تقييم الأضرار وتقدير التكلفة.. بناء المنازل في سوريا بعد الزلزال ضمن الاستطاعة؟

الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا يوم 6 شباط/فبراير الجاري، والذي يعتبر من أعنف الكوارث الطبيعية فتكا، سيكون له من كل بد آثار سلبية جمة؛ لا سيما الاقتصادية منها وفي أكثر من جانب. وبعيدا عن تركيا، فإن هذا الزلزال خلّف أعدادا كبيرة من الضحايا، إلى جانب خسائر مادية هائلة لحقت بعمران المنطقة المنكوبة وبناها التحتية.

المنظمات الإنسانية المحلية بشمال غربي سوريا، أعلنت أن عدد المنازل المدمرة بالكامل والمعرّضة للانهيار ناهز 5000 منزل، بينما قارب تعداد المنازل غير الصالحة للسكن بسبب أضرار مختلفة 23 ألف منزل آخر. بينما ذكرت صحيفة “الوطن” المحلية، يوم الإثنين الماضي، تقييمات أولية عن حجم تضرر الاقتصاد في مناطق الحكومة السورية نتيجة الزلزال، مشيرة إلى أن متوسط كلفة ترميم المنزل المتضرر بالزلزال يبلغ نحو 150 مليون ليرة سورية، أي نحو قرابة 17 ألف دولار أميركي.

كل ذلك يفتح الباب لكثير من التساؤلات حول تداعيات الزلزال على المتضررين في سوريا، لا سيما المناطق الخاضعة للحكومة السورية، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وما إذا كان ثمة جهة يمكن لها أن تعوّض المتضررين، إلى جانب تبعات الزلزال على إيجارات المنازل والحياة المعيشية بأكملها داخل سوريا، وخاصة مناطق حكومة دمشق.

انفراجة في قانون “قيصر”؟

بحسب صحيفة “الوطن” المحلية، فإن الإحصاء الكامل للمنازل المتضررة نتيجة الزلزال لم يُنجز بشكل كامل لوجود أبنية تعرضت للهدم الكامل وأبنية آيلة للسقوط وأبنية متضررة بشكل نسبي ومتفاوت. وأن كل ما تم تقديره حاليا هو أن متوسط كلفة ترميم المنزل تبلغ نحو 150 مليون ليرة سورية.

الباحث الاقتصادي حيان سلمان، أفاد للصحيفة المحلية، أن الزلزال تسببت بتوقف كثير من قوى الإنتاج مثل معامل حلب واللاذقية إضافة للإنتاج الزراعي مقدّرا أن تتسبب الكارثة وتداعياتها بتراجع الناتج المحلي الإجمالي بحدود 3 بالمئة، لافتا إلى أن آخر تقديرات للناتج المحلي الإجمالي في نهاية العام 2021، كان بحدود 21 ألف مليار ليرة مقارنة مع 62 ألف مليار ليرة في العام 2010، متجاهلا الفرق بسعر صرف العملة بين الفترتين الزمنيتين.

من جانب آخر، أفادت منظمة “منسقو استجابة سوريا” بأن عدد القوافل الأممية الواردة إلى شمال غربي سوريا من مختلف المعابر بلغ 263 شاحنة بعد الزلزال المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 46 ألف شخص في تركيا وسوريا، مضيفة أنه يجب تقديم دعم عاجل بالمواد الطبية واللوازم الجراحية ومستلزمات غسيل الكلى، مشيرة إلى أن عدد المتضررين من الزلزال في المنطقة تجاوز مليون نسمة.

هذا ويدخل عبر معبر “باب الهوى” الواصل بين مناطق فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من أنقرة في شمال غربي سوريا وتركيا، نحو 85 بالمئة من المساعدات الإنسانية بموجب قرار صادر عن “مجلس الأمن الدولي” رقم 2672. كما يقطن في هذه المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، أكثر من 4 ملايين شخص، نحو نصفهم من النازحين، ويعتمد 90 بالمئة منهم على المساعدات الإنسانية. ولم تدخل مساعدات “الأمم المتحدة” عبر “باب الهوى” إلا بعد 3 أيام من وقوع الزلزال، وكانت عبارة عن خيام مجهّزة قبل الزلزال وتكفي 5 آلاف شخص فقط.

الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أثناء حديثه لموقع “الحل نت”، قال إن التداعيات ستكون بالتأكيد كبيرة وطويلة الأمد، لكن يجب أن يتم الحديث في جزأين كبداية. الأول إذا نجحت حكومة دمشق في أخذ المساعدات الأممية والسماح لها بإحداث انفراجة في قانون “قيصر” الدولي المفروضة عليها منذ سنوات، فإن هذا سيسهل توفير بعض المواد الغذائية للمواطنين المتضررين، رغم أنه سيكون هناك العديد من التجاوزات والسرقات من قبل دمشق، وهذا الأمر واضح للجميع ولا يغفل عنه أحد، وقد أكده العديد من التقارير الدولية.

قد يهمك: سيناريوهات ما بعد الزلزال.. إعادة هيكلة الخريطة الأمنية على الساحة السورية؟

بمعنى أنه سيتم تقديم بعض المساعدات الغذائية للمتضررين مقارنة بالسوء الذي كانوا يعيشونه وهذا أمر جيد وفق تقدير الدبس. لكن إذا لم تستطع الحكومة السورية على إحداث انفراجة في قانون “قيصر” من جانب تقديم المساعدات الأممية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحا بسبب عدم تعديل سلوكها الوحشي كما توصفها الولايات المتحدة، فإن الوضع سيكون بائسا للغاية، ذلك لأن الوضع السوري بمجمله متدهور، من ندرة الوقود إلى تدهور الليرة وارتفاع الأسعار، وكل ذلك وسط ثبات رواتب الموظفين بالليرة السورية التي تفقد قيمتها يوما بعد يوم.

بالنظر إلى وجود عجز سابق في توفير السلع الغذائية والوقود وغير ذلك من الأمور الحياتية في مناطق سيطرة دمشق ونوعا ما في مناطق شمال غربي سوريا، فإن الوضع وبعد مأساة الزلزال سيزداد سوءا، وستنخفض الأعمال وحركة السوق التجاري، فضلا عن تراجع حركة التجارة المتبادلة بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا ومن ناحية أخرى مع مناطق فصائل المعارضة، وهذا ما سيسبب حالة من الركود في الأسواق والوضع العام، وليس فقط المتضررين من الزلزال، وفق تقدير الدبس.

لا تعويض؟

نجاة رشدي نائبة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، قالت مؤخرا، إن ما لا يقل عن 8 ملايين شخص في سوريا تأثروا بالزلزال، مشيرة إلى التزام المنظمة ببذل المزيد لمساعدة السوريين. وكانت “الأمم المتحدة” قد ناشدت دول العالم بجمع 400 مليون دولار من الهبات والتّبرعات للمنكوبين في سوريا.

من ناحية أخرى، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مؤخرا إن 10 آلاف و633 سوري عادوا إلى بلادهم بشكل طوعي بعد الزلزال. أي أن الزلزال راكم من معاناة السوريين في الداخل، حيث قلة فرص العمل وتدني مستوى الأجور والرواتب وفوق ذاك يزداد الاكتظاظ السكاني.

تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، قال إن الاكتظاظ السكاني واستهداف البنية التحتية والمراكز الحيوية على مدى سنوات من قِبل الحكومة السورية وحليفتها موسكو، كان سببا في أن يكون وقع الزلزال في هذه المنطقة أكبر وأكثر مأساوية.

بعد كارثة الزلزال لا شك أن الأولويات ستكون متمحورة حول تأمين المسكن والمواد الإغاثية والخدمات الطبية لمئات الآلاف من المدنيين المشرّدين والمتضررين، لا سيما وأن الوضع الاقتصادي بشكل عام للسوريين في الداخل هشٌّ. أمّا في سياق ما إذا كانت الحكومة السورية أو أي جهات دولية ستقوم بتعويض المتضرر من حيث ترميم منزله أو تأمين سكن بديل له، يقول الخبير الاقتصادي بالطبع لن يقوم أي طرف بتعويض المواطن السوري، على سبيل المثال، خلال السنوات العشر الماضية تأثر ملايين السوريين بالحرب السورية ولم يعوضهم أحد، وانتهى بهم الأمر إما بالهجرة أو الاستقرار في مخيمات النزوح، وبالتالي مَن سيعوضهم في الوقت الراهن، لا سيما وسط الأزمات الدولية المتعددة.

كذلك، لا يوجد تأمين على الأغلبية الكاسحة من المنازل في سوريا، على الرغم من وجود تأمينات لبعض المباني في مناطق سيطرة الحكومة السورية، لكن من المؤكد أن المباني التي دُمرّت في المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، ليست مؤمنة، حيث غياب شركات التأمين فيها.

الحكومة السورية، بحسب تقدير الدبس، قبل الزلزال، لم تكن قادرة على توفير الخدمات الأساسية العامة للمواطنين، مثل الوقود والكهرباء والمياه، أو تأمين المواد الأساسية مثل الخبز والغاز وغيرها. وحتى خلال أزمة الوقود الأخيرة، خفّضت ساعات عمل المؤسسات الحكومية العامة، لعدم قدرتها على تأمين المواصلات أو الكهرباء. وهذا ما يشير إلى أن الحكومة مفلسة تماما، وحتى وقت قريب قام “مصرف سوريا المركزي” بتعديل سعر الصرف بما يعادل سعر السوق السوداء، وبالتالي فإن دمشق ستستغل المساعدات الإغاثية قدر الإمكان لصالحها ولن تعوض المتضررين بأي شيء، وفق الدبس.

في المقابل، فإن قطاع الإيجارات، لا شك أن وضعه سيزداد سوءا، ذلك لأنه لم يكن هناك وضع عمراني جديد ومنعش في سوريا منذ سنوات عديدة، ويقتصر البناء على المناطق الراقية، حيث يكون البيع والشراء مقبولا، غير أنه في المناطق الفقيرة أو حتى في المناطق المتوسطة، فالحركة شبه متوقفة، وبالتالي الإيجارات سترتفع حتما، والتجار ومجموعات “المافيا” المعروفة ستلعب لعبتها كالعادة، وهذا ليس بالأمر الجديد، وفق الدبس.

على مدى السنوات الماضية، لم يتوقف تجار الحروب والأزمات عن استغلال الظروف المأساوية للناس، وبالتالي لا شك أن قطاع العقارات سيتدهور أكثر مما هو عليه من حيث ارتفاع سقف إيجارات البيوت، والبعض سيقوم برفع الإيجارات بغية الاستفادة بما يتناسب مع الواقع المعيشي وليس إلا، وفق تعبير الدبس.

مفاقمة المشاكل الاجتماعية

على صعيد آخر، قالت منظمة “منسقو استجابة سوريا” إن ما وصل إلى مناطق حكومة دمشق، من إجمالي المساعدات بلغ 64 بالمئة، في حين حصل شمال غربي البلاد على 36 بالمئة من المساعدات، في مقارنة بالمساعدات الإنسانية المقدمة لمنكوبي الزلزال.

المنظمة بيّنت أن المساعدات الإنسانية لم تستطع حتى الآن تغطية 8 بالمئة من عمليات الإغاثة للمنكوبين شمال هذا البلد، لكنها أشارت إلى أن دمشق استلمت جزءا كبيرا من المساعدات مقدّمة جزءا منها للمليشيات التابعة لها وتقوم ببيع الجزء الآخر للمتضررين، على حد قول المنظمة.

قد يهمك: انعكاسات زيارة الرئيس السوري إلى عُمان.. دلالة على دبلوماسية القـوة الناهضة؟

العديد من النشطاء المقيمين في مناطق الحكومة السورية، قالوا إن المساعدات التي وصلت إلى سوريا من عشر دول بعد الزلزال، تُقدر بمئات ملايين الدولارات، لكنها لم توزع للمتضررين حتى اليوم، وإنه تم توزيع مساعدات قديمة ومهترئة على المتضررين. وتاريخ الحكومة السورية مليء بهذا النوع من الاستحواذ على المساعدات الدولية، إذ كشفت العديد من التحقيقات الغربية، كيف تقوم دمشق بسرقة المساعدات الأممية المقدمة للشعب السوري المنكوب.

هذا وتتالت شكاوى السوريين بمناطق سيطرة دمشق خلال الأيام الماضية حول سرقة المساعدات الدولية، وربط توزيع المساعدات بمجموعات تابعة للسلطات. والعديد من المراقبين يقولون إنه طالما هذه الحكومة هي من قامت بقتل وتهجير شعبها، فإنه من الصعب الوثوق بها، وبالتالي لن تتهاون هذه الحكومة في استغلال المساعدات وكل القرارات الأممية لا سيما القرار الأميركي الأخير في صالحها، خاصة وأن هذه الحكومة منهارة اقتصاديا.

المراقبون يقولون إن تأمين السكن للمتضررين يتطلب مليارات الدولارات، لأن أعداد المتضررين بالآلاف، وهذا عبء لا يستطيع أي طرف أن يتحمله أو يوفّره، وبالتالي فإن هذا سيغذّي ويؤجج من مستوى المشكلات الاجتماعية وعلى عدة أصعدة في البلاد.

الدبس من جهته يعلق على ذلك، ويضيف “بما أن الحرب السورية أفرزت أسوأ ما لديها من مشاكل اجتماعية في المجتمع السوري، من جرائم السرقات والفاحشة وانتشار حالة التسوّل، وما إلى ذلك، فبالتأكيد الزلزال سيزيد من مستوى هذه المشاكل”.

باختصار، يبدو أنه لا توجد نيّة لإعادة الإعمار في سوريا أو تعويض المتضررين من أي حكومة أو جهة معنية، طالما أنه لا يبرز أفق لأي حل سياسي حقيقي شامل. لذلك فإن المتضررين سوف ينضمون إلى المنكوبين في مخيمات النزوح، أو سيترنّحون بين وطأة غلاء المعيشة في البلاد، وكيفية تأمين وتمرير حياتهم اليومية، ولا شك أن الزلزال سيخلّف أخطر الآثار على سوريا.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"