من التوتر والقطيعة على خلفية موقف الحركة أو الموقف السلبي-الإيجابي من الأزمة السورية.

تطبيع العلاقات مع دمشق بوابة لموسكو

ما تشهده المنطقة من إعادة تشكل في المشهد السياسي على كافة المستويات الدولية والإقليمية وذلك ضمن أطر واتجاهات باتت واضحة وهما، تشكل محورين أساسيين مرتبطين بقوتين عظمتين يمثلها بشكل واضح معسكر غربي بزعامة الولايات المتحدة، ومعسكر شرقي تتزعمه روسيا بدعم من الصين وقوى إقليمية.

هنا يؤكدّ المحلل والخبير السياسي رضوان قاسم في حديثه لـ”الحل نت”، أنّ الزيارة التي قام بها رموز من حركة “حماس” إلى موسكو قبل حوالي شهر، كان ناتج عن إعادة النظر وإعادة القراءة السياسية في المنطقة وفي الشرق الأوسط بل في العالم، وبدأت تشعر “حماس” أنّها أمام متغير كبير جدا في العالم، وأنّ العالم يذهب إلى عالم متعدد الأقطاب تقوده روسيا والصين والعديد من دول المنطقة مثل إيران، وبالتأكيد سيكون لسوريا دور مهم جدا في المستقبل.

لهذا السبب سيكون لسوريا أيضا دور في أن تكون أبواب موسكو مفتوحة لقادة الفصائل الفلسطينية وعلى رأسهم حركة “حماس”، وهذا ما يؤكدّ عليه قاسم، لأنّ العلاقات الروسية-السورية هي في أفضل حال وأنّ موسكو ودمشق دولتان مكملتان لبعضهما البعض في مواجهة المشروع الأميركي-الإسرائيلي في المنطقة، وخاصة بعد توتر العلاقات ما بين إسرائيل وروسيا في مواقف تل أبيب تجاه الحرب الروسية على أوكرانيا، فكانت المواقف الإسرائيلية عبر وقوفها إلى جانب أوكرانيا في وجه روسيا.

 هذا يعني أنّ حركة “حماس” تستطيع أن تستفيد من هذه الحالة المتوترة ما بين روسيا وإسرائيل، وأن تستثمر هذا الأمر وتكون على علاقة مميزة مع موسكو، لكن بالتأكيد بمباركة ودعم من دمشق باعتبارها لها حظوة كبيرة عند روسيا، فهي أحد حلفائها المهمين في الشرق الأوسط، لهذا سيكون لسوريا دور فعّال في هذه المصالحة التي حصلت بين “حماس” وسوريا، وسيكون له دور فعال في علاقات “حماس” والفصائل الفلسطينية مع موسكو.

السفير الأردني الأسبق لدى إيران بسام العموش، يذهب إلى رؤية مخالفة لما ذهب إليه المحلل السياسي رضوان قاسم، معتبرا بأنّ “حماس” حركة مقاومة فلسطينية تعلن أنّها لا تتدخل في شؤون الأقطار وتريد أن تكون علاقتها مع جميع الدول حسنة حتى تسهل حركتها. “حماس” كانت موجودة في دمشق وكانت في محور الممانعة كما تقول دمشق.

لكن عندما بدأت الأحداث في سوريا انسحبت “حماس” حتى لا تكون شريك فيما يجري في شأن داخلي، ومن هنا فإنّ الحركة قدرت أمرها في عودتها إلى العلاقة مع دمشق ليس لكسر عزلتها بحسب رؤية العموش، فـ”حماس” ليست دولة حتى يكون لها سفارات وعلاقات وتبادل تجاري، فهي تسعى إلى من يدعمها سواء كان سياسيا إعلاميا أو عسكريا، ولم تجد اليوم إلا إيران ومحوره المسمى بـ”محور المقاومة” التي لها أهدافها الخاصة والمشبوهة في المنطقة.

 العموش خلال حديثه لـ”الحل نت” يقول بأنّ “حماس” لا تريد من العلاقة مع سوريا أن تصل بها إلى روسيا، لأنّها ذهبت إلى موسكو في وقت سابق، وذهب خالد مشعل إلى الكرملين، وموسكو بحاجة إلى كل من يزورها. الحركة تقيم علاقة مع إيران رغم الخلاف مع إيران على بحر قزوين، وتقيم العلاقة مع الصين ومع أي جهة، وهذا ما تترجم مؤخرا عبر الغزل الروسي-السعودي.

لكنّ العموش يبقى متسائلا في حديثه بالقول “حماس” ماذا ستقدم إلا من الناحية السياسية والإعلامية في علاقتها مع روسيا، فهي لا تعيش في عزلة، وفيما يتعلق الأمر بمسألة الدول التي تمارس ضغوطاتها على “حماس”، يؤكدّ العموش أنّ سبب ذلك كونها مصنفة على أنّها حركة “إخوانية”، رغم أنّها حركة تعلن أنّها لا تتدخل بالشأن المصري، في ظل العلاقة السيئة بين النظام المصري وجماعة “الإخوان”، والعلاقة السيئة بين الجماعة وبعض دول الخليج ومنها السعودية والإمارات، إلا أنّ الحركة نأت عن أن تقحم نفسها في هذه الصراعات.

في عالم السياسة لا يوجد هناك ثوابت وإنّما هي عبارة عن متغيرات مستمرة، فـ”حماس” هدفها الإستراتيجي هو تحرير فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي وعدم رفع راية الاستسلام إذا تحولت إلى غير ذلك فستكون مثل حركة فتح، لكن هذا مستبعد، بحسب العموش، لأنّ حركة “فتح” نشأت على أطر مقاومة بدون جذور أيديلوجية دينية، بخلاف “حماس” التي انطلقت من جذور دينية واعتبرت أرض فلسطين أرض وقف إسلامي، وبالتالي إذا هي تخلت عن ذلك فهي تكون قد تغيرت وهذا مستبعد، فهدفها الإستراتيجي تحرير فلسطين، ومن هنا لن تتحول إلى حزب سياسي بحت.

أي علاقة أو تحرك سياسي له ضريبة و”حماس” قدرت الأمر في استعادة علاقتها مع دمشق، وفق العموش، وهناك ثمن ستدفعه ممثلا بغضب الكثيرين في العالم العربي، وعلى رأسهم شريحة كبيرة من الشعب السوري، لكن في النهاية هي من تقدر أرباحها وخسائرها.     

“حماس” وضعت في خانة “اليك السياسي”

حركة “حماس” أدركت متأخرا أنّه تمّ وضعها في خانة “اليك السياسي” وتمّ تجريدها من عمقها العربي وتحديدا من العمق السوري، وبالتالي بعد “عشرية النار” وفشل الدول العربية وتحديدا قطر والسعودية والإمارات والأطراف الأخرى التي كانت داعمة للشارع السوري المعارض، من إسقاط النسق السياسي السوري، أدركت حركة “حماس” أنّه في كل الحروب التي خاضتها أثناء “عشرية النار” أنّه لن يدعمها رغم مغادرتها الأراضي السورية منذ بداية الأزمة، إلا الحكومة السورية التي كانت تدعمها على المستوى السياسي والعسكري، حيث كانت تُعد الحركة من أوثق الحلفاء الفلسطينيين لها، وجعلت من دمشق مقرا لها في الخارج طوال سنوات، قبل أن توتّر العلاقات تدريجيا بين الطرفين إثر اندلاع النزاع في سوريا، ويغادر رموز الحركة وعلى رأسهم رئيس مكتبها السياسي السابق في الخارج خالد مشعل دمشق في شباط/فبراير 2012. وأغلقت الحركة كافة مكاتبها وأوقفت أنشطتها فيها.

هذا ما يذهب إليه المحلل السياسي محمد الروسان، الذي يكشف لـ”الحل نت” أنّ الذي رتب إعادة العلاقات بين حركة “حماس” ودمشق هو “حزب الله” و”الحرس الثوري” الإيراني، والزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية إلى لبنان قبل عدة أشهر، ومن ثمّ إلى موسكو، كانت تصبّ لاستعادة العلاقات مع دمشق.

حركة “حماس” في علاقاتها مع دمشق بحسب رؤية الروسان، بعيدة إلى حد كبير عن نسق العلاقات الطبيعة مع دمشق، حيث أنّ الأمر ليس كما وصفه عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” خليل الحية، من أنّ لقاء الفصائل الفلسطينية بالرئيس السوري بشار الأسد، كان تاريخيا وإيجابيا ومجيدا، حيث يعتبر المحلل السياسي محمد الروسان أنّ تلك العلاقات لن تنتهي بفتح مكتب رسمي لـ”حماس”، وإنّما مجرد مكتب إداري والأمور تحتاج إلى وقت. أنّ استعادة دمشق لعلاقتها مع “حماس” سيشكل رصيد له وورقة أخرى مساومة للنظام السياسي السوري، عبر ترتيب معادلات المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا.

اقرأ أيضا: عقود إيرانية كبيرة في الاقتصاد السوري.. هل أحكمت طهران قبضتها؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير