تتسلسل الدعاية الإرهابية لتنظيم خطير مثل “داعش” من إنشاء فيديو على جهاز خاص، ثم كتابة سطور حوله، وإنشاء صفحة خاصة على مواقع تحمي النصوص المجهولة الهوية مثل “جيست بيست”، ثم رفعه ونشر الروابط على وكالات إعلامية وإرسال التغريدات الخاصة به، والدفع بمعلومات مستمرة لتلك المواد لتعطي صورة لمتابعي هذه المواقع أن التنظيم يستحق الانضمام.

“داعش” ونشر الأفكار المتطرفة

يُعتبر نشر الأفكار المتطرفة هو الهدف الأسمى لتسلسل الدعاية الإرهابية لـ”داعش”، وهو المعركة الرقمية الكبيرة المستمرة، وتشير الأبحاث الحديثة لليوروبول إلى أن أكثر من 150 من منصات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة لا تزال تُستغل من قِبل الجماعات المتطرفة العنيفة.

ويعكس متابعة المحتوى الإعلامي لـ”داعش” في الفضاء الافتراضي أن لديه نوعان من الرسائل حسب الجمهور المستهدف، وهما: الرسائل الإيجابية التطمينية. ورسائل عنيفة أو ترهيبية، فأما الأولى فتتضمّن فيديوهات لشبابٍ حسن المظهر مهندمي الثياب، شكلهم كأي شاب وسيم في بلاد العالم أجمع ويتكلمون عن ضرورة وأسباب انضمام الفرد لـ”داعش”، ما يظهره كحركة اجتماعية إنسانية عالمية تطالب بالعدل، والحق وليست منظمة إرهابية.

والثانية رسائل عنيفة أو ترهيبية، تتضمن الأعمال الوحشية ذات الإطار الوحشي المُصاغ بشكل مسرحي استعراضي مناسب للاتجاهات السائدة كشيء شائع، ومحبوب بشكل مألوف للأفراد من كل أنحاء العالم، يعمل على تسهيل تقبلهم ذلك في الأشياء التي يستهلكونها سواء في ألعاب الفيديو أو في الأفلام والمسلسلات أو يشاهدونها في الأخبار، حيث يتم التركيز على المشاهد التي ينتصر فيها مقاتلو التنظيم والمشاهد التي يقاتلون فيها بشجاعة.

وعقب انحسار التنظيم أصبح الإعلام يحقق له عدداً من الأهداف أهمها القرصنة، التي يتم التخطيط لها عبر العالم الافتراضي وتتسم هيكلتها بالتعقيد، وهي عبارة عن مجموعات متخصصة في هذا الشأن، وقد بدأ تشكيلها بحلول أوائل عام 2016، وتنقسم إلى أربعة أقسام هي؛ “قسم الخلافة الشبح” و”جيش أبناء الخلافة” و”جيش الخلافة الإلكترونية” و”فريق الأمن الإلكتروني”.

وكلهم اتّحدوا في نيسان/ أبريل 2016 باسم “الخلافة الإلكترونية الموحدة”، والهدف الثاني هو إدارة الأعمال القتالية، وهي التي تتصل بشكل مباشر بما يسمى في الهيكلة جناح العمل الخارجي، وتنقسم إلى: أ. المبتدئون المنفردون. ب. العمل المسلح الحر. ج. العمل النوعي الخاص (للمحترفين المتواصلين مع التنظيم). د. ومجموعات المناطق المركزية في العراق وسوريا. هـ. مجموعات الأذرع والولايات.

ويتم إدارة العمل الدعوي عن طريق مخططينَ افتراضيينَ مختصينَ في إعلام التنظيم، وهو الذي يهدف لتحقيق أقصى استفادة من إمكانات الغرف المغلقة، التي أنشأها من أجل الترويج، الذي لا يزال يتم عن طريق وكالاته الرئيسية مثل (الفرقان ميديا) وهو هو الفرع الإعلامي القيادي الرسمي، وكذا “مركز الحياة” الإعلامي، و”وكالة أعماق”، التي تغطي أخبار العمليات التي ينفذها في جميع أنحاء العالم، ثم “صحيفة النبأ” الإلكترونية الأسبوعية التي تصدر كل يوم خميس.

وكذلك عن طريق قناة إعلامية رسمية لكل ولاية تقدم بيانات رسمية مشتركة وتقارير مصورة ومقاطع فيديو من أجل الترويج لقيادة التنظيم، وعمليات أفرع التنظيم، وانتصارات مقاتليه والترويج للتباينات الفكرية مع تنظيم “القاعدة” والتنظيمات الأخرى، وصورته المتماسكة رغم فقده التمكين والتماسك.

عقب انحسار تنظيم “داعش” أصبح الإعلام يحقق له عدداً من الأهداف أهمها القرصنة- “إسلام تايمز”

وتتسلسل الدعاية الترويجية في عمليات الترويج بدءا من المقدمة، والافتتاحيات، والأسلوب الدموي، والتصميم الجرافيكي والقدرة على استهداف جمهور جديد يجعله مورداً جديداً، ثم تكريس خطوط إنتاج دعائية، وصناعة “مجتمع متخيل”، وفق ما ذكرته ريفا كاستوريانو وساينس بو، في دراسة لمركز البحوث الدولي، (CERI) بباريس.

يقول الباحث المغربي رشيد العزوزي في دراسة لـ”مركز المسبار” للبحوث، إن “داعش يعتمد الآن على تطبيقات أخرى مثل تلغرام، وتيك توك، وتام تام، وأمازون درايف، ويمكن أن يكون هذا التوجه نابع من أسباب تتعلق بصعوبة اختراق هذه المواقع، وسهولة استخدامها من أجل الاستقطاب والتجنيد، وكان ظهور البغدادي في 29 نيسان/ أبريل 2019 عبر تطبيق تلغرام، هو بداية مؤكدة لاستخدام التطبيق، أما (أمازون درايف)، فإن أعضاء التنظيم يقومون برفع الفيديوهات التي يقومون بإنتاجها عليها، ثم يتم توزيعها من خلال الاستعانة بتطبيق التلغرام”.

الدعاية من أجل التجنيد والاستقطاب

يمكن تصنيف الأفكار والرسائل التي حرص إعلام التنظيم تصديرها خلال السنوات الماضية أنها تعمل على تخوين المخالفين وإسقاط شرعيتهم، وتفنيد الاتهامات الموجهة له، وادعاء المظلومية، والرسائل الداخلية للمقاتلين والأتباع من أجل إشعارهم أنهم غير مهزومين، والاحتفاء بالتقارير الصحفية والاستخباراتية التي تتحدث عن قوة التنظيم واحتمالية عودته، وتقديم سردية التنظيم ورواية تجربته في العراق وسوريا، وكذا التحريض على العنف وبثّ خطاب الكراهية والتكفير، والهجوم على الفصائل الأخرى، والدعوة لاقتحام السجون وتحرير الأسرى التنظيم.

ويعتبر الهدف الرئيسي في تسلسل العمليات الإعلامية لـ”داعش” هو جذب المجندين الجدد، بعيداً عن بؤر التجنيد التقليدية؛ المساجد والجمعيات الخيرية والإغاثية والثقافية الإسلامية والجامعات والمعاهد والمدارس الدينية ورحلات الحج والعمرة والمعسكرات الصيفية والكشفية والصالات الرياضية، عبر خطاب أيديولوجي يركز على التهوين من شأن المتنافسين معه، وعدم الاعتراف بالهزائم، والتهديد بالفئات الشعبية المتعاونة والمساعدة للأجهزة الأمنية ومحاولة تحييد العشائر والشخصيات المؤثرة ضمن مناطق عمليات وتحرك الخلايا المرتبطة به.

رصد تنظيم “داعش” مبالغ کبيرة لتمويل القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والمواقع الرقمية عبر شبكة الإنترنت.

طارق جمعة، المختص في الجرائم الإلكترونية لـ”الحل نت”

ويستخدم “داعش” في عملياته الإعلامية هاشتاغات على منصات مثل “فيسبوك” و”إكس” (تويتر سابقاً)، و”تليغرام”، إضافة إلى الصفحات الخاصة، والمجلات التي عمّد إلى إصدارها سواء شهرية أو أسبوعية، التي يحترف فيها استخدام عناوين مؤثرة باقتباس بعض العناوين من القرآن، أو ربط هذه العناوين بتاريخ الإسلام وبطولاته ومنها على سبيل المثال: “فتربصوا أنا معكم متربصون” و”هذا وعد الله” وهو إصدار مرئي يوضح سير المعارك في جبل مكحول، وغيرها الكثير.

يقول اللواء دكتور طارق جمعة، المختص في الجرائم الإلكترونية في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، رصد تنظيم “داعش” مبالغ کبيرة لتمويل القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والمواقع الرقمية عبر شبكة الإنترنت، فأعلن عن إصدار أول صحيفة باسم “دابق”، وستوديو “أجناد”، وقناة “الفرقان” وقناة “الاعتصام” وقناة “الحياة”، ويعتمد على الاستخدام المكثف لهذه القنوات للترويج لأفكاره ولعملياته على الأرض.

وفيما تتوالى تلك العمليات الإعلامية ينتج داعش أيضاً وثائقيات تصوّر عملياته وألعاب إلكترونية قتالية تحاكي استراتيجيته في عمليات القتال، وقنوات افتراضية هدفها التركيز على الأخبار العاجلة التي لا يتعدى مداها الزمني 48 ساعة، لإعلام أفراده بتحركاته، وکذلك لتشتيت القوات الأمنية، وتثبيط نجاحاتهم ضده، وتوصيل رسالة مفادها أن التنظيم مازال موجوداً، طبقا للمختص في الجرائم الإلكترونية.

علاوة على ذلك، نشر المعلومات عن العمليات التي يقوم بها باقي “الذئاب المنفردة”، وتبني التفجيرات الإرهابية حتى ولو كانت خارج تمركزه الرئيسي، يضيف المختص في الجرائم الإلكترونية، اللواء الدكتور طارق جمعة.

وسائل الإعلام الداعشية تلعب الدور الأبرز في مهمة التعريف بالأفكار المتطرفة، والتوصيل، والتشبيك- “الصورة من الإنترنت”

ومن حيث ماهية استراتيجية الاستقطاب والتجنيد، فإنها “تعني بصناعة إرهابي ملهم. عن طريق توجيه الأفراد من خلال التطبيقات المشفرة، ومساعدتهم في التخطيط لكل خطوة”، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن “إليزابيث كيندال” الخبيرة في مجال التطرف بجامعة أكسفورد، “أن داعش يستخدم أغنيات وأناشيد من أجل نشر الأيديولوجية. وأغرق المتابعين بموجات تلو الموجات بمحتوياته، عبر شبكات رئيسية باللغة العربية، وأخرى موازية تعمل باللغات الألبانية والتركية والصومالية والإثيوبية والإندونيسية، وعن طريق وضع علامات ترقيم عشوائية في محاولة لـ “إخفاء الهوية”، مما يربك الأنظمة الآلية التي تفحص المشاركات بحثاً عن كلمات رئيسية مشبوهة، مثل “الدولة الإسلامية” أو “القتل”، التي من شأنها أن تفسر هذه المنشورات على أنها سلسلة من الكلمات غير المكتملة، مثل افتتاحه مقطع فيديو لفرع اليمن بجزء مدته 36 ثانية من فيلم وثائقي بريطاني.

من هنا، فإن وسائل الإعلام الداعشية تلعب الدور الأبرز في مهمة التعريف بالأفكار المتطرفة، والتوصيل، والتشبيك، بين المستقطبين الجدد والتنظيمات المتطرفة، ويزيد عليها عمليات ترويجه للمواد الأيديولوجية، والقرصنة، والتمويل، عبر تلك الغرف المغلقة، التي تجمع القريبين فكرياً وتحولهم إلى متطرفين عنيفين.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة