حسب ما تعلن تيارات الإسلام السياسي عن نفسها فإنها تمثل جماعات سياسية ذات مرجعية إسلامية تعمل على تقديم مشروع إسلامي نهضوي، وفي مشروعها ترتكز هذه الجماعات على التراث الديني، وتعمل على بلورة رؤيتها ضمن الرؤية الإسلامية الكلاسيكية التي جاء بها النبي وتبعه في ذلك الصحابة والتابعين، ولكنها في الوقت عينه لا تكون قادرة على اتباع هذا المنهج بحرفيته كما تزعم لاختلاف الظروف التاريخية، والحاجات الإنسانية والواقعية؛ ومن ثم فإنها تعمل على صياغة رغباتها في قالبٍ ديني، أو شرعنة أفعالها من خلال التراث الديني.

فترتكب هذه الجماعات ما ترتكب من جرائم ثم تبحث عن موقف من التراث الديني يعطي هذه الجرائم شرعيتها، وليس العكس مما يجعل الإسلام في هذه العملية يمثّل أداة أيديولوجية في يد هذه الجماعات وتمكنها من صياغة رغباتها في صورة دينية تنفي معها أي اعتراض أو تعارض، حيث يعبر الاعتراض في هذا الحين عن رفض الحل الإلهي ومن ثم رفض الدين.

“الإسلام هو الحل”

تراهن تيارات الإسلام السياسي على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ويضعون الخلاف مع هذا الرهان موضع الخلاف مع الله، حيث يعد هنا الاختلاف رفضاً للحكمة الإلهية غير المحدودة بالزمان أو المكان والتعالي عليها، وتقدم هذه التيارات مشاريعها تحت شعار “الإسلام هو الحل”، وهو شعار يتضمن غياب الإسلام عن هذه المجتمعات من زاوية، وحضور الإسلام مع هذه الجماعات من الزاوية الأخرى؛ وعليه تضع نفسها في موضع اصطفائي مثل الأنبياء والمرسلين، وتقدم طرحها كطرحِ إلهي متعالي على كافة المشاريع المقدمة.

وما أوضحته المرويات التاريخية والواقع المُعاش أن الدين كثيراً ما مثّل وسيلة جيدة ومربحة وموفرة للسياسة، فاعتادت السلطات تقديم رؤيتها في صياغة دينية كما أنها عملت على إضفاء شرعية دينية على وجودها، بيد أن العقل الحداثي سعى إلى فصل الدين عن إدارة الدولة، لتصبح إدارة الدولة فيما بينها ولا تدار بوعدٍ أخروي غير معلومة نتائجه، ويصبح نجاح إدارة الدولة مرهون بتوفير احتياجات أفرادها وإرضاء طموحهم، لا بتقوى الحكام والتزامهم.

حسب آليات عمل جماعات الإسلام السياسي وطموحها الطاغي للسلطة، فإنها تعمل بالوصف الميكافيلي للسياسة؛ الغاية تبرر الوسيلة وتضع الإسلام وسيلة استهلاكية تعرج عليها للسلطة، لصناعة شعبية لها من خلال اللعب على البعد الديني من جانب، واستخدامه كأداة تصفية سياسية ومعنوية للمعارضة من جانب آخر، حيث يعد المعارض معارضاً للإسلام الذي تعلن هذه الجماعات أنها تمثله وتدعوا إليه وتراه حلاً.

وتضع جماعات الإسلام السياسي نفسها في حالة خصومة مع الحداثة ومقومات الدولة الحديثة؛ بإصرارها على الاستهلاك السياسي للدين، وعدم عزل الدين عن السياسة من جانب، وبإصرارها على إضفاء البُعد التآمري على الحداثة و شيطنتها، ورفض حمل الدولة مقوماتها وأدوات نجاحها داخلها، لأنها في هذا الحين ستكشف فراغ مشروع الإسلام السياسي من أي رؤية نهضوية ذات بعد تطبيقي، تحمل بين طياتها إمكانية الحضور العملي على أرض الواقع، وتكتفي بالإعلان عن سعيها للآخرة (دار المستقر والقرار).

عادة الفصائل السياسة اللعب على مشاعر الجماهير وتجييش الجموع لمواجهة الفصائل الأخرى، وينجح الإسلام السياسي بوصفه فصيلاً سياسياً في هذا بامتياز، ويتخذ حالة الانهزام السياسي وغياب الندّية السياسية للغرب الأوروبي كمدخل لابتزاز عاطفة المسلمين.

ويأتي إعلان مشروعهم تحت عنوان “الإسلام هو الحل” بشكلٍ استهلاكي فج، حيث يعبر أي مشروع آخر للخروج عن الإسلام، في الوقت الذي لا يمكن أن ينكر فيه أي مسلم أن الإسلام هو الحل، خاصة أن الإسلام جاء يؤكد على الناس صلاحيته لكل زمان ومكان، وليس كدين تعبدي فقط، ولكن كنظام للحياة كذلك، مما جعل العقل الإسلامي يتساءل عن وعد الله لهذه الأمة بالتفوق، فيتساءل الأفغاني: هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا؟ ويجيب حاشا لله فالله لم يخلف وعده، ولكن الأمة تخلفت عن الإسلام الصحيح.

فثمّة شبه إجماع بين المسلمين على أن الإسلام يمثّل الحل لكافة المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها المجتمعات المسلمة، وهذا ما يجعله أداة سياسية رابحة بامتياز، حيث يعبر عن مشروع سياسي له شعبية مسبقة في أذهان جماهيره، وتعد هذه الشعبية دليلاً كافياً على أن الإسلام لا يمثل لتيارات الإسلام السياسي غير أداة تمكنه من تنفيذ مآربه السلطوية.

ابتزاز العاطفة

عادة الفصائل السياسة اللعب على مشاعر الجماهير وتجييش الجموع لمواجهة الفصائل الأخرى، وينجح الإسلام السياسي بوصفه فصيلاً سياسياً في هذا بامتياز، ويتخذ حالة الانهزام السياسي وغياب الندّية السياسية للغرب الأوروبي كمدخل لابتزاز عاطفة المسلمين، ويقدم مشروعه بوصفه مشروع ندي للأطماع الأوروبية في بلاد المشرق الإسلامي من جانب، ونصرة للدين الإسلامي في مواجهة الغرب الأوروبي الطامح لزوال الدين الإسلامي، ويساعده في هذا ويغذي مقومات مشروعه تاريخ الغرب الإمبريالي الذي عرفته بلدان المشرق الإسلامي.

كشفت الحرب في غزة عن الاستهلاك الإعلامي الذي مارسه الإسلام السياسي، لآلام الشعب دون طرح حلول فعلية ذات بعد لوجستي على أرض الواقع- “إنترنت”

وتجلت حالة الابتزاز العاطفي التي يقوم بها الإسلام السياسي في مصر إثر الإطاحة بنظام “الإخوان المسلمين” بموجب ثورة شعبية، ومحاولة تجييش الجموع حول “الإخوان” من خلال وصف هزيمتهم بهزيمة الإسلام وردته، واستثمار فض اعتصام رابعة العدوية وعرض العديد من المشاهد لدغدغة مشاعر الجماهير، وكان منها مشاهد لأشخاص يلقون بالآذان وسط إطلاق النيران، والتركيز على الموتى داخل الاعتصام دون ذكر حيازتهم لسلاح وعدم سلمية هذا الاعتصام.

ويتم التجاوز عن محاولات لي ذراع الدولة وإنشاء دولة داخل الدولة التي مثلها هذا الاعتصام، وهو أمر يهدد الأمن القومي لأي دولة في العالم ويبيح لها التصرف وفق متطلبات الموقف، ويغفل حالات استنجاده بالغرب الذي يزعم أن مشروعه مناهض له ويكفره في كل صباح، ولم يخجل بالمطالبة بالتدخل الأجنبي مقابل عودته للسلطة، ويظهر هذا بوضوح في حالة السودان التي تتشظى لا لشيء إلا لأطماع الإسلام السياسي في السلطة.

وكشفت الحرب في غزة عن الاستهلاك الإعلامي الذي مارسه الإسلام السياسي، لآلام الشعب دون طرح حلول فعلية ذات بعد لوجستي على أرض الواقع، واكتفت “حماس” بتصوير المشاهد لتجمع بها الجماهير حولها ولم تتخذ أي إجراء لحمايتهم، واتضح هذا في تصريح القيادي موسى أبو مرزوق بأن الأنفاق للمقاتلين وليست للمدنيين، وبالسؤال عن المدنيين أوضح أنهم مسؤولية الأمم المتحدة والمسؤولية لا تقع على عاتق “حماس”، وما أوضحته الحالة الكارثية التي عاناها ولازال يعانيها المدنيين في غزة أنهم لم يكونوا ضمن حسابات “حما في عملياتها العسكرية في السابع من أكتوبر لعام 2023، ولا فيما بعدها.

ما حدث في غزة كشف عن آليات الإسلام السياسي واستهلاكه للإسلام وكافة القضايا الإنسانية الكبرى لتجييش الجموع حوله.

وظهر في مصر الاستغلال السياسي لحرب غزة من قِبل جماعة “الإخوان المسلمين”، حيث زعم الأفراد المحسوبين على هذه الجماعة بتقصير الدولة المصرية وتواطئها مع إسرائيل وفشلها في إدارة الأزمة، واهتموا بالمزايدة على الدولة المصرية أكثر من التضامن السياسي مع الدولة فيما تطرحه من حلول وعدم قبولها بتصفية القضية الفلسطينية، ومطالبة الدولة المصرية بقبول نزوح الفلسطينيين في أرض سيناء، وهو ما يتضمن تصفية المسألة الفلسطينية.

والواقع أن ما حدث في غزة كشف عن آليات الإسلام السياسي واستهلاكه للإسلام وكافة القضايا الإنسانية الكبرى لتجييش الجموع حوله، وحين وضع في أرض المواجهة ما كان منه إلا أن ركز على أخطاء الغير دون أن يكون له دور فعال وملموس على أي منحة من المناحي، وخير معبرٍ عن هذا الاستغلال التركي لأزمة غزة دون وجود أي دعم فعلي للفلسطينيين بالتزامن مع الخطابات الرنانة والعنترية ذات الشعارات الإنسانية والدينية النبيلة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة