في وقت تتزايد فيه أسعار البنزين بشكل غير مسبوق، بالإضافة إلى تهريبه إلى السوق السوداء وندرته في محطات الوقود، يبدو أن هذا ساهم بشكل كبير في تعزيز احتكار المازوت وخلق بورصات وأسواق جديدة لمادة المازوت ليتم بيعها بأعلى سعر ممكن من قبل أولئك الذين يتحكمون بها. وبالتالي فإن هذه الارتفاعات “الجنونية” تنذر بزيادة أسعارها وانقطاعها كما حدث مع سلعة البنزين، وبالتالي يصعب على المواطن الحصول على المازوت الشتوي “دفء الشتاء” الذي يحصل عليه المواطن في الأساس بشق الأنفس.
خلال السنوات القلية الماضية عمدت الحكومة السورية على رفع أسعار المحروقات من حين لآخر، بحجة الأسعار العالمية للمادة، بينما لم ترفع بالتوازي قيمة الرواتب، الأمر الذي شكّل أولا؛ فجوة واسعة بين مستوى الأجور والواقع المعيشي الذي أثقل كاهل المواطنين في سوريان وثانيا أزمة محروقات غير مسبوقة، حيث ارتفع سعر البنزين لوحده 13 مرة خلال 4 سنوات بسوريا.
احتكار المازوت والبنزين
نحو ذلك، قال تقرير لصحيفة “البعث” المحلية يوم الثلاثاء الماضي إنه من المستغرب في هذه الأيام اللاهبة أن يرتفع سعر المازوت بشكل جنوني قبل البدء بفصل الشتاء، وخاصة مع دخوله مبكرا في منافسات السوق السوداء التي تعني بكلمة مختصرة الاختلال بين العرض والطلب، بين حاجة السوق الفعلية وندرة المادة، بهدف رفع الأسعار واستغلال حاجة المواطن المستهلك ضمن منظومة احتكار بعض المواد وحجبها وعدم توزيعها توزيعا عادلا.

هذا الأمر يؤدي إلى إدخال الكثير من المواد التي تفوق وفرتها حاجة المستهلك أو توازيها، على أقل تقدير، إلى السوق السوداء، وهذه المواد كثيرة، وفي مقدمتها المازوت والغاز المنزلي، هاتان المادتان اللتان تعدان عصب الحياة للمواطنين في كل ساعة ويوم وحين.
الحقيقة أن مادة البنزين لها وضع آخر، لأن توزيعها محصور بالمحطات ولا تستخدم للتدفئة المنزلية، فالمادة، كما هو معروف، ضرورية للحركة والتنقل وغير ذلك، وسط ادعاءات الجهات المعنية بتوفير كميات كبيرة من المواد المذكورة سابقا تكفي حاجة الاستهلاك، ولا توجد مشكلة بالأساس.
إلا أن الاحتكار لهذه المواد يؤدي إلى اختلاق الأزمات وخلق المشكلات وظهور السوق السوداء التي يدفع ضريبتها في نهاية المطاف المواطن السوري المحتاج، ويهدف احتكار هذه المواد إلى التحكم بأسعارها وابتزاز المواطنين المستهلكين، في ظل غياب الرقابة الحكومية، إن لم يكن تقاعس للجهات المعنية مع أصحاب المحطات من أجل تقاسم الأرباح.
خاصة وأن المزود الرئيسي لهذه المحطات هو الحكومة، وبالتالي كيف تصل هذه الكميات الكبيرة من الوقود إلى السوق السوداء، وهي غير متوفرة في المحطات بأسعار مدعومة. في الواقع هذا تساؤل يجب على المسؤولين الإجابة عليه بكل شفافية ووضوح.
احتكار وغش
ثمة عمليات الغش التي ترافق عملية الاحتكار في المحطات، وللغش في المواد دوافع وأساليب عديدة، من أهمها الربح غير المشروع من خلال الغش في المواصفات والأسعار والأوزان. ويوم أمس الأربعاء، ضبط عناصر جهاز “حماية المستهلك المركزي في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” السورية محطة محروقات في العاصمة دمشق بمخالفة النقص بالكيل لمادة البنزين بمقدار 2.35 ليتر لكل 20 ليترا عند التعبئة على المضخة، وفق وكالة “سانا” المحلية.
هذا ويعد الغش في المحروقات من أخطر أنواع الغش في المواد نظرا لحساسية هذه المادة في حياة المواطن ومحظورات استعمالها بغير وجهها النقي الخالي من الشوائب، كما يعد الغش في المنظفات والصابون والشامبو من أكثر أنواع الغش شيوعا لمساس هذه المواد الحيوية بحياة المواطن اليومية.
تقرير الصحيفة المحلية يقول إن عشرات المواطنين يشتكون من ظاهرة الاحتكار والخلل في العرض والطلب، وعشرات المستهلكين أكدوا أن الاحتكار يؤدي إلى رفع الأسعار وابتزاز المواطنين. ويقول أحد المواطنين إن احتكار مادة المازوت من قبل البعض يؤدي إلى رفع سعرها حتى وصل سعر الليتر الواحد إلى 11 ألف ليرة، كما أن احتكار الغاز المنزلي وعدم توزيعه بشكل عادل يؤدي إلى مضاعفة سعره وعدم الحصول عليها حين الحاجة والطلب.
مجموعة من المواطنين أجمعوا على أن عملية الاحتكار لبعض المواد الضرورية والغش في بعضها الآخر وغياب الإجراءات الحكومية الصارمة التي تقطع دابر التلاعب والاحتكار في المواد التموينية والغذائية كلها عوامل تؤدي إلى ظهور السوق السوداء، وارتفاع الأسعار وابتزاز المواطنين.
في وقت تزعم فيه الحكومة على توفير كل المواد بكميات مناسبة وتغطي الاستهلاك، إلا أنها غير متوافرة سوى في السوق السوداء، فمن أين تتوافر في السوق السوداء وبأسعار كاوية تفوق قدرة المواطن الشرائية، أليست من الفساد الذي يحصل أمام أعين الحكومة، وهي تكتفي دوما بتنظيم بعض الضبوط التموينية فقط، وهذا يدلل بأن الحكومة هي من تخلق السوق السوداء، بل والمسؤولين فيها متقاعسة مع محتكري هذه السلع.
ارتفاع أسعار المحروقات
في سياق متّصل، سجل سعر البنزين “أوكتان 95” تغيرا بنحو ثلاث عشرة مرة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 والنصف الأول من العام الحالي 2023، بمعدل تضخم كبير تجاوز الألف بمئات المرات.
في العام 2020 ارتفع سعر المادة مرتين فقط من 575 ليرة سورية إلى 850 ليرة، بينما تغيّر سعره في العام 2021 أربع مرات ليستقر عند 2500 ليرة للتر، كما شهد العام 2022 تغيّرا في سعر المادة بنحو ثلاث مرات وهي 4000 -4500 – 5300 ليرة.

ليعاود الارتفاع في الشهر الأول من العام الحالي بنسبة بسيطة حيث سجّل سعر 5750 ليرة، دون تحقيق أي استقرار حيث ارتفع مجددا في شباط/فبراير وأيار/مايو، قبل صدور القرار الأخير في السادس من تموز/يوليو الحالي بالتسعيرة الجديدة للبنزين “أوكتان 95” وحدد سعر المبيع للمستهلك بـ 8600 ليرة، وفق تقرير لموقع “غلوبال نيوز” مؤخرا.
كما ورفعت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” سعر البنزين “أوكتان 92” بزيادة ألف ليرة سورية لليتر الواحد، لتكون بذلك الزيادة الرابعة خلال سبعة أشهر. وحددت الوزارة في قرارها، الذي دخل حيز التنفيذ أوائل تموز/يوليو الماضي، سعر مبيع ليتر البنزين بـ 8600 ليرة سورية بدلا من 7600 ليرة.
إلا أنها عاودت مجددا ورفعت سعر مبيع مادة البنزين “أوكتان 95” بقيمة 1400 ليرة لليتر الواحد، وبحسب القرار الذي بدأ تطبيقه يوم الإثنين 31 من تموز/يوليو الفائت، حددت الوزارة سعر مبيع المادة بعشرة آلاف ليرة سورية لليتر الواحد بدلا من 8600 ليرة كانت قد حددته في الخامس من ذات الشهر.
فيما يتراوح سعر المازوت حول 5400 ليرة سورية، ومن المتوقع أن يرتفع سعره خلال الفترة المقبلة، بحسب البيانات والمؤشرات المتوفرة، خاصة مع تدهور الليرة السورية بين فترة وأخرى.
كما ورفعت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” سعر أسطوانات الغاز الصناعي إلى 75 ألف ليرة سورية، بينما سعر أسطوانة الغاز المنزلي وفق آخر تسعيرة من قبل “محافظة دمشق” عبر “البطاقة الذكية” يُقدّر بـ 16 ألفا و500 ليرة سورية بوزن 10 كيلوغرامات، وأسطوانة “الحر” من داخل وخارج البطاقة للوزن نفسه بقيمة 51500 ألف، بجانب التفاوت في سعره بين معتمد وآخر.
الأزمات المتعاقبة لفقدان الوقود في سوريا أدت إلى خلق شريحة من التجار والسماسرة الذين هم تابعين بشكل أو بآخر للسلطات الحاكمة في البلاد، الذين يستفيدون من رفع الأسعار نظرا لما يحققه ذلك لهم من عوائد مالية كبيرة. كما ويخلق أزمة مواصلات حادة، وهو ما يزيد من أعباء المواطنين.
إن احتكار مادة المازوت من قِبل أصحاب محطات الوقود، وسط غياب الرقابة الحكومية، يهدد بأزمة مازوت جديدة مع قدوم فصل الشتاء في الثلاثة أشهر القادمة، وبالتالي سيضطر نسبة كبيرة من المواطنين إلى البحث عن بدائل، منها شراء الحطب للسخانات التي تعمل بالمازوت، والغاز، والكهرباء، نظرا لأنه ليس بمقدور الجميع شراء مازوت التدفئة من السوق السوداء.
المشكلة لا تنتهي هنا، فمع اقتراب فصل الشتاء وندرة المازوت، يتنامى تجارة الحطب مع بحث بعض السوريين عن وسائل تدفئة بديلة قبل حلول الأشهر الباردة، ويصل الطن الواحد من الحطب لأكثر من مليوني ليرة سورية، في حين أن الطن يكلف ما بين مليون ، و750 ألف ليرة، في المحافظات التي تكثر فيها الأحراج مثل منطقة حماة.
العديد من الخبراء والمواطنين، يلقون باللوم على الحكومة وسياساتها الخاطئة، التي أدت بالبلاد إلى أسوأ أزمة معيشية يعيشها السوريون اليوم. ولا يمكن حل الأزمة المعيشية إلا بمكافحة الفساد وتوفير المواد بأفضل الطرق، دون احتكارها من قِبل تجار الأزمات، فضلا عن برفع مستوى الرواتب بما يتناسب مع الواقع المعيشي، إلى جانب إجراء سياسات وخطط اقتصادية تنموية تساعد اقتصاد البلاد المتهالك على جميع المستويات.
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟
- معارك تعز ولحج.. هل يتغير مسار الحرب في اليمن؟
- مياه “علوك” لا تكفي الحسكة.. وكلفة الصهاريج تثقل السكان

