في الوقت الذي تواجه فيه الجزائر ضغوطا غربية إثر علاقاتها مع الصين وروسيا، يستعد الرئيس الجزائري عبد المجيد التبون لإجراء زيارة إلى بكين، حيث بحث السفير الصيني لدى الجزائر ووكيل وزارة الخارجية الجزائرية في لقاء لهما بالعاصمة، ترتيبات الزيارة المرتقبة، والملفات المشتركة بين الجانبين والتي يمكن مناقشتها.

على الرغم من أنه حتى الآن لم يتم تحديد موعد الزيارة، إلا أن التحضيرات تجري بشكل سلس، كما وتأتي زيارة الرئيس الجزائري إلى الصين في وقت تواجه فيه الجزائر ضغوطا غربية متصاعدة تطالبها بتخفيف العلاقات مع بكين وموسكو، والتي باتت تشكل فعلا مصدر قلق كبير لاسيما في ظل محاولات الصين وروسيا التوغل في منطقة الشمال الإفريقي.

وسط ذلك، فقد ناقشت مباحثات السفير الصيني لدى الجزائر لي جيان، مع والأمين العام لوزارة الخارجية عمار بلاني، ترتيبات وتحضيرات زيارة الرئيس تبون إلى بكين، فضلا عن مختلف الملفات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، وذلك بحسب ما أفادت به الخارجية الجزائرية في بيان لها.

تفاصيل زيارة تبون إلى الصين

إلى ذلك، جاء الإعلان عن الزيارة المرتقبة من قبل الخارجية الجزائرية، في خطوة تؤكد المعلومات التي كانت تتحدث عن إمكانية زيارة تبون إلى بكين منذ العام 2020، فضلا عن تأكيدها على شراكة الصين مع الجزائر بوصفها الشريك الاقتصادي الأول، بعد تراجع كلا من فرنسا وتركيا، الدولتين اللتين كانتا تمثلان شريكا استراتيجيا للجزائر.

الجزائر والصين يتطلعان إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية، لاسيما الجانب الصيني الذي يسعى بقوة إلى توسيع استثماراته ونفوذه في القارة الإفريقية، في حين تحاول الجزائر من خلال ذلك دعم قبول عضويتها في منظمة “بريكس”، بما تمثله الصين من ثقل كبير داخل المجموعة.

اقرأ/ي أيضا: مغادرة المغرب “القائمة الرمادية” لتمويل الإرهاب.. ماذا يعني ذلك؟

“بريكس” حسب موقعها الرسمي تعد منظمة تجمع خمسة دول هي البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا، وكانت روسيا هي التي شرعت في إنشائها. ففي 20 سبتمبر/أيلول 2006 تم عقد أول اجتماع وزاري للمجموعة بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش أشغال “الجمعية العامة للأمم المتحدة”، كما تقرر حسب نفس المصدر خلال قمة “بريكس” بالبرازيل في 15-16 تموز/يوليو 2014، إنشاء “بنك للتنمية” وتبني معاهدة لوضع احتياطي طارئ للمجموعة، التي باتت تمتلك ما مجموعه 200 مليار دولار.

في ظل العزلة الدولية التي تعاني منها روسيا، لاسيما بعد غزوها لأوكرانيا، شجعت موسكو كثيرا على توسيع المجموعة حتى تتحول إلى أداة للضغط السياسي، كما أن دولا كثيرة صديقة لها لم تعارض القرارات الأممية المدينة للغزو.

رغم التطلعات الكبيرة لأعضائها ببناء عالم ثنائي القطبية، لم تتحول المجموعة إلى تكتل اقتصادي وسياسي قوي ينافس الغرب وحلفائه، وأحد أسباب ذلك هي الهيمنة الكبيرة للصين على المجموعة والشراكات الاقتصادية التي تجمع عددا من أعضائها بدول الغرب، بيد أن الجزائر كانت قد تقدمت بطلب انضمام للمجموعة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

في الأثناء، بحث لقاء السفير الصيني، ما وصفته الخارجية الجزائرية في بيانها الاستحقاقات الثنائية القادمة والمسجلة على أجندة العلاقات الثنائية، وفي مقدمتها الزيارة التي يعتزم رئيس الجمهورية القيام بها إلى جمهورية الصين الشعبية خلال السنة الجارية. وفق البيان شدد الطرفان على ضرورة التحضير الجيد لهذه الزيارة الهامة و”توفير كافة الظروف الكفيلة بإنجاح هذا الاستحقاق الثنائي المحوري الذي ينتظر منه إحداث نقلة نوعية جديدة في العلاقات الجزائرية الصينية، وإضفاء محتوى أكثر صلابة وأكثر تنوعا للشراكة الإستراتيجية الشاملة التي يطمح البلدان إلى إرسائها”.

على ماذا اتفق الجزائر والصين؟

وفقا لذلك، فقد اتفق الجانبان على ضرورة تسريع تجسيد المشاريع المهيكلة الهامة المضمنة في الخطة الخماسية الثانية للشراكة الإستراتيجية 2022 – 2026، والخطة التنفيذية للبناء المشترك لمبادرة “الحزام والطريق”، وكذا الخطة الثلاثية 2022 – 2024 للتعاون في المجالات الرئيسية، لاسيما إنجاز ميناء “الجزائر وسط” بضاحية شرشال، وتثمين استغلال منجم الحديد بغار جبيلات في تندوف، واستغلال وتحويل الفوسفات ببلاد الهدبة في تبسة وواد الكبريت بسوق أهراس، وتطوير منجم الزنك والرصاص بواد أميزور في بجاية.

مبدئيا، توضح الأجندة الجزائرية الصينية مدى التركيز الاقتصادي والذي تستخدمه بكين كاستراتيجية وقوة ناعمة لمد نفوذها العسكري والتكنولوجي عبر العالم، والذي تركز فيه بالوقت الحالي على القارة الإفريقية بوصفها إحدى أكبر مصادر الطاقة العالمية، ولعل حديث السفير الصيني خلال لقائه وكيل وزارة الخارجية الجزائرية عن ضرورة إعادة النظر بمنظومة “الأمم المتحدة” و”مجلس الأمن”، عن “دعم بلاده لمطالب الدول الإفريقية العادلة برفع الظلم التاريخي الذي تعرضت له القارة السمراء بحرمانها من التمثيل الدائم داخل مجلس الأمن الدولي”، يؤكد ذلك.

اقرأ/ي أيضا: تصاعد معدلات الجريمة أضعاف الإرهاب في العراق.. ما الخلل؟

في السياق، وعن دلالة الزيارة المرتقبة لتبون إلى بكين، يقول المحلل السياسي الجزائري نتاف نصر الدين، إن الزيارة تأتي تأكيدا على العلاقة الجيدة بين البلدين منذ الثورة الجزائرية، وكذلك تمثلا رسالة إلى العالم بأن الجزائر المتحكم الوحيد بقراراتها الدولية، لافتا إلى أن الجزائر تحاول من خلال ذلك تأكيد مبدئها المتمسكة به، وهو عدم الانحياز والاصطفاف بجانب طرف ضد آخر.

فبما يخص الزيارة إلى الصين وما يمكن أن تمثله بأنه اصطفاف إلى جانب الصين، يؤكد نصر الدين، أن الجزائر تقف في صف مصلحتها ومصلحة شعبها ومصلحة أمن منطقة الساحل التي تعتبر الجزائر هي الراعية للاستقرار الإقليمي فيه، مبينا أنه دليلا على ذلك أن الصين تمثل أكبر مورد إلى الجزائر وهذا يثبته الميزان التجاري الجزائري أو ميزان المدفوعات الجزائري، بالتالي أن الصين تمثل موردا استراتيجيا للجزائر، لكن وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الجزائر قد رفضت القروض الصينية في “ميناء شرشال”.

المحلل السياسي، يعتقد أن زيارة الرئيس الجزائري إلى الصين ستبقى محل ترقب ورصد غربي، لاسيما في ظل الحاجة الغربية إلى الجزائر على العكس من حاجة الجزائر لهم، لامتلاكها ما يغنيها عنهم، وبخاصة مع عدم تقديم الغرب ما يضمن جودة شراكته الحقيقية مع الجزائر باستثناء إيطاليا بمجال الغاز، مبينا أن الجزائر تمثل حاميا رئيسيا لأوروبا من هجرة الأفارقة السرية.

رؤى سياسية

من جهته يرى المحلل السياسي رضوان بوهيدل، أن الزيارة لا تمثل اصطفافا إلى جانب الصين، بل فتح المجال أمام الشركاء الاقتصاديين، ومن بينهم الصين كدولة كبيرة وعضوا في “مجلس الأمن”، بالتالي الجزائر بحاجة إلى هذه العلاقة على غرار العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وروسيا، لذلك لا يمكن وصف الزيارة بالاصطفافية فهي مسألة سيادية تخص الجزائر، خصوصا وأن الجزائر تعد واحدة من دول قليلة ونادرة تعد لا ترضخ في قرارتها إلى أي تأثير خارجي.

بالتالي، فإن الصين مهمة بالنسبة للجزائريين، لا سميا في خصوص الاستثمارات على غرار دول عربية وإفريقية أخرى، وخصوصا بعد تراجع التبعية الإفريقية لفرنسا وتغلغل الصين في القارة الإفريقية بما يخدم القارة والجزائر بعيدا عن عسكرة المنطقة، بحسب بوهيدل، لافتا إلى أن الجزائر مرشحة بالانضمام إلى منظمة “بريكس” وبالمقابل ترحب الصين بذلك، على غرار روسيا وجنوب إفريقيا والهند، ووفقا لذلك وبما تتمتع به الصين وروسيا من كلمة داخل المنظمة فإن الزيارة تأتي في إطار توطيد العلاقات وليس خلق علاقات جديدة، على اعتبار أن العلاقات موجودة وقائمة.

يشار إلى أن الصين تعد أول ممول تجاري للجزائر منذ 2019 بـ17 بالمئة ما يعادل 9 مليارات دولار، وفق الإحصاءات الرسمية، وذلك مقابل تطور وتوسع المبادلات التجارية التي انتقلت فيها الواردات الجزائرية من مليار دولار سنة 2003 إلى أكثر من 9 مليارات دولار 2019-2020.

بالمقابل تنامى رصيد الاستثمارات الصينية في الجزائر، من 1.9 مليار دولار أميركي خلال الفترة 1979-2002 إلى 22 مليار دولار خلال الفترة 2005-2016.

وفق المعطيات، فإن العلاقات الجزائرية الصينية ذاهبة باتجاه تحول الجزائر إلى نافذة اقتصادية كبيرة بالنسبة إلى الصين، إضافة إلى بوابة عبور لمنطقة القارة الإفريقية. الأمر الذي يعني توسع بكين في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الذي تسعى لتحقيقه بكين، بما يشمل إفريقيا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.