يسأل أحمد في رسالة نصية أرسلها عبر تطبيق “واتساب”، إن كان بإمكان أحد أن يؤكد له خلوّ الطريق إلى منزله من وجود أي “بسطة”، الوقت الآن بعد منتصف الليل بقليل، وقد أنهى الشاب السوري الذي يبلغ الخامسة والعشرين من العمر عمله للتو، ويريد الذهاب إلى منزله لينام قبل أن يعود إلى العمل في صباح اليوم التالي، لكن أي أحد لا يرد على: 

  • كيف الوضع قدام الفرن اللي على الدوار الكبير شباب؟

“البسطة” هو مصطلح اتفق لاجئون سوريون على استخدامه، كبديل لكمة دورية شرطة أو حاجز تفتيش عن المهاجرين غير الشرعيين في إسطنبول، تعبير يحميهم كما يظنون من المساءلة القانونية، أثناء تبادل المعلومات عبر تطبيقات المراسلة الفورية أو مواقع التواصل الاجتماعي.

لا يجيب أي عضو في مجموعة الـ “واتسأب” على رسالة أحمد فيعيد الإرسال:

  • مشان الله يا شباب كيف وضع الطريق؟

 يجيب عليه شاب آخر:

  • يا أخي الناس كلها صارت ببيوتها، روح على بيتك واتكل على الله

 رسالة لم تعطي أحمد أي تأكيد، عليه الآن التوجه إلى المنزل بلا معلومات مسبقة.

منذ تموز 2023، وبعد أن أطلقت “الحكومة التركية” حملة أمنية خاصة بالمهاجرين غير الشرعيين، أنشأ لاجئون سوريون مجموعاتهم التي حملت اسم “وين البسطة اليوم”، وهي فعّالة على “تلغرام” و “واتسأب” و” فيس بوك” على الأقل، وانضم إليها المئات منهم في إسطنبول وحدها، فيما أُطلقت مجموعات أخرى في ولايات مثل أزمير وغازي عنتاب وأنقرة، لذات الهدف وبذات الاسم، وهو تجنّب دوريات التفتيش التي تبحث عن اللاجئين “المخالفين” وتقتادهم إلى مراكز الترحيل أو تعيدهم إلى ولايات حصلوا منها على بطاقة الحماية المؤقتة الخاصة باللاجئين.

يحمل أحمد بطاقة “الحماية المؤقتة” من ولاية سكاريا شمال غرب تركيا، وبموجب القانون، لا يسمح له بالإقامة أو العمل أو حتى زيارة إسطنبول وأي ولاية أخرى، دون الحصول على موافقة مسبقة، تسمى “إذن السفر” والتي، أي البطاقة تحتاج لوثائق رسمية أخرى كي تُمنح للاجئ السوري، بالتالي أي دورية شرطة ستوقفه مباشرة وتنقله إلى مركز الهجرة وقد يرحل إلى الشمال السوري، رغم أن القانون حول التنقل دون إذن بين الولايات ينصّ على مخالفة مالية فقط، إلا أن عمليات الترحيل القسري التي يزداد عددها بحق اللاجئين السوريين، هي ما تخيف أحمد أكثر من غيرها.

الحملة الأمنية الحالية التي تلاحق “المهاجرين غير الشرعيين” ليست الأولى، سبقتها حملات تعود الأولى فيها إلى عام 2019، فيما أُعلن عن الحملة الحالية في تموز/ يوليو، الماضي، حين أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي قايا، مشيراً إلى سلسلة من الإجراءات التي ستُتخذ بحق المهاجرين غير الشرعيين والتي تصل إلى الترحيل، لكن حديث الوزير إلى صحيفة “حرييت” التركية، لم يذكر اللاجئين السوريين بأي شكل كان، واقتصر على “الأجانب الذي يدخلون البلاد بطريق غير شرعية، أو من تنتهي فترة تأشيراتهم أو إقامتهم”.

الوزير التركي، قايا، أعلن في أيلول/ سبتمبر الماضي عن أن عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم ترحيلهم، يصل إلى 42 ألفاً و 875 مهاجراً غير نظامي بين الأول من حزيران/يونيو و22 أيلول/سبتمبر 2023، دون أي إشارة لجنسياتهم.

الشرطة التركية تدقق بأوراق اللاجئين في اسطنبول (وكالات)

أسباب الحملة الأمنية

الناشط الحقوقي السوري التركي البارز طه الغازي، وفي حديث خاص لـ”الحل نت” يشرح أسباب الحملة الأمنية الحالية، يقول إنها ذات أسباب أي حملة أمنية سابقة تخصّ اللاجئين في تركيا، ألا وهو “استغلال ملف اللاجئين والمهاجرين والأجانب” من كافة القوى السياسية التركية.  ويضيف الغازي، إن أحزاب وتيارات “المعارضة” التركية استخدمت خطاب الكراهية والتمييز العنصري للتجييش ضد اللاجئين والأجانب في حال وصولها إلى السلطة، في كل الانتخابات السابقة من الرئاسية إلى البلدية حتى.

وفيما يتعلق بالتحالف الحاكم، يقول الغازي، إنه يتحمل مسؤولية التضييق على اللاجئين، فمراكز مؤسسة الهجرة التابعة لـ”وزارة الداخلية”، من خلال القرارات التعسّفية وغير القانونية التي تصدرها بحق اللاجئين، والتي رحّلت بموجبها العديد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، فهي تسعى للقول للمجتمع التركي، أنها ستقوم بترحيل اللاجئين السوريين، وهذا يتماشى مع ما قاله الرئيس التركي بشكل واضح خلال خطاب النصر بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين وعد بترحيل مليون لاجئ سوري.

لا يتوقع الغازي أن تتوقف الحملات الأمنية ضد المهاجرين غير الشرعيين، ولا خطاب التمييز ضدهم من قبل الأحزاب والتيارات السياسية في البلاد في المستقبل القريب، وهو لا يرى أن الانتخابات هي السبب فقط، فقرار إعادة اللاجئين والتضييق عليهم هو قرارٌ متّخذ بين كافة القوى السياسية المعارضة والحاكمة بشكل تام.

أحزاب وتيارات “المعارضة” التركية استخدمت خطاب الكراهية والتمييز العنصري للتجييش ضد اللاجئين والأجانب في حال وصولها إلى السلطة، في كل الانتخابات السابقة من الرئاسية إلى البلدية حتى.

الحقوقي طه الغازي

تنتظر البلاد انتخابات بلدية تُعتبر حاسمة بالذات في ولايتي إسطنبول وأنقرة، حيث يرغب حزب “العدالة والتنمية” الحاكم باستعادة الولايتين بعد أن فقدهما لصالح حزب “الشعب الجمهوري” عام 2019، ويرى الحقوقي طه الغازي، أن الحملة الحالية تتعلق مباشرة بهذه الانتخابات و التأثير على الناخب الذي أُشبع كلاماً عن أن مشاكله الاقتصادية سببها اللاجئون والأجانب.

الثامنة صباحاً في إسطنبول، تتلاحق الإشعارات الصوتية من المجموعة (وين البسطة اليوم؟)، يستفسرون، يحاولون معرفة كيف هي الصورة في محطات المواصلات العامة والطرقات الرئيسية في منطقة اسنيورت غربي اسطنبول، واحدة من الرسائل تستفسر عن وضع واحدٍ من الطرق القريبة على مكان عمل أبو أحمد، وهو مؤسس المجموعة ومديرها، يكتب في رسالة نصية إلى المجموعة:

  • أنا شوي وبصير هنيك و بخبركم كيف الوضع..

يركب أبو أحمد درجاته النارية ويتوجه إلى الموقع المسؤول عنه، يلتقط صورة سريعة منه تظهر خلوّه من أي وجود أمني، ويرسلها مطمئناً من يودّ سلك ذلك الطريق، يستخدم أبو أحمد رقم هاتف غير تركي، وفعل على مجموعته ميزة الحذف التلقائي للرسائل بعد أربع وعشرين ساعة كإجراء آمان، يقول حين تواصل معه “الحل نت” حول سبب إنشائه للمجموعة، إنه كان في ذات الوضع القانوني قبل سنوات قليلة، لكنه الآن يحمل بطاقة الحماية المؤقتة الصادرة عن اسطنبول، بعد أن اشترى إذن عمل بسعر وصل إلى 30 ألف ليرة تركية (1000 دولار أمريكي) ، حيث ينصّ القانون على السماح بعملية النقل في حال توفّر إذن عمل في شركة أو معمل في اسطنبول، لكن أبو أحمد الذي يعمل دهّاناً مستقلاً، حصل على العقد الوهمي مقابل المال من شركة تركية.

أسس أبو أحمد المجموعة وشارك رابطها على مجموعات خاصة بالسوريين على تطبيق الـ “واتسأب”، كما شاركها على مجموعات على “فيسبوك”، وهي واحد من مجموعة كثيرة أُنشئت لذات الغرض.

لم يكن يزن (27 عاماً) يحتاج لمعلومات المجموعة حتى شهر أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، حين غادر المنزل الذي كان يستأجره بناءً على ارتفاع بدل إيجاره، إلى منزل جديد، لكن الحي الجديد الذي انتقل إليه، هو حيٌّ مغلق، حيث أعلنت “وزارة الداخلية” التركية إغلاق قرابة 1200 حي في عموم البلاد، ولم يمنح أي أجنبي يسكنها بعد القرار تصريح الإقامة، كي تحافظ على نسبة من الأجانب لا تتعدى 20 بالمئة في كل حي.

عدم وجود تصريح الإقامة يعني بالنسبة للاجئين السوريين، فقدان الحق في الحماية المؤقتة “الكيملك” في حال اكتشاف مؤسسة الهجرة أن اللاجئ لا يقيم في العنوان المثبت لديها، وهي لأجل التأكد من ذلك، تسيّر دوريات على عناوين اللاجئين السوريين كل عدة أشهر للتأكد من إقامتهم في تلك العناوين، رسالة من “مصلحة الهجرة” التركية تخبر يزن أن عليه الحصول على تصريح إقامة جديد، وحتى ذلك تم إيقاف قيده، وستوقفه أي دورية هجرة وتقتاده إلى مراكز الترحيل.

رموزٌ للاجئين

تملك كل مخالفة لقانون الحماية المؤقتة للاجئين في تركيا، رمزاً خاصاً لا يظهر إلا في نظام الشرطة، وتتنوع الرموز بين ذلك الذي يستدعي مراجعة دوائر الهجرة سيئة الصيت بين اللاجئين، وبين الذي يعني الترحيل الفوري حال إلقاء القبض أو توقيف اللاجئ، هناك رمز على عدم تثبيت السكن، ورمز على السفر دون إذن، ورمز على فاتورة غير مدفوعة، ورمز لوجود قضية إدارية، ورموز تحتاج لمتخصص قانوني أو محام كي يعرف معناها وسببها وكيف وّسمت معلومات اللاجئ وبياناته بها، وكلّها تظهر على أجهزة الدوريات فور إدخال الرقم الوطني الخاص باللاجئين، في حال وجودها طبعاً.

يخف عدد الرسائل على المجموعة بين الثانية عشرة صباحاً والسادسة مساءً، الجميع في عمله أو منزله، ولا حركة الآن تستدعي الاستفسار عن أحوال الطريق، إلا من بعض المضّطرين إلى التحرك، يرد إشعار:

“مرحبا، كيف هو الوضع حولين المدرسة؟”.

أرسلت الرسالة سيدة تستعد للتوجه إلى مدرسة ابتدائية، كي تصطحب ابنيها إلى المنزل، هي راما، أم لطفلين وزوجها مريض بمرض مزمن، يحملون جميعاً بطاقة الحماية المؤقتة “الكملك” من ولاية أخرى، وهي تعيل العائلة وتعتني بها، تصل بعض الردود:

  • نظيف
  • نظيف مافي حدا
  • نظيف تماماً

تغادر راما المنزل وهي مطمئنة وتسير لعشر دقائق باتجاه المدرسة قبل أن تشاهد دورية شرطة، كيف قالوا في المجموعة إن لا “بسطة هنا؟” تفتح التطبيق وترسل رسالة طويلة توبخ فيها الأعضاء:

  • كيف قلتوا الطريق نظيف للمدرسة، في دورية هون نفدت بالزور

يأتيها أكثر من رد بذات الفحوى:

  • هدول شرطة مرور يا أختي مالهم علاقة فينا

الشرطة “البسطة” على المجموعة تحمل ألواناً وأسماءً وفقاً لزيّها أو نوعها، فهي حمراء في بعض الحالات، وخضراء في حالات أخرى، و”ترافيك” في أحيان كثيرة، ومدنيون في حالات نادرة، وقد تكون سوداء وزرقاء. بالنسبة للحمراء هي الأكثر خطورة وسطوة ورعباً، وهي من تجعل اللاجئ السوري الواقع في كمينها يواجه خطراً حقيقاً، تصف رسالة مثبتة في المجموعة، فيما الخضراء تقدم فرصاً أكبر للنجاة، وتبقى المدنيون حالة مرهونة بوضعك القانوني ومدى خطورة “الرمز الأمني” المثبت إلى جانب اسمك، وجميعها تقتاد اللاجئ صاحب الرمز إلى مراكز الشرطة، ومن ثم إلى مراكز مؤسسة الهجرة الخاصة بالترحيل.

الشرطة “الحمراء” هي الأكثر خطورة وسطوة ورعباً، وهي من تجعل اللاجئ السوري الواقع في كمينها يواجه خطراً حقيقاً

نعود لطه الغازي لنسأله حول سُبل حلّ كل هذه المشكلات القانونية الخاصة باللاجئين في تركيا، فيردّ بالقول، إن لا سياسة واضحة بخصوص اللاجئين، فجميع القرارات الخاصة بهم تتسم بالمرحلية، وقد تُعطّل في بعض الأحيان بناءً على “مزاجية” موظف صغير في أي دائرة هجرة، ويجد العديد من اللاجئين أنفسهم أمام مجموعة كبيرة من التعقيدات القانونية التي لا حل لها عملياً.

يشرح الحقوقي الغازي، أنه في كثيرٍ من القضايا التي قدّم المناصرة لها، كان القاضي يصدر حكماً مثلاً ببراءة المتّهم وضرورة إخلاء سبيله على الفور، إلا أن إدارة الهجرة لا تنفّذ حكم القضاء، وتستمر في احتجاز اللاجئين أو ترحيلهم إلى الأراضي السورية، كما أننا أمام قرار عقد من حياة الآلاف من اللاجئين الجديد، حين أصدرت “الحكومة التركية” قراراً بوقف منح حق الحماية المؤقتة “الكملك”  لهم عام 2019، حين خسر حزب “العدالة والتنمية” بلدية إسطنبول، فيما الأراضي السورية لا تزال في حالة حرب وفق القانون التركي، لكن البلاد لم تعد تريد استقبال لاجئين، وهذه مخالفة قانونية واضحة يستمر تطبيقها حتى الآن، في النتيجة هناك الآلاف من اللاجئين السوريين يعيشون في تركيا دون أوراق قانونية، لأنه لا سبيل على الإطلاق للحصول عليها.

الباصات البيض

أخطر الدوريات وبغض النظر عن لونها، تلك التي ترافقها حافلة بيضاء متوسطة الحجم، فتلك حتماً سوف تعني البحث عن اللاجئين، وعن أصحاب الرموز، وعادة لا ترحّل تلك الدورية إلا حين امتلاء الركاب “المهاجرين”، وهي حالةٌ كان حسام (37 عاماً) شاهداً عليها، فالبرغم من أنه يحمل إقامة سياحية في تركيا وليس بطاقة الحماية المؤقتة “الكملك”، وجد نفسه في حافلة في ميدان اسنيورت/ استنبول، وفشلت كل محاولاته في إفهام العنصر أنه يرتكب خطاً.

حين سارت الحافلة مباشرة نحو مركز الترحيل في منطقة توزلا  شرق إسطنبول، في رحلة قد تستمر لثلاثة ساعات في أوقات الذروة، تجاذب حسام أطراف الحديث مع الشرطي، والذي لم يخفِ عنه أن لا علاقة له ببقية المحتجزين في الحافلة، من سوريين أو عرب وأفارقة لا يملكون إقامة أو انتهت صلاحيتها أو عليهم رمز أمني ما، طمأنه بالقول:

  • سيطلقون سراحك في توزلا

يقول حسام، إن الشرطي أخبره مبتسماً أن على عدد الركاب أن يكتمل في الحافة قبل أن تبدأ رحلتها، ويحتاج ذلك في بعض الأحيان إلى أكثر من عشر ساعات، فاللاجئون والمهاجرون يتجنّبون ميدان اسنيورت منذ أشهر، والتعليمات أن يأتوا كدورية بأكبر عدد من “المخالفين” يومياً.

حين وصل حسام إلى المركز بادره الموظف المسؤول عن الاستقبال حين شاهد أوراقه وبطاقة إقامته بالقول، ماذا تفعل هنا؟ وأمره بالمغادرة فوراً، وحسام ليس الوحيد الذي زار المركز لذات السبب، العشرات من الأجانب وخصوصاً العرب والأفارقة ممكن يملكون إقامة قانونية في البلاد اقتيدوا إلى مراكز الترحيل قم طردوا منها.

منذ تموز/يوليو الماضي وحتى اليوم، بات بإمكانك أن تلمس انخفاضاً في أعداد السوريين في إسطنبول، في المواصلات العامة وبعض أماكن العمل، المراكز التجارية والأسواق الكبيرة، لم يعد الوجود السوري ملاحظاً بشدّة كما كان قبل سنوات، عدد غير معروف منهم اتجه بطرق غير شرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي، آخرون تمكنوا من السفر إلى دول عربية، وقسم آخر قرر أن يعود  بشكلٍ طوعي إلى شمال سوريا.

يقول المحامي عمار عز الدين من “رابطة المحامين السوريين الأحرار”، إن اللائحة التنفيذية لقانون “الحماية المؤقتة” التي صدرت عام 2014، تتيح للسلطات أن تُسقط وترحّل مَن منحته في وقت سابق حق الحماية، مشيراً إلى أن سوريا وفقاً  لتقرير”لجنة التحقيق الدولية” التابعة للأمم المتحدة في عام 2023، لا تزال غير آمنة لعودة اللاجئين.

ويضيف عز الدين بالقول، إن عملية الترحيل التي تمارسها “السلطات التركية” تحت عنوان “الحملة الأمنية” التي أطلقتها وذلك بإعادة اللاجئين السوريين قسراً إلى شمال غرب سوريا، تُعدّ انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في القانون الدولي والمنعكس في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967  والذي يمثّل حجر الزاوية في حماية حقوق طالبي اللجوء واللاجئين، وهو مبدأ عرفي ملزم لجميع الدول بما فيها الدول غير المصادقة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951.
أما بالنسبة للذين يدخلون  تركيا بطريقة غير شرعية من الشمال السوري ولم يحصلوا على بطاقة الحماية المؤقتة فيمكن قانونا ترحيلهم كونهم لا يتمتعون بالمركز القانوني لمن هم مشمولون بقانون الحماية المؤقتة. 


وبالنسبة لما يسمى العودة الطوعية أي أن يختار مَن هم تحت قانون الحماية المؤقتة طوعاً أن يعودوا إلى المناطق المحررة فذلك لا يشكل أي انتهاكٍ وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان و لكن في حال حدوث تجاوزات قانونية تجبر اللاجئين على العودة إلى المناطق “المحررة” تكون هذه العودة قسريةً وليست عودة طوعية.

أمرآة سورية في ميدان اسنيورت تنتظر ترحيلها قسرياً مع ابنتها الى سوريا

مقاتلو المستقبل

في مدينة الباب بريف حلب شمال سوريا والتي تقع تحت سيطرة فصائل عسكرية مدعومة من أنقرة، يعيش حسان الذي يبلغ من العمر46 عاماً، بعد أن رّحل من تركيا منذ ثلاثة أشهر دون أي ذنب وفق ما يقول، وطول الأشهر الثلاثة الماضية، لا يزال بلا سكن في المدينة السورية، التي يطلب أصحاب المنازل فيها بدل إيجار مرتفع وبشرط أن يكون بالدولار الأميركي، فرص العمل في المدينة منعدمة، وكذلك الحالة الأمنية التي يصفها بالمتدهورة وغير الآمنة، وفق ما تذكر منظمات حقوقية سورية تتحدث عن انتهاكات مستمرة تُرتكب ضد المدنيين، فضلاً عن اشتباكات مسلحة تقع بين الفصائل المختلفة بين فترة وأخرى.

العقدة القانونية الجديدة التي يواجهها حسان، تتعلق بزوجته وأطفاله الذين بقوا في تركيا، فلا هو يستطيع العودة إلى تركيا حتى بطرق غير شرعية بتكلفة تصل لمئات الدولارات وتعرّضه لخطر الملاحقة الأمنية من جديد، ولا زوجته تستطيع العودة إلى سوريا مع أطفالهما، فهي تحتاج أن تظهر وكالة قانونية من الأب على المعبر الحدودي، يزداد المشهد تعقيداً، حين تطلب “السلطات التركية” أن تكون الوكالة صادرة عن “الحكومة السورية” في دمشق، وليس عن أي جهة سورية خارجة عن سيطرته كما الحال في شمال وشمال غرب سوريا، وحتى هذه الوكالة عن طريق دمشق لا يمكن الحصول عليها، إلا بعد إجراءات قانونية تتضمن تسجيل الزواج والأطفال في الدوائر الرسمية التابعة لـ “الحكومة السورية”، وهو أمر لا سبيل له لوجستياً، ويكلّف عن طريق توكيل محام في دمشق، آلاف الدولارات.

حين سألنا حسان عن المهنة التي سيعمل بها بعد أن فقد الأمل من دخول تركيا، قال بشكل مباشر، إنه سيتطوع في صفوف فصيل عسكري، لا فرق عنده في الاسم أو التبعية، المهم هو المرتب الشهري الذي يدفع بالليرة التركية، حسان ليس الوحيد الذي يسلك هذا الطريق في شمال سوريا من المرحّلين، سبقه المئات، فيما مئات آخرون يحاولون العودة إلى تركيا بطرق غير شرعية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة