أحداث عديدة في سوريا، تعطي مؤشرا على دخول أميركي على خط الأزمة في الشمال، ما قد يغير الوضع بشكل كبير، في ظل تهديد تركي بتنفيذ عملية عسكرية هناك لإبعاد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن الحدود ولمسافة 30 كيلومترا.
في اليومين الماضيين برزت تسريبات عن ضغوط من واشنطن دفعت أنقرة للتراجع عن هجومها، مع حديث عن عزم الولايات المتحدة العودة إلى المناطق التي انسحبت منها في شمال شرقي سوريا قبل ثلاثة أعوام، وذلك في الوقت الذي لم توافق فيه “قسد” بعد على المقترح الروسي للانسحاب من مناطق عدة شرقي الفرات وغربه، وتسليمها لحكومة دمشق.
موقع “باسنيوز” الإعلامي، نقل عن مصدر مقرب من “قسد”، أن ضغوطا أميركية أجبرت تركيا على التراجع عن هجومها العسكري البري على شمال سوريا”، مضيفا “لكن كل الخيارات لا تزال مفتوحة، وقسد مستعدة لأي حرب جديدة في المنطقة”.
تطورات جديدة ومهمة تدفع للتساؤل حول أسباب العودة الأميركية للمنطقة، وتأثيرها على الأطراف الفاعلة هناك، وهل انتهت العملية العسكرية التركية بشكل نهائي أم أن هناك فرصا لحدوثها.
أسباب العودة الأميركية للشمال السوري
بحسب تقارير صحفية، فإن الولايات المتحدة تنوي العودة إلى المناطق التي انسحبت منها في شمال شرقي سوريا، حيث بدأت القوات الأميركية ببناء قاعدة عسكرية لها على ضفة نهر الفرات، بالقرب من مقر قوى الأمن الداخلي “الأسايش” في مدينة الرقة.

التقارير أضافت أن الأميركيين بصدد العودة إلى منبج وكوباني في شمال سوريا في المستقبل، وبشكل علني ورسمي، كما أن الجانب الأميركي أبلغ قوات سوريا الديمقراطية أن لديه مشروعا للعودة وبناء نقاط له في جميع المناطق المذكورة، من دون أن يحدد أي موعد لذلك.
في هذا السياق يوضح الكاتب السياسي، صدام الجاسر، أن القوات الأميركية قامت بالفعل بتسيير دوريات في الرقة في المناطق التي سبق وانسحبت منها وذلك قبل عدة أيام، وسبق ذلك اجتماع وفد عسكري أميركي من “البنتاغون” في أنقرة، ولكن لم يتسرّب أي معلومات حول ما تم الاتفاق عليه في ذلك الاجتماع.
قد يهمك:العودة للتمثيل الدبلوماسي الكامل بين تركيا وإسرائيل
الجاسر يؤكد أن العودة الأميركية جاءت موجهة ضد روسيا وحكومة دمشق بشكل خاص، للتأكيد على أن هذه المنطقة ستبقى تحت المظلة الأميركية، ولا يمكن لأحد التفاوض عليها أو التنازل عنها لأي جهة كانت إلا بموافقة أميركية وللجهة التي يمكنها التعاون مع الولايات المتحدة وتحقيق مصالحها.
ما هو تأثير العودة الأميركية؟
خلال الفترة الماضية، حاولت روسيا التوسط بين تركيا وقوات “قسد”، بهدف تحقيق مكاسب لحكومة دمشق التي تعمل على تعزيز وجودها العسكري في ريف حلب الشمالي، ولكن تقارير صحفية أشارت إلى أن واشنطن أرسلت رسائل لـ”قسد” تؤكد لها معارضتها قيام تركيا بشن عملية عسكرية برية ضدها في المنطقة.
أيضا فإن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، كان قد قدّم خلال اجتماع مع نظيره التركي سادات أونال مقترحات للحيلولة دون قيام تركيا بشن عمل عسكري، ومن جملة المقترحات الروسية، الإبقاء على قوى الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، من خلال دمجها بالمؤسسة الأمنية التابعة للحكومة السورية.
من الواضح أن موسكو تؤيد انسحاب “قسد” من تل رفعت ومنبج وعين العرب (كوباني) ذات الغالبية الكردية من السكان، بشرط أن تؤول هذه المناطق إلى حكومة دمشق، وفق ترتيبات أمنية وعسكرية مع “قسد”. وكان نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، قد أعلن أن موسكو تواصل إقناع أنقرة بعدم بدء عملية برية في سوريا، مشددا على أن هناك نجاحات في هذا الاتجاه.
بحسب الجاسر، فإن روسيا تحاول استباق العودة الأميركية للمنطقة، والتي تؤثر بشكل مباشر عليها وعلى حكومة دمشق وعلى إيران، لأنهم لن يستطيعوا الدخول في أي مفاوضات والمساومة على المنطقة، ولن يستطيعوا فك ارتباط “قسد” مع الولايات المتحدة.
أيضا فإن عودة الأميركيين تعني العودة للملف السوري بشكل أقوى وأن الأميركيين لن يتنازلوا عن هذه المنطقة، وأنهم لا يزالون هم المسيطرون وهم أصحاب الكلمة العليا فيها.
هل انتهت العملية التركية؟
حسن محمد علي، عضو الهيئة التنفيذية في “مجلس سوريا الديمقراطي”، وهو الذراع السياسية لـ”قسد”، بيّن في وقت سابق في تصريحات صحفية اطلع عليها “الحل نت”، أن الشمال السوري لم يعد مهددا في الوقت الراهن بعملية عسكرية تركية، ولكن لا يمكن القول إن العملية خرجت من جدول أعمال الحكومة التركية.

علي لفت إلى أنه نتيجة التناقضات السياسية الموجودة في العالم لم يحصل الجانب التركي على ضوء أخضر من موسكو وواشنطن لشن عملية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية في شرق وغرب نهر الفرات، مبيّنا أن الموقف الروسي العلني ليس مع أي هجوم بري تركي في شمال سوريا، وكذلك هو موقف المؤسسات الأميركية من وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” إلى “الكونغرس” إلى “البيت الأبيض”، وأن أي هجوم يخلق الفوضى التي تنعش تنظيم “داعش”.
مصادر مختلفة أشارت إلى أن هناك وعودا أميركية قوية جديدة لـ”قسد” غيّرت موقف هذه القوات من الوساطة الروسية، ولم تستبعد هذه المصادر حدوث تقارب بين “قسد” والجانب التركي برعاية أميركية، بعد رفض الرئيس السوري، بشار الأسد عقد لقاء قمة مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.
الجاسر يرى أن العملية العسكرية التركية لا تزال قائمة، وهناك قصف يومي على الشمال السوري إضافة للطلعات الجوية، وإن تأخير العملية يعود لأسباب سياسية ترتبط بالانتخابات التركية القادمة، لذلك قد تؤخر تركيا توقيت العملية إلى ما قبل الانتخابات لجذب الرأي العام الداخلي التركي للوقوف مع الحكومة الحالية، إضافة لحاجة تركيا لتهيئة مناخ دولي ملائم للقيام بالعملية.
أيضا فإن العملية العسكرية التركية لو تم تنفيذها فستكون سريعة ودقيقة ومحدودة، وبعيدة عن التواجد الأميركي والروسي، أي بمعنى عملية شكلية تستهدف حصد أكبر قدر من الأصوات في الانتخابات، فهناك تنسيق كبير بين تركيا وكل من الولايات المتحدة وروسيا، حسب الجاسر.
لا تزال الإدارة الأميركية تبدي رغبتها في مواصلة العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، وتعارض بشدة عملية برية تركية محتملة، وتعمل على الضغط على تركيا بوسائل مختلفة، ومثل هذه الضغوط قد تشكل حافزا لواشنطن للبحث عن تسوية مع تركيا لتلبية مطالبها في شمال سوريا أو على الأقل جزء منها مقابل إقناعها بالتخلي عن خطط العملية البرية.
أيضا فإن تركيا تبحث عن شرعية لبقائها داخل الأراضي السورية، ونتيجة للضغوط الأميركية، لذلك قد تتوصل تركيا إلى اتفاق مع “قسد” برعاية أميركية، وفي حال عقد أي اتفاق بين الجانب التركي وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، فسيكون الوجود العسكري التركي في شمال سوريا شبيها بالوجود التركي الحالي في إقليم كردستان العراق.
إقرأ أيضا:قمة جديدة بين تركيا وروسيا في سوتشي.. ماذا ستبحث؟

