حرب بوتين في أوكرانيا تدفع الدول السوفيتية السابقة نحو حلفاء جدد؟

روسيا
روسيا

تبدو جهود حاكم “الكرملين” لاستعادة الهيمنة الروسية على جيرانها بعيدة أكثر من أي وقت مضى، بينما تبني تلك الدول علاقات مع القوى المتنافسة. فقد غزا فلاديمير بوتين أوكرانيا جزئيا لتأكيد الهيمنة الإقليمية لروسيا مرة واحدة وإلى الأبد. واليوم وبعد مرور عام تقريبا، حقق الرئيس الروسي عكس ما كان يتمناه، وليس فقط في كييف. 

مسؤولون من دول الاتحاد السوفيتي السابق في وسط آسيا والقوقاز يقولون، إن الحرب دفعت حكوماتهم إلى البحث عن سبل لتقليل الاعتماد على موسكو، من خلال اللجوء إلى القوى المنافسة، بما في ذلك تركيا والاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط. وقد تحدث الجميع، بشرط عدم الكشف عن هويتهم، لتجنب استعداء “الكرملين”. كما يقول المسؤولون الروس الحاليون والسابقون، الذين تحدثوا أيضا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إن موسكو تتصرف بعصبية، بل بقساوة، حيث أصبح “الكرملين” أقل ثقة في قدرته على تأكيد نفوذه في فنائه الخلفي. 

من جانبها، ترى إيكاترينا شولمان، عالمة السياسة الروسية والمقيمة الآن في برلين، بأن روسيا كانت على مدى عقود “لاعبة حق النقض، وحارس بوابة في شمال أوراسيا، حيث لا يمكن أن يحدث أي شيء إذا لم يعجب الكرملين”. وتضيف قائلة: “الآن يبدو أن هذا يتغير، حيث من غير المرجح أن تخرج روسيا أقوى من حربها في أوكرانيا، وهذا يجعل إملاء إرادتها على الجيران مشكلة، على أقل تقدير”. 

روسيا أصبحت أكثر سمّية

في حين فشل هدف رئيسي في حرب “الكرملين” والمتجلي في أوكرانيا ومولدوفا، اللتين تقدمتا بطلب لعضوية الاتحاد الأوروبي وحصلت على وضع مرشح بعد اندلاع الصراع، أجبر الغزو حتى الأصدقاء التقليديين، مثل كازاخستان وأرمينيا، على بناء علاقات نشطة مع القوى الأخرى. وقد سمح ذلك لتركيا على وجه الخصوص بالتدخل في ظل هذا الفراغ. 

فعند إعلانه عن غزوه في 24 شباط/فبراير الماضي، استشهد بوتين في ذلك الوقت بكازاخستان كنموذج لنوع العلاقة التي أراد أن تكون لروسيا مع دول الاتحاد السوفيتي السابق. وكان قد أرسل قوات لمساعدة الرئيس قاسم جومارت توكاييف في سحق أعمال الشغب المميتة في الشهر السابق للغزو. 

لكن توكاييف اختلف منذ ذلك الحين علانية مع تبرير بوتين للحرب، بينما سمح لمئات الآلاف من الروس بالفرار إلى أكبر مصدر للنفط في آسيا الوسطى، بعد أن أعلنت روسيا التعبئة في أيلول/سبتمبر الماضي. واستقبل رئيس مجلس الشيوخ في كازاخستان هذا الشهر، وهو ثاني أعلى مسؤول في البلاد، السيدة شولمان، التي اعتبرها “الكرملين” “عميلة أجنبية” بعد أيام من مغادرتها روسيا في نيسان/أبريل الماضي، وعرض عليها منصب أستاذ في إحدى جامعات البلاد. 

عضو مجلس إدارة سابق في أكبر بنك في كازاخستان “كازكوميرتس بنك جي أس سي”، بيبيت أبسنبيتوف، يقول موضحا: “أصبحت روسيا أكثر سمية. ماذا تفعل عندما يكون جارك سكيرا وصاخبا، ولا يمكنك المغادرة؟”. 

ويبدو أن روسيا تظهر استيائها من كازاخستان من خلال المقاطعة المتكررة للتدفق عبر خط أنابيب بحر قزوين الذي يبلغ طوله 1500 كيلومتر (932 ميلا)، متحججة بمسائل فنية أو تنظيمية. ويمر خط الأنابيب الذي ترسل كازاخستان عبره حوالي 80 بالمئة من صادراتها النفطية إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود، على بعد أقل من 100 ميل من شبه جزيرة القرم المحتلة. 

التحول نحو تحالفات جديدة

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قالت كازاخستان إنها ستزيد صادرات النفط عبر بحر قزوين بمقدار 1.5 مليون طن عن طريق ضخ النفط في خط أنابيب باكو-جيهان، الذي يمتد من أذربيجان إلى ساحل تركيا على البحر المتوسط. وقال توكاييف إن التدفقات على طول الطريق، الذي يتجاوز روسيا، قد ترتفع في النهاية إلى 20 مليون طن. وكانت كازاخستان قد أرسلت أكثر من 50 مليون طن من خلال عبر خط أنابيب بحر قزوين في العام 2021. 

هذا الطريق يضاف إلى ما يسمى بالممر الأوسط لشحنات السكك الحديدية بين الصين وأوروبا، والذي يمر عبر كازاخستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا، وشهد زيادة حادة في الطلب، بعد أن أدت الحرب إلى تقليص حركة المرور على خط السكك الحديدية الصيني الأقل تعقيدا إلى أوروبا، عبر روسيا وبيلاروسيا. وفي العام الماضي، شجع توكاييف أيضا العلاقات الدفاعية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسافر إلى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري. 

كما كانت أوزبكستان المجاورة، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة مع روسيا، تتطلع إلى الانفتاح حتى قبل الحرب. ووقعت اتفاقية شراكة وتعاون معززة في تموز/يوليو الماضي مع الاتحاد الأوروبي. وفي كانون الأول/ديسمبر، بعد الاجتماع الثاني لحوار الشراكة الإستراتيجية الجديد مع الولايات المتحدة، رحب بيان مشترك بـ “رغبة الغرب في إنشاء طرق تجارية جديدة وتنويع أسواق الاستيراد والتصدير”. 

من المؤكد أن روسيا تظل قوة جبارة في المنطقة، لكن مع العقوبات الدولية، ردا على الحرب التي أغلقت طرق التجارة الغربية لروسيا، أصبح جيران موسكو السوفييت السابقون أكثر أهمية بالنسبة لها كقنوات للتجارة. وارتفعت الصادرات إلى روسيا من أعضاء آخرين في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة موسكو (بيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان) حيث يتم تحويل مسار البضائع من أوروبا. كما زادت الصادرات التركية إلى روسيا. 

من المستفيد؟

كازاخستان وأوزبكستان تبذلا قصارى جهدهما لتنويع علاقاتهما طالما أن موسكو منشغلة بأوكرانيا، لكن “لا يمكنك تغيير الجغرافيا، فهناك روابط عميقة وحدود طويلة. لذلك لن يكون هناك فصل عن روسيا بالنسبة لآسيا الوسطى، على الأقل لسنوات عديدة “، تقول آنيت بور، الزميلة المشاركة في برنامج روسيا وأوراسيا في “تشاتام هاوس”، وهو معهد ومؤسسة فكرية بريطانية.  

مع ذلك، فإن الحرب والعقوبات التي تلت ذلك سلطت الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على موسكو، ولم يتضح ذلك في أي مكان أكثر من أرمينيا، الحليف الوثيق لـ “الكرملين” في القوقاز وموطن قاعدته العسكرية الوحيدة هناك. 

خيبة الأمل في أرمينيا تتزايد بسبب عدم رغبة روسيا أو عدم قدرتها على التدخل في نزاع إقليمي طويل الأمد مع جارتها أذربيجان، التي تتمتع بدعم دفاعي قوي من تركيا. والمسؤولون الأرمن غاضبون من الحصار الأذربيجاني الفعلي الذي دام سبعة أسابيع على ممر لاتشين، وهو طريق حيوي يربط أرمينيا بالأرمن الذين يعيشون في منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها، بينما تراقب قوات حفظ السلام الروسية الوضع في المنطقة. 

وزير خارجية حكومة ناغورنو كاراباخ غير المعترف بها، سيرجي غازاريان، والذي لم يتمكن من السفر إلى هناك من أرمينيا منذ تعيينه في وقت سابق في كانون الثاني/يناير، يقول “أذربيجان تستغل الوضع في أوكرانيا”. وقد نظم القوميون الأرمن ثلاث مرات خلال الشهر الأول من هذا العام احتجاجات خارج القاعدة العسكرية الروسية في كيومري، رافعين شعارات مثل “قوات الاحتلال الروسية خارج أرمينيا”. وإن كانت التظاهرات ضد الحليف التقليدي للبلاد وحاميها صغيرة، فإنها غير مسبوقة. 

كذلك أعلن رئيس الوزراء نيكول باشينيان أن أرمينيا لن تستضيف تدريبات عسكرية مقررة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي بديل لحلف شمال الأطلسي تقوده روسيا، بعد فشل التحالف في الاستجابة لنداءات الأرمن للمساعدة في أعقاب الاشتباكات الحدودية مع أذربيجان العام الماضي. 

وأعلن الاتحاد الأوروبي في 23 كانون الثاني/يناير أنه سيرسل مهمة مراقبة مدنية لمدة عامين لتسيير دوريات على الحدود استجابة لطلب أرمينيا، فيما وصفه رئيس السياسة الخارجية بالاتحاد، جوزيب بوريل، بأنه “مرحلة جديدة” من مشاركة التحاد الأوربي في القوقاز. ونددت وزارة الخارجية الروسية بالمهمة يوم الخميس في بيان وصف الاتحاد الأوروبي بأنه “تابع للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي” وحذر من أن تدخله في المنطقة “لن يؤدي إلا إلى مواجهة جيوسياسية”. 

قد اقتربت أذربيجان أيضا من الاتحاد الأوروبي، حيث وقعت اتفاقا في تموز/يوليو الماضي، لمضاعفة صادرات الغاز إلى الاتحاد بحلول عام 2027، حيث تسعى بروكسل لاستبدال الوقود الأحفوري الروسي، ردا على الحرب في أوكرانيا. وفي الشهر الماضي، قال الاتحاد الأوروبي إنه سيساعد أيضا في تمويل كابل طاقة مباشر من أذربيجان وجورجيا المجاورة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، عبر البحر الأسود، مع إمكانية ربط أوكرانيا ومولدوفا لاحقا. 

لكن حتى الآن، استفادت تركيا إلى حد كبير من التردد الروسي. ومع عدم ضمان أرمينيا للحماية الروسية، عقد باشينيان وأردوغان في تشرين الأول/أكتوبر أول محادثات بين قادة بلديهما منذ 13 عاما، وسط محاولة لإقامة علاقات دبلوماسية وفتح حدودهما. ويقول غريغوري شفيدوف، رئيس خدمة أبحاث عقدة القوقاز ومقرها موسكو، بهذا الخصوص: “لقد فقد بوتين احتكاره في منطقة القوقاز. والآن أردوغان هو الفاعل الرئيسي في اللعبة”!