كثيرة هي التساؤلات التي تُثار بين السوريين عن مصير “حوت الاقتصاد السوري” ورجل الأعمال رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، خصوصا بعد أن بدأ مسلسل عزله عن الإمبراطورية الاقتصادية في سوريا قبل نحو أربع سنوات، في حين يعود آخر ظهور له إلى نيسان/أبريل الماضي، فما هو مصيره وهل من دور محتمل له خلال الفترة القادمة في سوريا.
آخر ظهور لرامي مخلوف كان عبر صفحته الشخصية، بمظهر المنجّم من خلال نشر تنبؤاته وتوقعاته، وهو أسلوب اعتمده الرجل منذ أن تم تضييق الخناق عليه من قبل السلطة في سوريا قبل سنوات، وعمد إلى نشر الأحاديث الدينية والآيات القرآنية، لافتا إلى “زهده في الحياة”.
مخلوف اعتاد الظهور بشكل دوري، والفترة التي امتدت لنحو أربعة أشهر هي أطول فترة مرت من دون أيّ ظهور له، الأمر الذي يطرح التساؤلات حول مصيره، خصوصا بعد أن كشفت مصادر خاصة لـ”الحل نت” عن دور محتمل لشقيق الرئيس السوري ماهر الأسد في إبعاد رامي مخلوف عن الواجهة الاقتصادية في البلاد.
مصير رامي مخلوف
مصادر “الحل نت” كشفت معلومات جديدة حول مصير مخلوف، حيث أكدت أن الأخير ما زال تحت الإقامة الجبرية في قصره في منطقة الصبورة قرب العاصمة دمشق، وهو ممنوع من ممارسة أي نشاط خارج قصره ولديه تواصل محدود مع أشخاص معيّنين.
المصادر المقربة من مخلوف، كشفت كذلك عن انتهاء دور الرجل بشكل كامل ونهائي من الاقتصاد السوري، وذلك منذ أن بدأت قصته مع ماهر الأسد الذي عمد إلى كشف اختلاسات بقيمة 300 مليون دولار أميركي، من قبل شقيق رامي وهو إيهاب مخلوف، الأمر الذي أشعل الخلافات بين آل مخلوف وآل الأسد.
بعد ذلك حاولت زوجة الرئيس السوري أسماء الأسد التدخل، للمشاركة في إزاحة مخلوف، وبدأت بالسيطرة على جمعية “البستان” الخيرية بعد كشف تزوير رامي مخلوف، لأسماء عشرات الآلاف من المستفيدين المسجّلين في الجمعية، حيث اتضح فيما بعد أنها أسماء وهمية وجميع المساعدات تذهب إلى حساب رامي مخلوف، الأمر الذي زاد من حدة الخلافات، واستفادت من ذلك أسماء الأسد بشكل كبير.
المصدر أضاف حول ذلك، أن “بشار الأسد بدأ بالانزعاج بشكل حقيقي، وتم الضغط على رامي مخلوف لكشف السرقات، سرقات كثيرة ظهرت. أسماء الأسد بدأت تسيطر ع جمعية البستان وتزاحم عن طريق أقاربها في مناصب اقتصادية، الأمور ساءت بين مخلوف والأسد، وبعد كشف السرقات تم إصدار القرار بتسليم الملف لأسماء، رامي حاول مقابلة بشار الأسد لكنه فشل وتم وضع رامي في الإقامة الجبرية وفتح القضايا المتعلقة بالاختلاس والإضرار بالاقتصاد الوطني”.
المصدر المقرب من عائلة مخلوف، أكد كذلك أن رجل الأعمال السوري رفض التسوية التي عُرضت عليه من قبل آل الأسد وبوساطة روسية، والتي تضمنت الاستيلاء على ثلثي ثروته، مناصفة بين آل الأسد وروسيا.
المصدر أكد أن أسطورة رامي مخلوف انتهت تماما في سوريا، “ونحن في عهد أسماء الأسد، آل مخلوف انتهوا بشكل كامل ولم يعد لهم أي وجود في الاقتصاد السوري كما كان عليه الوضع سابقا”.
وبحسب المصدر، “رفض رامي مخلوف التوقيع على الضمانات وهو داخل سوريا، وطلب الخروج من البلاد من ثم التوقيع، الأمر الذي رفضه الطرف المقابل لتبقى الأمور كما هي عليه الآن، ويتم وضع مخلوف تحت الإقامة الجبرية“، كما أكد المصدر أن مخلوف يتعرض للإهانة والضغط بشكل مستمر من قبل أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري.
مجددا لم تستبعد مصادر مقربة من مخلوف لـ“الحل نت“، أن يتعرض الأخير “لإيذاء جسدي بهدف الضغط عليه لتوقيع التنازل على ثروته وتصفيته بعد ذلك” حسب المصدر.
بداية الصعود
مسلسل “رحلة صعود رامي” بدأ عام 2000، عندما استلم بشار الأسد الحكم في سوريا، خلفا لأبيه الراحل حافظ الأسد، حيث بدأ مخلوف بالسيطرة على مفاصل الاقتصاد السوري بدعم من أبيه محمد مخلوف.
في البداية أسس مخلوف “راماك“، التي سيطرت على البوابات الحدودية كلها وعلى الأسواق الحرة، قبل أن تلحقها شركات أخرى، لكن ذروة إمبراطورية “فساده”، ظهرت للعلن بعد أشهر قليلة من حصوله على عقد احتكاري لإنشاء “سيريتل” واحتكار قطاع الاتصالات اللاسلكية عام 2001.
استخدم مخلوف، مسؤولي المخابرات لترويع خصومه من رجال الأعمال الآخرين داخل سوريا، فكان لا بدّ من أي رجل أعمال يريد الاستثمار في المجال الاقتصادي في سوريا، الرجوع لمخلوف، لأخذ الموافقة على مشاريعهم، وكثير من رجال الأعمال اضطروا لمشاركة مخلوف في في تلك المشاريع، من أجل السماح لهم بالعمل في البلاد، بينما عزف الكثير عن العمل في سوريا، وفضلوا الخروج منها على مشاركة مخلوف.

وفقا لصحيفة “فاينانشال تايمز“، فإن لدى رامي مخلوف، “العديد من المصالح التجارية والتي تشمل الاتصالات السلكية واللاسلكية والنفط والغاز، والتشييد، والخدمات المصرفية، وشركات الطيران والتجزئة“.
وقد حاول مخلوف السيطرة على قطاع تجارة السيارات، لكنه اصطدم بشركة أبناء عمر سنقر، الوكيل الحصري لسيارات “مرسيدس” الألمانية، وقد وقفت “مرسيدس” إلى جانب سنقر، ما دفع الحكومة السورية آنذاك لإلغاء الوكالات الحصرية، وفرض عقوبات على “مرسيدس“.
كما استولى مخلوف، على وكالة “بي إم دبليو”، وصارت وزارة الدفاع ملزمة بشراء السيارات للضباط المسرّحين والمتقاعدين برتبة لواء وعميد منه. كما أسس مخلوف شركة خاصة لمراقبة تطابق السيارات المستوردة مع المواصفات الحكومية، بالشراكة مع إميل لحود.
عام 2008، فرضت واشنطن على رامي مخلوف، عقوبات بتهم الاحتكار والترهيب، بعدما انتبهت لنشاطاته المشبوهة. ومع ذلك، أسس شركات بواجهات اقتصادية مختلفة حول العالم، ولفتت صحيفة “فايننشال تايمز“، إلى أن مخلوف كان حتى عام 2011 يتحكم بـ 60 بالمئة، من الاقتصاد السوري.
قد يهمك: “صار برا الحكومة خبير”.. الوزير المقال عمرو سالم يكشف أسباب انهيار العملة
بعد اندلاع الاحتجاجات ضد الحكومة السورية، أواخر الربع الأول من عام 2011، أعلن مخلوف في مؤتمر صحفي، أنه اعتزل العمل في الاقتصاد والأعمال التجارية، مؤكدا أنه اتجه للعمل الإنساني، وأسس جمعية “البستان الخيرية“، التي لم تكن إلا غطاء جديدا لتمويل أعماله، وموّلت ميليشيات مسلحة بحسب تحقيقات صحفية حول الجمعية.
جمعية “البستان الخيرية“، كانت الذراع الأبرز لرامي مخلوف في المجال الإنساني، لكن هذه الجمعية وبعد انقلاب الأسد على ابن خاله، أصدرت في أيار/مايو 2020، بيانا أكدت فيه أنها تعمل تحت إشراف ومتابعة من الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك بعد ساعات من إعلان رامي مخلوف تقديم ما يقارب مليار ونصف المليار ليرة سورية، لـ “الجمعية“.
ذلك يأتي في إطار الحرب التي تشهدها سوريا للسيطرة على الموارد الاقتصادية في البلاد، حيث أصدرت حكومة دمشق قرارا بمنع “مخلوف”، من مغادرة سوريا إلى حين تسديد ما عليه من مبالغ مستحقة على شركة “سيريتل”، لصالح “الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد“، وقبلها أصدرت قرارا بالحجز الاحتياطي على أموال مخلوف، وأموال زوجته وأولاده، إضافة لحرمانه من التعاقد مع الجهات العامة لمدة 5 أعوام.
في أيلول/سبتمبر من العام ذاته، غيّرت “جمعية البستان الخيرية“، مسماها رسميا إلى “مؤسسة العرين الخيرية“، وقالت مصادر محلية آنذاك، أنه تم تغيير اسم الجمعية عقب السيطرة عليها من قبل أسماء الأخرس زوجة الرئيس السوري بشار الأسد.
نهاية العلاقة مع الأسد
أوائل العام 2020، بدأت الحرب تشتعل بين مخلوف وعائلة بشار الأسد، لتنهي سنوات طويل من السيطرة الاقتصادية لمخلوف على “الغرفة المالية للقصر الجمهوري“، حيث استطاعت “أسماء الأخرس” زوجة الرئيس السوري “بشار الأسد”، عبر تحركات متعددة مجابهة نفوذ مخلوف.
في خطوة غير متوقعة، حجزت دمشق على أموال مخلوف وأولاده وزوجته بما فيها أسهمه في 12 مصرفا عاملا في سوريا، وأطلقت يد الأمن الطولى على شركاته.
ثم تتالى ظهور مخلوف مثيرا الكثير من اللغط بين السوريين، ومحاولات الاستنجاد بالشريحة الموالية له. كما أحرجت منشوراته “الفيسبوكية”، بشأن تهريب الأموال عائلة الأسد.
أسماء الأسد وجهت لمخلوف على ما يبدو، في النهاية الضربة القاضية إثر تعيين رئيس جديد لمجلس إدارة شركة “سيريتل“، بعد رفع الحراسة القضائية عن الشركة، منتصف شهر تموز/يوليو الماضي.
كما بدأت بالاستيلاء على العديد من الشركات القابضة لرامي مخلوف، وتعيين مدراء جدد من طرفها، بهدف إقصاء مخلوف عن المشهد الاقتصادي السوري.
حقق تيار أسماء الأسد، الهدف الأكبر له من خلال السيطرة التامة على “سيريتل“، ما يتيح لها خلال الفترة القريبة المقبلة بتفعيل عمل “وفاتيل” والتي تقول عنها مصادر لموقع “الحل نت”، بأنها الشركة البديلة عن “ايماتيل”، حيث كان من المقرر أن تتولى هي عملية إطلاق المشغل الجديد للاتصالات.
رامي مخلوف، كان قد تحدث في مقاطع فيديو ظهر فيها في أيار/مايو 2020 وهو يستنجد بالرئيس السوري بشار الأسد بعد ادعاءاته بوجود تهديدات ومضايقات أمنية تتعرض لها شركاته، فيما أرجع محللون في حينها أن انفجار قضية رامي مخلوف، جاء نتيجة الإفلاس الذي وصلت لها مؤسسات الدولة، واشتكى مخلوف ممّن وصفهم بـ “أثرياء الحرب“، مشيرا إلى أنهم استولوا على ممتلكاته وشركاته في سوريا، ومعتبرا أن هذا الأمر يشكل “أكبر ملف فساد في تاريخ سوريا“.
مخلوف قال في رسالته آنذاك، إن تلك “العصابات” استولت على شركاته وأملاكه، وأنه بات “محاصرا” لا يستطيع تنظيم، أو تعيين أي محامي، أو رفع أي دعوى للدفاع عن نفسه، ولا اتخاذ أيّة إجراءات، أو وضع أي إشارات تحفظ حقوقه أو أملاكه.
مخلوف اشتكى أيضا من تمتع تلك “العصابات” بسلطات واسعة، من أهمها السلطة الأمنية، واعتبرها سيف مسلط على رقاب الجميع دون استثناء، فضلا عن قدرتها على توقيف أيّ معاملة له أمام أي جهة حكوميّة، فضلا عن انتهاجها أسلوبا جديدا وصفه بـ “السابقة الإجرامية“، من خلال تزوير العقود، ووكالات البيع وتسجيلها بتواريخ قديمة.

