وسط استمرار الحرب الدموية في قطاع غزة، طالب المدعي العام لـ”المحكمة الجنائية الدولية”، كريم خان، بإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت، بجانب 3 من قيادات حركة “حماس”، بدعوى “ارتكاب جرائم حرب”، تشمل “التجويع” و”القتل العمد” و”الإبادة أو القتل”.

ويبدو أن هذه الدعوة الدولية تأتي على خلفية إصرار طرفي الصراع في قطاع غزة على مواصلة الحرب وتدمير ما تبقى من القطاع، والتي دفع ثمنها المدنيون هناك وما زالوا يدفعون، وبالتالي جاء طلب المدعي العام للمحكمة “الجنائية الدولية” إلى جانب الضغوط الأميركية والغربية والإقليمية الذين يسعون للضغط على إسرائيل وقادة “حماس”، من أجل التوصل إلى هدنة أو تسوية ما لوقف إراقة الدماء في غزة.

ماذا وراء طلب “الجنائية الدولية”؟

من الواضح أن طلب المدعي العام لـ”المحكمة الجنائية الدولية” لم يأت من فراغ. فمن ناحية يمكن اعتباره ضغطاً على طرفي الصراع لإنهاء مأساة الحرب بغزة، ومن ناحية أخرى يمكن تفسيره على أنه رسالة إلى طرفي الصراع بأن الوضع الإنساني في غزة سيئ ولم يعد مقبولاً.

FILE PHOTO: An exterior view of the International Criminal Court in The Hague, Netherlands, March 31, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw//File Photo

كما يمكن اعتباره تحذيراً لإسرائيل و”حماس”، من أنه إذا لم يتم التوصل إلى هدنة ما بشأن حرب غزة، فسوف تتدخل الهيئات الدولية، من أجل إنقاذ ما تبقى من مدن وأحياء غزة، ووقف إراقة الدماء، خاصة وأن الأوضاع الإنسانية في غزة صعبة ومؤسف للغاية، إضافة إلى أن حياة المحتجزين الإسرائيليين لدى “حماس” في خطر، وسط ما تم تداوله مؤخراً عن وفاة ثلاثة منهم في أنفاق “حماس”.

ولا شك إن طلب الاعتقال بحق هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين وقادة “حماس” لها عواقب قوية، ولعل أبرزها تقييد حركة الأشخاص الصادرة بحقها، حيث ستتردد في استقبالهم الدول الموقعة على الاتفاقية الخاصة بالمحكمة (فيما يعرف قانونياً بأطراف نظام روما الأساسي) والبالغ عددها 124 دولة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي الدكتور سامح مهدي، أن قرار “الجنائية الدولية” يندرج في إطار المحاولات الخارجية غير الرسمية والتي تخفي رغبة مباشرة من قبل الغرب أو واشنطن، وذلك لجهة تشكيل ضغوط على طرفي النزاع لإنهاء هذا الوضع الذي يتخطى الحدود الإنسانية في مشهد دموي وصورة مأزومة يقع تحت وطأتها المدنيين إلى وضع المنطقة على الحاف وتكاد تنزلق الأقدام نحو هاوية حرب وصراع أبعد من غزة، الأمر الذي سيحرق المنطقة ويجعلها في دوامة بينما سينجر معه بالتبعية أو الحتمية القوى الدولية والتي ستصبح دوامة جهنمية ستزيد من الاستنزاف المالي والاقتصادي والعسكري الذي يشهده قمة العالم في الحرب الروسية الأوكرانية وفاقمته حرب غزة بين “حماس” وإسرائيل.

وأردف مهدي لموقع “الحل نت”، أن مناورات “حماس” وآخرين من دعاة الحرب في طرفي النزاع من جناح الصقور والمستفيدين من إطالة أمد الأزمة والمهددين باتساعها للاستفادة بذلك وهي تمثل، أي الحرب الإقليمية، حماية لهم قانونية من المسائلة جراء ما حدث بكافة نتائجه وملابساته ومآلاته يلح كل منهما على هذا الوضع المرشح للانفجار وتوزيع شراراته إقليمياً لتنتقل العدوى لعواصم أخرى بما يستدعي الأطراف الخارجية للتدخل والانخراط في الصراع سواء لضبط الوضع العسكري والميداني أو حتى لحماية مصالحها في المنطقة ومنع توغل أطراف معادية تتقدم على محور الاعتدال وتؤدي لزيادة نفوذها وتهدد الآخرين وخرق التوازن الإقليمي. والتلويح بالاستدعاء من “الجنائية الدولية” هو تهديد أو إشارة بملاحقة قانونية  في حال عدم الاستجابة للتسوية وإنهاء الحرب في غزة.

ما التداعيات؟

وفي حال صدور مذكرة توقيف بحق نتنياهو، سيكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بذلك ملاحقاً قضائياً في الداخل، حيث يخوض معارك في قضايا فساد وسُوء استخدام للمنصب منذ سنوات؛ وفي الخارج بموجب مذكرة توقيف الجنائية الدولية – على نحو دفع مجلة “الإيكونوميست” البريطانية إلى التساؤل “أين يذهب نتنياهو؟”، وفق ما نقلته الـ”بي بي سي”.

ويقول خبراء قانونيون إن نتنياهو سيكون بذلك أول رئيس حكومة ديمقراطية حليفة للغرب تلاحقه “المحكمة الجنائية الدولية” حال صدور مذكرة توقيف بحقه.

كما ومن شأن صدور مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت أن يلقي بالمزيد من التعقيدات على العتاد العسكري الإسرائيلي؛ إذ من المرجح أن تواجه إسرائيل تحديات على صعيد استيراد أسلحة، لا سيما من “حلفائها الغربيين الذين يعانون بالأساس إزاء تقديم الدعم لإسرائيل في ظل تنامي الأدلة على ارتكاب جرائم حرب خلال الشهور الماضية من الصراع” بحسب مراسلة “الغارديان” في القدس بيثان مكيرنان.

أما بالنسبة لحركة “حماس”، فإن تبعات صدور مثل هذه المذكرات تبدو أقل بكثير مما هي في إسرائيل؛ ذلك أن السنوار والضيف يُعتقد أنهما مختبئان في أنفاق تحت غزة، أما هنية فهو مقيم بالعاصمة القطرية الدوحة، وثلاثتهم غير مرحب بهم في معظم الدول الغربية.

غير أنه على الصعيد الفلسطيني، من شأن صدور مذكرات توقيف بحق قياديي “حماس” أن يعقّد جهود تشكيل حكومة وحدة فلسطينية تضم مسؤولين بارزين من “حماس”، بحسب ما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين فلسطينيين.

تفاصيل بيان الطلب الجنائي

وبحسب ما أوردته “وكالة أنباء العالم العربي”، أصدر المدعي العام، كريم خان، بياناً طلب فيه من الدائرة التمهيدية الأولى بـ”المحكمة الجنائية الدولية”، إصدار أوامر قبض فيما يتصل بالحالة في دولة فلسطين.

وشملت تلك الطلبات بجوار نتنياهو وغالانت، قادة “حماس” يحيى السنوار، وإسماعيل هنية، ومحمد دياب (الضيف). وأردف البيان أن الثلاثي الأخير “يتحملون المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التالية المرتكبة في أراضي إسرائيل ودولة فلسطين (في قطاع غزة) اعتباراً من السابع من أكتوبر 2023 على الأقل”.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu (L) and his Housing Minister Yoav Galant (R) arrive for the weekly cabinet meeting on May 15, 2016 at Netanyahu’s Jerusalem office. (Photo by GALI TIBBON / various sources / AFP)

وتابع خان في البيان: “استناداً إلى الأدلة التي جمعها مكتبي وفحصها، لدي أسباب معقولة للاعتقاد بأن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ويوآف غالانت، وزير الدفاع في إسرائيل، يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التالية التي ارتُكبت على أراضي دولة فلسطين (في قطاع غزة) اعتباراً من الثامن من أكتوبر 2023 على الأقل”.

فيما يتعلق بنتنياهو وغالانت، أشار خان إلى أن الجرائم التي يعتقد أنهما يتحملان مسؤوليتها، فهي “تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب باعتباره جريمة حرب، وتعمد إحداث معاناة شديدة، أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة أو المعاملة القاسية باعتبارها جريمة حرب”.

وأشار خان في بيانه إلى أن من بين الجرائم التي يعتقد أن قادة “حماس” المذكورين مسؤولين عنها “الإبادة باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، والقتل العمد باعتباره جريمة ضد الإنسانية وباعتباره جريمة حرب، وأخذ الرهائن باعتباره جريمة حرب، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، وباعتباره أيضا جريمة حرب”.

وإلى جانب ذلك “التعذيب باعتباره جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب في سياق الأَسر”. ودفع المدعي العام بأن هناك “أسباب معقولة للاعتقاد بأن السنوار وضيف وهنية يتحملون المسؤولية الجنائية عن مقتل مئات من المدنيين الإسرائيليين في هجمات ارتكبتها حماس (ولا سيما جناحها العسكري، كتائب القسام) وجماعات مسلحة أخرى في السابع من أكتوبر 2023 وأخذ ما لا يقل عن 245 من الرهائن”، وفق ما نقلته “الحرة”.

وأشار البيان إلى أن “هؤلاء الأشخاص خططوا لارتكاب الجرائم في السابع من أكتوبر 2023 وحرضوا على ارتكابها، كما أنهم بأفعالهم، التي شملت زيارات أجروها بأنفسهم إلى الرهائن بُعَيد اختطافهم، أقروا بتحملهم المسؤولية عن هذه الجرائم. وندفع بأن هذه الجرائم ما كان لها أن تُرتكب لولا أفعالهم. ويُوَجه الاتهام إليهم باعتبارهم مشاركين في ارتكاب الجرائم وباعتبارهم رؤساء عملا بالمادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي”.

موقف إسرائيل و”حماس”

في مقابل ذلك، وجه قادة إسرائيليون انتقادات حادة لطلب “المحكمة الجنائية الدولية”، حيث اعتبر الوزير الإسرائيلي بني غانتس، أن طلب المدعي العام لـ”المحكمة الجنائية” إصدار مذكرتي اعتقال لنتنياهو وغالانت “هو في حد ذاته إهانة ذات أبعاد تاريخية”.

Palestinians inspect the site of an Israeli strike on a house, amid the ongoing conflict between Israel and Hamas, in Rafah, in the southern Gaza Strip May 5, 2024. REUTERS/Hatem Khaled TPX IMAGES OF THE DAY

بينما وصف زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد إعلان “المحكمة الجنائية الدولية” في شأن نتنياهو وغالانت بأنه “كارثة”. كما وقال ناطق باسم الحكومة الإسرائيلية: ندعو الدول إلى الإعلان بأنها لن تنفّذ أي أوامر توقيف تصدرها المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين.

أما القيادي في “حماس” سامي أبوزهري فقال لوكالة “رويترز”، أمس الاثنين، إن طلب “الجنائية الدولية” إصدار مذكرة اعتقال بحق ثلاثة من قادة الحركة الإسلاموية “مساواة بين الضحية والجلاد”.

وأضاف أبوزهري أن قرار المحكمة يشجع إسرائيل على الاستمرار في “حرب الإبادة”. واعتبر مسؤول بمنظمة “التحرير الفلسطينية”، أن الطلب الذي شمل قادة من “حماس” خلط ما بين الضحية والجلاد، مشيراً إلى أن “الشعب الفلسطيني من حقه الدفاع عن نفسه”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات