ليس بوسع المرء وهو يتابع ما يجري في إدلب من احتجاجات تطاول حكم الأمر الواقع الذي فرضه زعيم “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وارتباطاتها بتنظيمي “القاعد و”داعش” المصنّفين على قوائم الإرهاب، سوى أن يشعر بمكر التاريخ. ففي التاريخ الذي ثبُت أنه لا يكرر نفسه، إذا حدث تكون المرة الأولى في شكل مأساة، وفي المرة الثانية على هيئة ملهاة، كما ذكر الفيلسوف الألماني كارل ماركس.

لكن الإسلام السياسي وهو يقوم بأدواره الوظيفية والخدمية للأنظمة الإقليمية يمضي في حلقة دائرية كأنما يدور حول نفسه من دون أفق أو تحقيق نتيجة. إذ تبدو كل تجارب الحُكم الإسلاموي عبارة عن عمليات تشبه السطو السريع وسرعان ما يتلاشى.

لا تملك “هيئة تحرير الشام” التي سبق وظهر زعيمها في هيئة حَدَاثوية بزّي عصري على طريقة “إسلام السوق” الذي استفاض في شرحه الباحث السويسري باتريك هايني في كتاب حمل العنوان ذاته، أي مقومات هيكلية أو جوهرية للبقاء. فمسار نشوء التنظيم الإسلاموي المسلح والذي يُصنّف زعيمه على قوائم الإرهاب لم يكن نتيجة أي شروطٍ في الواقع أفرزته وتمخّض عنها، إنما هي تركيبة هجينة مشوّهة تم بعثها ومحاولة فرضها القسري على واقعٍ بعيدٍ عنها لغرض تحقيق أهداف معينة وخوض صراع بالوكالة أو بشكل صريح تأمين مصالح معينة. بالتالي، فإن عملية الإحلال والتبديل قائمة طوال الوقت وممكنة بل متوقّعة.

الجولاني.. “وجود مؤقت”

فعندما ظهر الجولاني بالمظهر الحَدَاثوي مع صحفي أميركي، حاول أن ينقل جملة رسائل لعدّة أطراف، وتوهّم للحظة أنه يضع نفسه في فصل جديد يمكن أن يحظى فيه بالشرعية، ويعلن عن وجود مؤسسات لدولته المزعومة من خلال “حكومة مؤقتة” وتغليب السياسي على الحركي، لكنه لم يدرك أن وجوده المؤقت داخل الحيز الجغرافي في شمال غرب سوريا له اعتبارات خارجية ولم يكن للحظة مرتبط بأي اشتباك مع ما هو محلي، ولا يملك حواضن تجعل تعويمه محتملاً وممكناً. 

مظاهرات ضد “هيئة تحرير الشام”- “الصورة من الإنترنت”

والحالة الرعائية التي تتوافر له من تركيا كما يحدث مع ما يعرف بـ”الجيش الوطني السوري” سيظل دوره مؤقت ومحدود وبراغماتي ولا يشكل ركيزة استقرار، إنما سيظل مرتهناً بالحماية التركية وموقعه الوظيفي الذي قد يتبدل مع أول تسوية ومفاوضات تجري بين أنقرة ودمشق من جهة أو بين الأولى وروسيا أو الولايات المتحدة من جهة أخرى.

بالتالي، لا تمثل لقاءات الجولاني مع الصحف الغربية، ومنها اللقاء الأخير عام 2021، سوى كتل هوائية لتعبئة الفراغ وتضخيم البالونات السياسية التي من الممكن بسهولة أن تنفجر من دون أن تحدث صدى أو تأثير كأنها لم تكن. وفي اللقاء مع الصحفي المخضرم مارتن سميث، قال الجولاني إن “رسالتنا لهم (لأميركا) موجزة، نحن هنا لا نشكّل عليكم أي تهديد، لذلك لا داعي لتصنيف الناس على أنهم إرهابيون وتعلن مكافآت لقتلهم، وأيضاً كل ذلك لا يؤثر سلباً على الثورة السورية. هذه هي الرسالة الأكثر أهمية”.

وفي هذه الرسالة لواشنطن لا تنعكس رؤية أو خطاب سياسي بقدر ما تبدو عملية استجداء سياسي في هيئة عروض خدمية، كما أنها تكشف عن نزوع داخلي لأبو محمد الجولاني الذي يريد الحفاظ على موقعه الوظيفي لكنه يحاول إيجاد مغريات ومشتركات مع أطراف متباينة ينتقل عبرها بينما توفر له الجانب الرعائي والدعم، وقد تكون واشنطن (وفق ما يتمناه الجولاني) في حال تخلي أنقرة عنه. ولذلك، اعتبر الجولاني تصنيفه على قوائم الإرهاب بأنه “غير عادل”، وقال إنه التصنيف “تسمية سياسية لا تحمل أي حقيقة أو صدقية”، لافتاً إلى أنه على مدار السنوات الماضية لم يشكّل أي تهديد اقتصادي أو أمني للمجتمع الغربي أو الأوروبي.

وهنا، لا يملك الجولاني وهو يقف على أرض رخوة وتبدو ثابتة بفعل الفائض الأمني والعسكري الذي يستخدمه في إدارة شؤون الحكم، سوى البحث عن أطراف رعائية خارجية، لإنقاذ نفسه من الزوال في حال التخلي عنه واعتباره ورقة منتهية الصلاحية ومواجهة تلك اللحظة الحتمية والتي يمكن استثمارها وتحريكها مع ظروف داخلية أو إقليمية ودولية. من ثم، فالاحتجاجات لا تبدو مفاجئة إنما هي حالة طبيعية وتؤكد الافتراضات السابقة، لا سيما مع الظروف المحلية المتمثلة في الانقسامات الأخيرة الداخلية التي شهدها التنظيم والملاحقات الأمنية والتي انعكست في تعميم القمع وفرض قبضة خشنة وعنيفة لتطويق المدنيين.

هذا فضلاً عن سياق إقليمي غامض يتمثل في التحركات بشأن تحقيق انعطافة جديدة في العلاقات التركية السورية بين رجب طيب أردوغان وبشار الأسد برعاية روسية. وكان الصحفي التركي تشيتينر تشيتين، قد غرّد على حسابه الرسمي في مواقع التواصل الاجتماعي “إكس” (تويتر سابقاً) بأن أردوغان و”الأسد” قد يجتمعان في موسكو.

“سلطة الأمر الواقع تنحسر”

مرة أخرى، توهّم الجولاني أنه قد يكون البديل السُّني لنظام طائفي في دمشق. وأن تدشين مؤسسات تعليمية وقضائية وصحية يجعل بالإمكان الاعتماد عليه ضمن مسار إصلاحي لسوريا ما بعد “الأسد”.

إفراج “الهيئة” عن المعتقلينَ لن يوقف الاحتقان المجتمعي إنما ستكون فرصة لتشكل معارضة مدنية تنجح في تشكيل اصطفافات وتحقيق نجاحات مرحلية.

ليس ثمة شك أن ما يجري داخلياً مع الحراك الإقليمي يفاقم من وضع الجولاني أمام موجة احتجاجات هي الأعنف، خاصة أن المواجهة الأمنية تفجر صورة التوحش المتورط فيه القادة الأمنيين بالهيئة، وسجل جرائمهم الحافل بالانتهاكات والتجاوزات الحقوقية والقانونية، بداية من الاعتقال والخطف مروراً بالاحتجاز القسري وحتى التعذيب وفرض ما عرف بشرطة الأخلاق، مؤخراً. 

فإلحاح التظاهرات على إسقاط الجولاني ونبذ ممارسات الأذرع الأمنية والتضييق الاجتماعي على المدنيين وتحسين أوضاعهم المعيشية في ظل القبضة الأمنية على المعابر الحدودية واحتكارهم المنافذ الاقتصادية الحيوية والاستراتيجية والتي هي مصادر التجارة والتبادل السلعي الذي يشكل ارتكازات اقتصادية بالمنطقة وشريان حيوي مهم يجعل عملية الإصلاح خارج الإدارة الأمنية التقليدية معضلة ليس من اليسير حلّها. 

حتى أن إفراج “الهيئة” عن المعتقلينَ لن يوقف الاحتقان المجتمعي إنما ستكون فرصة لتشكل معارضة مدنية تنجح في تشكيل اصطفافات وتحقيق نجاحات مرحلية ويتأكد لها في كل مرة أن سلطة الأمر الواقع تنحسر ويتم تقويضها بالحراك المدني السّلمي وأن نهايتها في المستقبل تحصيل حاصل. فشروط البقاء لم تعكس ذات فعالية كما في السابق ويد تركيا ترتفع عنها.

ووفق موقع “الحرة” ومصادر محلية، ردّد المحتجون عبارات: “نريد قضاءً مستقلّاً نزيهاً يحاكم القوي قبل الضعيف والقائد قبل الجندي”، و”صدق الجولاني حين قال إنه لا يوجد لديه سجون، فالحقيقة لديه مسالخ بشرية وليست سجوناً”.

“الهيئة” تورّطت في مقتل ما يربو على 505 مدنيين في الفترة بين عامي 2012، وحتى نهاية عام 2021- “إنترنت”

وقالت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، أن “الهيئة” قد أصدرت عبر معرّفاتها على “تلغرام” بياناً في 26 كانون الثاني/ يناير الماضي أعلنت فيه عن الإفراج الفوري عن الموقوفين ممن لم تثبت إدانتهم، مع “إيقاف من يثبت بحقّه تجاوز الإجراءات المسلكية ضد الموقوفين”، في إشارة إلى استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات.

ووفق “الحرة” فإن “الشرارة الأولى التي فتحت باب التهديد إقدامه (أي أبو محمد الجولاني) على اعتقال قادة من الصف الأول في “تحرير الشام”، بتهم تخصّ “العمالة للخارج والتواصل مع جهات خارجية”. وعلى رأس المعتقلين القيادي البارز “أبو ماريا القحطاني”، وقادة آخرون من الجناح العسكري لـ”تحرير الشام”، فيما تمكن عيسى الشيخ (أبو زكور) من النجاة بعدما فرّ إلى مناطق ريف حلب الشمالي الخاضعة لسيطرة فصائل “الجيش الوطني”. ولم يدم الاعتقال طويلاً بسبب ضغوط تعرّض لها قائد “تحرير الشام”، مما دفعه مع جهازه الأمني للإفراج عنهم بالتدريج وتقديم اعتذارات من جانبه ظهرت في عدة تسجيلات مصورة، في مشهد أعطى مؤشراً عن حالة من ضعف”.

وسيط محلي للبازار السياسي 

وتوثّق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وفق بياناتها وإحصائياتها أن الهيئة تورّطت في مقتل ما يربو على 505 مدنيين في الفترة بين عامي 2012، وحتى نهاية عام 2021.

وتقول الشبكة السورية المعنية بحقوق الإنسان، إن نحو 2327 شخصاً هم بعد قيد “الاحتجاز التعسفي” أو الإخفاء القسري في سجون “هيئة تحرير الشام”.

وفي مساحة مماثلة لمادة سابقة، قد أوضحت “يدرك الجولاني أن دوره الوظيفي البراغماتي مؤقت لذلك يسعى للفكاك تدريجياً من الارتهان له، من دون إيجاد بدائل أو حتى بناء ضمانات عبر حلفاء جدد أكثر قوة ومتانة، بل إن سعيه للحصول على الشرعية يبدو بعيد المنال، ولن يتخطى لدى الغرب والولايات المتحدة الأميركية السمعة المشبوهة كمتطرّف مرتبط بالفكر “الإرهابي” المتشدد والراديكالي. صحيح أن إدلب شمال سوريا، التي يضع قبضته عليها لها أهمية استراتيجية وتتوافر له حماية تركية من خلال وجوده الأمني لتأمين الوضع في تلك المنطقة الحيوية لجهة وقوعها بين الطريق الدولي الممتد من تركيا لمناطق الشمال السوري، مروراً بمناطق سيطرة الحكومة السورية ووكلائه في حماه، وحتى حلب وشرق الفرات والساحل، إلا أن هذا الموقع لن يكون أكثر من وضع يبعث بسيولة سياسية وأمنية حوله يجعله في عمق أزمة قصوى بلا قدرة على الوصول إلى ملاذات ذاتية”.

والحلول المؤقتة للجولاني لا تصنع نظام له أركان ثابتة. حتى أن فكرة تجميع القوة واحتكار العنف لن يجعله يرتقي إلى الكيان المؤسسي على نمط شبه الدولة. إذ ما تزال “الهيئة” في وضع تنظيمي هشّ قائم على الفصائلية والتي تفترض الانتماء على أساس الهوية والجهوية، فضلا عن اعتناق البعض للمبادئ العالمية للفكر الجهادي الذي يتخطى الانتماء المحلي إلى الاستجابة لـ”الجهاد” في بيئة أخرى تلبيةً لنداء “الأممية الإسلامية” كما في الأدبيات المتشددة لهذه الجماعات. فيما تبرز الصراعات والانقسامات على خلفية التناقضات بين أجنحة التنظيم وعدم التماهي مع الخط السياسي للجولاني كما جرى مع أبو ماريا القحطاني، الأمر الذي تكشف عنه حوادث عديدة تجعل الاتهامات الموجهة له تبدو تلفيقية بينما لا تعكس ثمة جديد، حيث إن التنظيم سبق ودفع عن نفسه تهمة تسريب معلومات للتحالف الدولي بشأن قادة “داعش” ومنهم الزعيم الرابع أبو الحسين الحسيني القرشي.

بالتالي، نحن بصدد رؤية تلفيقية نحو التغيير حيث إن البُنى والمظاهر الخارجية هي التي تتبدل مسمياتها لكن الأدوار والمضامين والاتجاهات تباشر تحقيق أغراضها، فالوجه المتشدد ينبعث بين سجون “الهيئة” التي تقمع خلف قضبانها ناشطين وتواصل أعمال قتلٍ ولا تردّ الممتلكات التي جرت مصادرتها ومنها الكنائس، بل إن بنية القضاء ومؤسساته وتشريعاته هي مخلّفات “جبهة النصرة” ويحفل سجل “الهيئة” بجرائم حقوقية مروعة مثل اغتيال واعتقال نشطاء أبرزهم حمود جنيد ورائد الفارس ومروان الحميد وجمعة العمري والمحامي ياسر السليم.

وفي المحصلة، يبدو الجولاني أمام لحظة تماثل “كش ملك”، وهي توضح بعمق شديد أن وسائله للتمكين السياسي والمجتمعي أخفقت تماماً، وأنه لم يكن أكثر من وسيط محلي للبازار السياسي الإقليمي التركي. والوسيط في السياسة لا يملك القرار أو الإرادة أو حتى هيكلة الإدارة بل يؤمّن المصالح مقابل محاصصة محددة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات