“كسر عظم” قبل دخول الشتاء.. أجور النقل في سوريا تحتكم للأهواء

“كسر عظم” قبل دخول الشتاء.. أجور النقل في سوريا تحتكم للأهواء
أستمع للمادة

“صار الواحد بدو يركب عداد مشان يشوف كم كلفتو الرحلة”، في الوقت الذي يشكو فيه محمد النميري القاطن في العاصمة دمشق من انهيار كامل للخدمات، إلا إن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود أضافت عبئاً آخر على كاهله خصوصا وأنه يضطر أسبوعيا بعد انتهاء دوامه الجامعي السفر من مكان إقامته إلى بيته في حمص.

على الرغم من الأزمات الواسعة النطاق التي ابتليت بها سوريا، فقد انخفضت أسعار الوقود في الأيام الأخيرة، ولكن هذا لم يكن كافيا لإرضاء السكان المحليين، حيث كانت أسعار النقل الداخلي في عموم المحافظات قد ارتفعت في الآونة الأخيرة بسبب الارتفاع المستمر في أسعار البنزين.

أصحاب حافلات النقل أو ما يُطلق عليها بالعامية “البولمانات”، ألقوا باللوم على سياسات الحكومة في تسعيرة وصرف البنزين، ونظرا لازدياد تعقيدات الوضع المعيشي وكثرة ضروريات الحياة، فلا غرابة في أن تقرر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا، تعرفة غير معتادة على أجور حافلات النقل، والذي بدوره شكّل همّا جديدا لأن الأجور باتت تفوق قدرة السكان.

عثْرة المواصلات تسدّ الطريق

“قرارات زيادة الأسعار ما عم تطلع غير بالليل، يعني نستنتج أن المسؤولين يسهرون ليلا وينامون نهارا، كيف أنا بدي استقبل هيك قرار والمفترض اليوم سافر على بيتي بحمص، يعني صار بدي أهلي يبعثوا حوالة جديدة بس مشان أرجع عالبيت، وبس أوصل بدي أفكر أرجع عالجامعة ولا أترك الجامعة”، هكذا يشرح النميري لـ “الحل نت”، الصورة العامة لدى أغلب السوريين بعد استقبالهم قرار رفع أجور النقل والذي بدوره أثار أيضا جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.

قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، والذي أعلن عنه ليل الثلاثاء لكن تداوله في الصحف الرسمية كان عشية الأربعاء نظرا لتخبطها في صحته من عدمه، نص على زيادة تعرفة أجور حافلات النقل “البولمـانات”، حيث حددت درجة رجال أعـمال 30 راكب بـ 35.40 ليرة لكل كيلو متر، والبولمان العادي 45 راكب بـ 30 ليرة لكل كيلومتر بعد أن كانت 22 ليرة لكل كيلو متر. وبهذا ارتفعت أجور النقل حوالي 1500ليرة لكل 100 كيلو متر.

الوزارة من جهتها، بررت رفع السعر بـ”ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمان الواحد سنويا، من ارتفاع الزيوت المعدنية وأجور الصيانة والإصلاح وقطع الغيار والرواتب والأجور، ورسم المازوت وعدم تأمين المازوت بالسعر الرسمي”، وغيرها من التكاليف.

في سوريا الطلاب الجامعين والعسكريين ممن يؤدون الخدمة الإلزامية، هم أكثر الفئات التي تضررت من القرار، نظرا لحاجتهم للتنقل بين المحافظات السورية.

النميري يصف تنقله الأسبوعي إلى منزله بأنه محنة طويلة، والآن أصبحت أطول وأغلى سعرا، خصوصا مع تعثر وسائل النقل في العاصمة، “كل أسبوع أواجه مشكلة جديدة فيما يتعلق بكيفية حجز تذكرة للعودة، تستغرق الرحلة وحدها خمس ساعات غير الانتظار، أضف إلى ذلك صعوبة العثور على وسيلة نقل، لأن معظم البولمانات بلا بنزين، وإذا كنت أرغب في ركوب درجة رجال الأعمال، يجب أن أدفع 7 آلاف ليرة، وهذا يعني أنني سأدفع مقابل الذهاب والعودة إلى الجامعة، ما يتقاضاه أحد أفراد عائلتي من راتب.

دراجات نارية وشاحنات لنقل الركاب

الأزمة بارتفاع أجور المواصلات والنقل العامة، انعكست على حياة الناس متسببة بسخط شعبي واسع، وهو ما يراه البعض تقاعسا من قبل الجهات المعنية، خصوصا السلطات المحلية والجهات الرقابية في المدن الكبرى.

رفع تسعيرة أجور النقل في البولمانات أدى لخلق طرق نقل غير آمنة، منها الدراجات والشاحنات الكبيرة سواء التي تنقل المواشي أو تلك المعنية بنقل المنتجات الزراعية، وفق ما أكده المحامي في القضايا الاقتصادية، عبد الرحمن زين العابدين، خلال حديثه لـ”الحل نت”.

زين العابدين أشار إلى أنه “غالبا ما يكون الخيار الوحيد هو استقلال إحدى هذه الوسائل، كون التسعيرة مزاجية سواء لمكتب السفريات أو حتى للسائق نفسه”، فطبقا لما قاله المحامي، فإن الالتزام بالتسعيرة التي تقرها الوزارة رغم ارتفاعا لا وجود له مطلقا، والمواطن بات أمام خيارات إما الجلوس في البيت أو المشي أو صرف كامل الراتب على المواصلات.

لذلك، باعتقاد زين العابدين، أن مكتب النقل يتعامل مع النقابات في تحديد التسعيرة لكي تكون أكثر نظامية ويلتزم بها الجميع، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين اللجان النقابية وبين مالكي المركبات في آلية العمل أو في النظام الداخلي الذي انعكست بنفسها على المواطنين، معتبرا التسعيرة الجديدة فيها عشوائية وضعف دور الرقابة في هذا الجانب .

ففي الوقت الذي تظل في مشكلة المواصلات وارتفاع قيمتها هاجس يؤرق الجميع، وتفرض قيودا على الكثيرين تجبرهم على عدم القدرة على دفع التكاليف الباهظة للسفر والتنقل، يضطر الآخرون في الركوب بأي وسيلة حتى لو كان الثمن هو السلامة الشخصية، نظرا للحاجة الملحة.

كم ارتفعت أجور النقل بالبولمان خلال عامين؟

في مايو/أيار الفائت، ألغى وزير التجارة الداخلية، عمرو سالم، تعميما صادرا عن وزارته، برفع أجور البولمان للنقل بين المحافظات بعد يوم واحد فقط على التعميم، ومن دون أي توضيحات سواء لناحية الرفع أو الإلغاء، ليخرج مصدر في التجارة الداخلية، ويقول إن القرار أُلغي “مراعاة للظروف المعيشية للمواطنين”.

وبعيدا عن موضوع القرارات وإلغائها، الذي شاع مؤخرا لدى المسؤولين في سوريا، فإن عبارة “مراعاة لوضع المواطن المعيشي”، لا تبدو منطقية في ظل الارتفاعات المتتالية على أجور النقل بين المحافظات، حيث بدأ سيناريو رفع أجور النقل عبر البولمان بين المحافظات، شهر حزيران/يونيو عام 2020.

على سبيل المثال، ارتفعت أجرة البولمان على خط اللاذقية-دمشق، من 1500 عام 2019 إلى 4000 ليرة للدرجة العادية عام 2020، لتصل اليوم إلى 13.500 ألف ليرة تقريبا، وطرطوس-اللاذقية ارتفعت من 500 ليرة عام 2019 إلى 1000 ليرة عام 2020، لتصبح اليوم في 2022 نحو 3000 ليرة سورية.

أي أن أجور النقل بين المحافظات تضاعفت عدة مرات خلال العامين الفائتين، بالتزامن مع رفع سعر المازوت من 180 ليرة وحتى 500 ليرة لليتر الواحد، أي أنه ارتفع بنحو 3 أضعاف تقريبا، في حين ارتفعت أجور نقل البولمان إلى أكثر من 5 أضعاف.

البحث عن حلول استدراكية

في دراسات رسمية سابقة، اتضح أن فاتورة النقل تستحوذ على ما نسبته 30 إلى 40 بالمئة من موازنة الأسر السورية وإنفاقها، ولذلك من الخطأ رفع أجور النقل العام، ويجب تقديم الدعم من قبل الحكومة للمحافظة على الفئة التي تستخدم وسائط النقل العام، بل ومضاعفتها لما لها من آثار إيجابية على التنمية الاقتصادية.

من جملة الحلول التي اقترحها زين العابدين، هي إلزام وسائط النقل عموما سواء داخل المدن أو خارجها بالعمل على البطاقة الذكية، لأن ذلك يعزز مبدأ الرقابة ويخفف من تلاعب مالكيها بالأسعار. أما الحل الثاني بنظره فهو تجزئة أجور المواصلات، حيث لا يضطر الراكب دفع أجرة رحلة كاملة، مقابل أن يقطع نصف المسافة.

أما حول أصحاب شركات النقل، فيقترح المحامي، أن تخصص لهم الحكومة تعويضا للخسائر التي يتكبدونها من الوقوف في طوابير طويلة في محطات الوقود، وأيضا تحديد الأسعار الخاصة بهم.

الجدير ذكره، أنه قبل نحو شهرين، رفعت الحكومة السورية سعر البنزين المدعوم بنسبة 130 بالمئة، وهذا ما خلق تخبطا وفوضى واضحة على تسعيرة التكاسي، إذ قال سائقو سيارات الأجرة في العاصمة دمشق، إن ارتفاع سعر البنزين المدعوم، مؤخرا قد بلغ “دبل ونصف” عن سعره السابق البالغ 1100 ليرة سورية، موضحين أن وصول سعر البنزين المدعوم إلى 2500 ليرة، يعني زيادة في تسعيرته في السوق السوداء أيضا فحاليا يباع اللتر بسعر 7000 ليرة سورية، وهذا يعني أن سعره سيرتفع إلى 8500 ليرة وقد يصل إلى 10 آلاف ليرة، بحسب ما أوردته صحيفة “الوطن” المحلية، آنذاك.

إزاء هذا الارتفاع، فقد أصبح الشد والجذب بين السائقين والركاب، واضحا في بازار للوصول إلى اتفاق على أجرة الانتقال من مكان إلى آخر، وأصبح الانتقال مثلا من ساحة الأمويين إلى مشفى الهلال الأحمر يصل لعشرة آلاف ليرة، ومن المرجة إلى ساحة السبع بحرات 5 آلاف ليرة، ومنها إلى باب توما 12 ألفا وإلى جرمانا 20 ألفا، في حين طلب سائقو أجرة من أحد الركاب للوصول من العاصمة إلى صحنايا 50 ألفا وإلى جديدة عرطوز 40 ألفا، ومن كراجات العدوي إلى ساحة المرجة بـ 20 ألف وأحيانا 25 ألف.

الخروج بقرار ينهي أزمة النميري وآلاف الطلبة والعاملين المتنقلين بين المحافظات السورية جل ما يتمنوه، وإلا فإن استمرار ارتفاع الأسعار سيحتم عليهم إما الاستغناء عن أعمالهم ودراستهم، أو الاستمرار على مضض ولكن عبر استقلال وسائل نقل غير آمنة على حياتهم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط