بعد الانسحاب من خيرسون.. ماذا يخطط الجيش الروسي؟

بعد أسابيع فقط من تعهد روسيا بالدفاع عن مدينة خيرسون الأوكرانية باعتبارها أرضا روسية، أثار قرار موسكو سحب القوات الروسية من الضفة اليمنى لنهر دنيبرو في خيرسون علامات استفهام واسعة بشأن نوايا روسيا الحقيقية، لا سيما أن الأمر يتعلق بواحدة من المقاطعات الأربع التي أعلنت روسيا ضمها إليها بقرار لم يعترف به دوليا.

بقرار تتعامل معه كييف بحذر شديد، أمر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، القوات الروسية بالانسحاب إلى الضفة الشرقية لنهر دنيبرو في اجتماع مع القائد الروسي الأعلى في أوكرانيا الجنرال سيرغي سوروفيكين. وقال سوروفيكين، إن القوات ستغادر في الأيام المقبلة وتتخذ مواقع على خط دفاعي جديد تم إعداده على طول الضفة الشرقية للنهر.

الانسحاب الروسي جاء بعد ثمانية أشهر، من الاستيلاء على العاصمة الإقليمية الوحيدة التي كانت مركز سفن سابق، والتي بقيت تحت السيطرة الروسية منذ ذلك الحين، بعد أن اقتحمت القوات الروسية جسر أنتونيفسكي فوق نهر دنيبرو إلى المدينة في آذار/مارس، في واحدة من أكبر النجاحات بالنسبة للقيادة الروسية.

منطقة خيرسون تشكل آخر عنصر حاسم في “الجسر البري” الممتد من البر الرئيسي لروسيا إلى شبه جزيرة القرم، الذي كان بوتين يطمح إليه منذ أن ضمتها موسكو بشكل غير قانوني في عام 2014.

الانسحاب جاء بعد أسابيع من تقدم القوات الأوكرانية من بلدة إلى أخرى، ما أدى إلى محاصرة آلاف الجنود الروس، ليضطر “الكرملين” لإعلان سحب قواته من مدينة خيرسون الأربعاء الماضي.

اقرأ/ي أيضا: الخلافات الألمانية الفرنسية.. تهديد لوحدة “الاتحاد الأوروبي”؟

أهمية خيرسون

 أهمية خيرسون تأتي بشكل كبير من رمزيتها باعتبارها أول عاصمة إقليمية أوكرانية، والوحيدة التي يحتلها الروس، كما أنها المدينة الأقرب إلى القرم، حيث تنتشر قوات احتلال روسية هناك منذ سنوات.

تلك الأهمية ازدادت بعد أن أمر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، قواته بالانسحاب إلى الضفة الشرقية لنهر دنيبرو في اجتماع مع القائد الروسي الأعلى في أوكرانيا الجنرال سيرغي سوروفيكين، وهو ما أثار التكهنات حول القرار الروسي، بخاصة عند الحديث عن مدينة بهذه الأهمية.

سوروفيكين قال، إن القوات ستغادر في الأيام المقبلة وتتخذ مواقع على خط دفاعي جديد تم إعداده على طول الضفة الشرقية للنهر، في حين أعرب مسؤول أوكراني كبير عن حذره إزاء هذه التصريحات، قائلا، إن قوات روسية كبيرة لا تزال في خيرسون.

سيناريو سبقه تقدم القوات الأوكرانية بلدة تلو الأخرى في خيرسون في الأسابيع الأخيرة مستخدمة مدفعية بعيدة المدى لضرب الجسور عبر نهر دنيبرو وعزلت إلى حدّ كبير آلاف الجنود الروس داخل المدينة وحولها.

هذا التراجع الروسي المذل حسبما وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن، ترك الباب مفتوح أمام قراءات عدة، والتي من أبرزها ما ذهب إلى أن الانسحاب الروسي من خيرسون والذي يُعد الثالث من نوعه للقوات الروسية؛ الأول كان من العاصمة الأوكرانية كييف، والثاني من خاركيف، يعكس المشاكل التي تتخبط فيها روسيا، والذي سيكون مكلف جدا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

اقرأ/ي أيضا: لقاء مرتقب بين بايدن والرئيس الصيني.. ما النتائج المتوقعة؟

انسحاب تكتيكي أم هزيمة نكراء؟

إضافة إلى أن الخطوة الروسية ربما حصلت بمعزل عن شيء ما تحضّر له روسيا في المرحلة المقبلة، إذ لا يُعقل الانسحاب من أراض لم يمضي الكثير عن الحديث عن ضمها، لكن قد تكون القيادة الروسية تسعى من وراء تلك الخطوة إلى منع الجيش الأوكراني من التقدم في انتظار تطورات أخرى؛ وهو ما قد يحول من المدينة باب للموقع التفاوضي، وفقا لخبراء عسكريين.

على جانب آخر، تذهب قراءات أخرى إلى أن الخطوة الروسية بالانسحاب من خيرسون، ترتبط بشكل أساسي بهزيمة الجيش الروسي في حربه على أوكرانيا، إذ أن ما يحدث في خيرسون هو بسبب الأحداث الجيوسياسية والهزيمة الاستراتيجية العظيمة للجيش الروسي، بحسب الباحثة في “المركز الأوروبي” التابع لـ “المجلس الأطلسي” ريتشل ريزو.

في حين تشير بعض الترجيحات العسكرية إلى أن روسيا قدمت فرصة للجيش الأوكراني ليتقدم للجانب الأيمن من نهر دنيبرو، وبالتالي يتمكن الجيش الروسي من عمل فخ للقوات الأوكرانية التي كبدته خسائر كبيرة مؤخرا.

من الاحتمالات الواردة أيضا، أن روسيا ستحاول عزل أوكرانيا عن البحر الأسود لمنع وصول المساعدات إليها عن طريق هذا البحر، وهو ما سيعزز موقفها في المفاوضات التي يمكن أن تبدأ بعد ذلك.

مقاطعة خيرسون تقع جنوبي أوكرانيا في موقع إستراتيجي تطل منه على بحري آزوف والأسود، كما تقع قرب مصب نهر دنيبرو، وبالتالي فهي تمثل خط إمداد حيوي. ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليون شخص، وتمتد على مساحة 28 ألفا و500 كيلومتر مربع.

خيرسون وعلاقتها بشبه جزيرة القرم

خيرسون تشكل جسرا بريا لروسيا من أراضيها مرورا بإقليم دونباس إلى شبه جزيرة القرم التي تتصل بها، وتتحكم في معظم مصادر مياه الشرب والزراعة التي تغذي القرم.

وتوجد في منطقة خيرسون قناة مهمة تعود إلى الحقبة السوفيتية، وفّرت لفترة طويلة إمدادات حيوية من المياه العذبة لشبه جزيرة القرم، حسب “واشنطن بوست“.

أوكرانيا منعت ذلك التدفق المائي في عام 2014، مما كلف موسكو مئات الملايين من الدولارات، وكانت إحدى الخطوات الأولى التي اتخذتها روسيا بعد بدء الغزو، هي الاستيلاء على القناة وتجديد تدفق المياه.

بالمقابل، فإن تقييمات الاستخبارات الغربية واثقة إلى حد معقول من أن الروس قرروا في رأيهم، أن مدينة خيرسون لا تستحق القتال من أجلها، في حين أن الحاجز الدفاعي الطبيعي للنهر شديد القيمة بالنسبة لهم، لكن مع أهمية المدينة الاستراتيجية والسياسية، فأن موسكو لا تستطيع التخلي ببساطة عن المدينة في توفير ممر بري آمن إلى شبه جزيرة القرم.

جدير بالذكر أن ما تأكد حتى الآن هو أن القوة العسكرية الثانية في العالم حسب التصنيفات الدولية، أظهرت ضعفا لم يكن متوقعا بشكل تحطمت معه اسطورة الجيش الروسي الذي لا يقهر الذي يجب أن تخافه الدول الأخرى، بيد أن هناك خشية من أن ذلك سيدفع بوتين نحو قرارات مدمرة مثل استفزاز حادث في محطة الطاقة النووية “زابوروجيا” أو اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية.

اقرأ/ي أيضا: الانتخابات النصفية الأميركية وسيناريوهات حسم الأغلبية في “مجلس الشيوخ”

ردود فعل كارثية

النجاح الأوكراني الواضح في خيرسون، هو الأحدث في سلسلة من الانتكاسات لروسيا، وقد يكون الأبرز أيضا بسبب حجم المدينة وأهميتها الاستراتيجية، ومن شأن ذلك أن يعزز أوكرانيا وداعميها الغربيين قبل فصل الشتاء عندما تنخفض حدّة القتال.

تدريجيا، تخلى الجيش الروسي عن خيرسون، بدءا من القادة والإداريين، في وقت كان الروس يتخذون من المدينة محطة مهمة، إذ أنه وبحسب شهادات أهالي المنطقة، أن الروس كانوا يجلبون الجرحى إلى مستشفى في المدينة في الأيام الأخيرة.

لكن ما يكشف الحالة الكارثية للجيش الروسي، هو أن العديد من أولئك الجرحى قد ماتوا بالفعل عند وصولهم لعدم توفر الاحتياجات اللازمة لإسعافهم، وصدم الأطباء من حالة الجثث، التي لم يكن لدى الكثير منها ضمادات على الجروح الشديدة.

وسط ذلك، ظل الانسحاب الروسي خطوة مريبة، إذ أن التكهنات حول خطوات الجيش الروسي القادمة ما تزال قائمة، صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت في تقرير لها عن مسؤول في إدارة بايدن، إن روسيا تحاول من خلال الانسحاب عبر النهر الحفاظ على قوتها للقتال في يوم آخر.

بيد أن الصحيفة الأميركية تشير إلى أن قرار التخلي عن السيطرة على المدينة يمكن أن يثبت أنه حدثٌ مهم في حرب طاحنة غيرت العلاقات الدولية بشكل جذري.

اقرأ/ي أيضا: لبنان يفشل بانتخاب رئيس جديد للمرة الخامسة.. من سيخلف عون؟