استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لوفدا من “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، الواجهة السياسية لجماعة “الإخوان المسلمين”، يُعتبر خطوة قد تشكل عقبة في طريق التقارب المصري التركي، بعد قطيعة دامت لسنوات طويلة، إثر قيام أنقرة بحرب إعلامية ضد القاهرة وتوفير ملاذات آمنة لقيادات جماعة “الإخوان” المصنّفة إرهابية في مصر كما في عدة دول عربية.

من التفاهمات المصرية التركية أن ترفع أنقرة يدها عن جماعة “الإخوان”، لكن التقارير التي تحدثت عن تطمينات من الجانب التركي لأعضاء “الإخوان” بأنهم لن يتعرضوا لأي شيء يهدد أمنهم أو ترحيلهم إلى مصر، تشير إلى أن أنقرة لا تريد أن تفقد ورقة الضغط هذه من يديها، مما يثير عدة تساؤلات تتعلق بتأثير هذه الخطوة على مسار التقارب المصري التركي، وما إذا سيكون هناك جمود في تقدم العلاقات بين البلدين بسبب ملف تنظيم “الإخوان”.

دلالات لقاء أردوغان بـ”الإخوان”

طبقا لما أعلنت عنه “الرئاسة التركية“، مؤخرا، التقى أردوغان، وفدا من “اتحاد علماء المسلمين”، ضم أكثر من 20 شخصا من مختلف دول العالم، واستغرق اللقاء ساعتين كاملتين، وتم فيه مناقشة أوضاع وقضايا تخص المسلمين، لاسيما من هاجروا لتركيا.

بحسب الصور الخاصة باللقاء فقد ضم الوفد قيادات “إخوانية” من مصر واليمن وليبيا وموريتانيا فيما خرج الدكتور محمد الصغير، عضو الوفد والقيادي بجماعة “الإخوان” في مصر والهارب لتركيا، وقال إن اللقاء كان كريما واستقبل الرئيس التركي الوفد استقبالا كريما واحتفى به ووعد خيرا نحو كل ما عُرض عليه من أمور، وخاصة قضايا المهاجرين إلى تركيا وأوضاعهم.

يأتي هذا اللقاء بعدما تصاعدت عمليات إعادة وترحيل اللاجئين من تركيا، خلال الأسابيع القليلة الماضية، تزامنا مع تصريحات لوزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، والذي أكد فيها أن بلاده تكافح المهاجرين غير الشرعيين، وأنه أعدّ خطة للتخلص منهم في غضون 4 إلى 5 شهور، ومنهم بالطبع عناصر من جماعة “الإخوان”.

استضافة تركيا لعناصر وقيادات من “الإخوان”، كانت واحدة من أسباب توتر العلاقات بين القاهرة وأنقرة. وقبل أيام وبعد إعلان مصر وتركيا رفع علاقاتهما الدبلوماسية لمستوى السفراء، فرضت تركيا قيودا جديدة على أنشطة جماعة “الإخوان” وعناصرها المقيمين في الأراضي التركية.

إلا أن أردوغان تعهد خلال لقائه الأخير لوفدٍ من القيادات الإخوانية بعدم ترحيل بعض المهاجرين العرب، في إطار الحملة التي تنفذها السلطات الأمنية التركية لترحيل مهاجرين لا يملكون إقامات شرعية.

الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد سلطان، يقول إن غالية أعضاء الوفد كانوا إما محسوبين على جماعة “الإخوان” أو مقربين منهم، وقد ناقشوا ملفات عدة تتعلق بدعم المهاجرين وليس فقط الحملة الحالية التي تشنّها السلطات التركية على المهاجرين غير الشرعيين.

سلطان، أردف لموقع “الحل نت”، أنه تم إنشاء لجان تنسيق بحيث يتم خلالها حلّ أي مشكلات تواجه المهاجرين، ولكن ضمنيا جماعة “الإخوان” بفروعها المختلفة تندرج ضمن ملف المهاجرين، مشيرا إلى أن “الإخوان” لم يتأثروا تقريبا بالحملة التي أطلقتها تركيا مؤخرا ضد المهاجرين غير الشرعيين، باعتبار أن أعضاء هذه المنظمة يتمتعون بمعاملة تفضيلية أو استثنائية.

حتى أعضاء التنظيم الذين تم تعليقهم من الذين انتهت مدة إقامتهم في تركيا أو الذين لا يحملون أوراق إقامة قانونية، فقد تمّ حلّ مشاكلهم ولم يتم ترحيل أي منهم، على عكس بعض الآراء والتكهنات التي قالت إن أعضاء الجماعة الإسلامية مجموعة سيتم القبض عليهم ومن ثم ترحيلهم إلى مصر وهذا ليس مطروحا من الجانب التركي، الأمر الذي يبرر في مفاوضاته مع القاهرة أن القانون التركي يحظر اتخاد إجراءات ضد جماعة “الإخوان” من حيث ترحيلهم أو سحب الإقامات منهم، وجميع المبررات التي يسوقها الجانب التركي كما العادة.

هذا وكشف الدكتور علي القرة داغي، أمين عام “اتحاد علماء المسلمين”، والذي كان ضمن الوفد الذي التقى أردوغان، أن الرئيس التركي خصص خطا مباشرا للوفد من أجل التواصل مع رئاسة الجمهورية في حال وقوع أي تجاوزات تطال المهاجرين، ويقصد بهم عناصر “الإخوان” وتحديدا من مصر وسوريا.

القرة داغي، بحسب تدوينة على صفحته على منصة “تويتر”، قال “إن أردوغان تعهد بأن يبقى قلب تركيا مفتوحا لمن آوى إليها، وإن الأخوة الإسلامية والإنسانية هي من تحكمنا في هذا الملف”.

مسار التقارب المصري التركي

التقارب المصري التركي أثار مخاوفا وبعث بضغوط جمّة على جماعة “الإخوان”، سواء من الناحية التنظيمية والحركة أو السياسية والأيدولوجية، خشية اتجاه السلطات التركية هناك لترحيلهم إلى مصر، حيث يواجه كثير منهم أحكاما جنائية، ومنهم من متورط في قضايا إرهابية. فالجماعة تقع تحت وطأة أزمات عنيفة تجعل دورها الوظيفي يتلاشى وتضعها في أسوأ فترات تاريخها، حيث لم يعد لها ثمة وجود أو تأثير، حتى أن القواعد تفككت تنظيميا من نطاقات سيطرة القادة، للمرة الأولى تاريخيا. وبنفس درجة تباعد القاعدة “الإخوانية” عن قمة الهرم التنظيمي، انقسم رأس التنظيم وتشظى لمحورين أحدهما في إسطنبول والآخر في لندن.

السلطات التركية فرضت قيودا مشددة على تحركات عناصر مدانة بالإعدام وتابعة للجماعة أو موالية لها مثل نصر الدين فرج الغزلاني ومجدي سالم ومحمد عبد المقصود وإسلام الغمري ومصطفى البدري، كما رفضت منح الجنسية لعنصر “إخواني” وهو الدكتور محمد إلهامي الذي يتولى إدارة مركز تابع للجماعة والتوثيق والتأريخ لها ومن قبله رفضت منح الداعية المصري “الإخواني” المدان بالإعدام وجدي غنيم جنسيتها، كما نزعت الجنسية من نصر الدين غزلاني المدرج اسمه في قوائم الإرهاب الأميركية لصلاته بتنظيم “القاعدة”.

وزيرا الخارجية التركي والمصري خلال لقائهما في أضنة-” أرشيفية-أ.ف.ب”

كما أن “جبهة إسطنبول” الإخوانية، شرعت بالفعل في تحويل مسارات الأوعية المالية الخاصة بها من تركيا إلى أماكن أخرى، بعد قيام السلطات التركية بمتابعة حركة هذه الأموال، كما تقلص نشاط هذه الجبهة في تركيا إلى حد كبير؛ ما يعني أن الملاذ الآمن بات مجرد مكان للإيواء ليس إلا، وهو ما دفع منابر التنظيم الإعلامية إلى ترك تركيا، والتوجه إلى لندن ومناطق أخرى.

بحسب العديد من التقارير الإعلامية فإن السلطات التركية كثّفت خلال الشهرين الأخيرين حملاتها، ومداهماتها ضد عناصر “الإخوان” في تركيا، وقامت باحتجاز نحو 60 عنصرا من الجماعة،  بينهم عاملون في المنصات الإعلامية للتنظيم، لا يحملون هويات أو إقامات أو جنسيات. كما قررت أنقرة إيقاف عمليات التجنيس والإقامات الإنسانية، والتنبيه على قيادات التنظيم بوقف استقدام أي عناصر أخرى للبلاد.

في سياق تأثير تحرك أردوغان للقاء بقيادات “الإخوان” وطمأنتهم بشأن الحملة ضد عناصرهم، فمن غير المرجح أن يكون له تأثير جوهري على مسار التقارب المصري التركي، بالنظر إلى أن الدولتين بشكل أساسي قررتا تجاوز ملف “الإخوان” والتركيز على ملفات إقليمية أكثر أهمية، مثل التعاون بين البلدين، أو في ملف ليبيا، وفق تحليل سلطان.

بحسب تقدير سلطان، فإن الملف الاقتصادي هو قاطرة ملف التقارب بينهما، وأيضا في ظل المتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية لن يكون هناك ركود في ملف التقارب بين البلدين. وعلى كل حال فإن هذا اللقاء يبعث بإشارات سلبية للجانب المصري، بأن الحديث التركي عن تقليص نشاط ودور “الإخوان” ليس حديثا جادا، وأنقرة لديها سياسة براغماتية تلعب عليها وتوظفها من وقت لآخر، وهي تركز على مصالحها فقط.

استخدام ورقة “الإخوان”

سلطان نوّه أيضا إلى أن أنقرة لم تغير موقفها من جماعة “الإخوان” بشكل جذري، ومازالت هي الملاذ الآمن الأكبر والأهم بالنسبة إليهم، والحملات التي طالت عناصر التنظيم قصدت المهاجرين أساسا، وعدم ترحيل أي منهم لمصر دليل على ذلك.

الحملة التي قامت بها تركيا مؤخرا ضد المهاجرين غير الشرعيين واحتجاز أعضاء من “الإخوان”، وفق اعتقاد سلطان، هو نوع من المغازلة للتيار القومي وحاجة أردوغان لهذا التيار، بسبب قرب الانتخابات البلدية. وهذا التيار لا يرحّب بالمهاجرين، وخصوصا الجماعات الإسلامية.

عن دلالة تطمينات الرئيس التركي للجماعة الإسلامية فهي محاولة من أردوغان لاحتواء حالة الغضب السائدة بين أنصاره في صفوف الجماعات الإسلامية، وخاصة جماعة “الإخوان”، بعد الذي حدث مؤخرا من خلال ما بدا أنه تغيير في نهج تركيا في التعامل مع المهاجرين بما في ذلك التنظيم الإسلامي وحالة التوتر التي حصلت عليها، طبقا لسلطان.

يقول سلطان، في هذا اللقاء تم الاتفاق على ملفات عديدة بين أردوغان وجماعة “الإخوان”، من بينها عدم ترحيل أي من أعضاء الجماعة، بالإضافة إلى الحديث عن مشاريع مستقبلية مثل إنشاء جامعات عالمية يكون مقرها في اسطنبول على غرار جامعة “الأزهر” في مصر، وهو ما يشير إلى استمرار “الإخوان” في إنشاء مرجعية موازية مرتبطة بالجماعة أو محسوبة عليها.

التقارب المصري التركي يأتي في ظل جملة من الأزمات والأوضاع المرتبكة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتزامن الأزمة الاقتصادية في مصر مع أزمات أخرى في الداخل التركي، يحاول نظام أردوغان التعاطي معها عبر العودة إلى انتهاج استراتيجية صفر مشكلات، واتباع براغماتيه كما العادة.

يبدو بالفعل أن تغيير سياسة تركيا تجاه التعامل مع ملف دعم جماعة “الإخوان”، والذي يعد من النقاط الخلافية بينها ومصر، لا يمكن التعويل عليها كثيرا. فأنقرة تمارس سياسة مصالحات براغماتية مؤقتة تخضع للظروف المباشرة ولغة الأرقام.

لكن في العموم، يبدو أن ورقة “الإخوان” باتت محترقة، لا سيما وأن أردوغان يسعى اليوم إلى توسيع علاقته مع الإمارات والسعودية، وبالتالي سوف تحاول اختزال دعمها للتنظيم إلى أقصى حد ممكن، لكن ليس لحد أن تسلّم قيادات الجماعة إلى مصر، نظرا لأنه في النهاية لا يريد أن يفقد ورقة الضغط هذه من يده، حتى وإن أصبحت غير ذا قيمة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة