ما تزال كافة الخطوات لتعويم الرئيس السوري بشار الأسد في محيطه الإقليمي العربي، ومحاولة إبعاده عن المحيط الإيراني والخروج من تلك الدائرة بأبعادها وتفاصيلها، أو بالأحرى إملاءات هذا المحور السياسية والأمنية والعسكرية ولا سيما ملف عودة اللاجئين السوريين، تنتهي بالفشل.
منذ أن حاول الأردن طرح مقاربته “خطوة مقابل خطوة” وعودة الأسد لجامعة “الدول” العربية، فإن الإحباطات رافقت تلك العودة التي لم تنهِ الارتماء في أحضان “الولي الفقيه”، واستمرار النشاطات الإيرانية المشبوهة على الحدود السورية الأردنية، كتهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن تهريب “الكبتاغون” الذي تعاني منه عدة بلدان في المنطقة منها المملكة العربية السعودية.
قال رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، نهاية أيار/مايو الفائت، إن وزير الخارجية عبد الله بوحبيب قدم خلال مشاركته في مؤتمر “بروكسل 8 لدعم سوريا ومستقبل المنطقة” عرضاً تفصيلياً واضحاً، لخطة عمل مفصلة ومحددة لتنظيم ملف عودة اللاجئين السوريين في لبنان.
فيما ترتكز الخطة التي تتبناها الحكومة اللبنانية ومجلس النواب التنسيق بين مختلف الوزارات والأجهزة المعنية ضمن أوقات زمنية محددة وفق ما نقلته الوكالة اللبنانية “الوطنية للإعلام”. وخلال المؤتمر طلب لبنان البدء بخطة التعافي المبكر في سوريا، وفصل مسألة “النازحين” عن الاعتبارات السياسية، وإيجاد مناطق آمنة في سوريا للبدء بالعودة أو ترحيلهم لبلد ثالث.
الأسد.. تهرب من اللقاءات والتنسيق
ليس ثمة شك أن ملف اللاجئين في سوريا وتحركات الجانب اللبناني نحو إعادتهم لسوريا أو توطينهم في بلد ثالث، يعكس بشكل كبير مدى فقدان المجتمع الدولي وخصوصاً المقربين من الحكومة السورية ثقتهم في منظومة الأسد الابن على مستويات عديدة، سيما ملف اللاجئين الذي يبدو أن النظام الحاكم في دمشق لا يريد أن يستقبلهم على خلفية اعتبارات مالية فضلاً عن كواليس ملف المساعدات وإدارة العقوبات.

صاغت دول الجوار عدّة تحركات من أجل هيكلة النظام السوري من جديد مثلما فعل الأردن، الذي ساهم بفكرة “خطوة مقابل خطوة” وإعادة الأسد إلى المجتمع الدولي قبل القمة العربية، وكان من المفترض أن يكون اجتماع للجنة الوزارية العربية التي شكلتها “الجامعة العربية” في بغداد، لكن قبل الاجتماع طلب من الأسد التوقيع على ورقة رسمية ليبين التزامه بهذه المتطلبات، إلا أن الأسد رفض ذلك وفقاً لوزير الأعلام الأردني السابق سميح المعايطة.
أيضاً لبنان الذي طرح عدة مبادرات من أجل إعادة اللاجئين إلى سوريا، وطلب عقد قمة سورية لبنانية ولقاء قادة الحكومة السورية، إلا أن الأخيرة ترفض لقائهم والتنسيق معهم. لذلك طرح بوحبيب في مؤتمر “بروكسل” فكرة إعادة توطين اللاجئين السوريين في “بلد ثالث” لتعذر عودة السوريين لأسباب سياسية في إشارة إلى استحالة عودتهم إلى سوريا.
نحو ذلك يشير الصحفي السوري، صخر إدريس، بقوله إن تلك الخطوة من قبل لبنان وبمشاورة عدد من الدول العربية للتواصل مع دمشق من أجل مناقشة وضع اللاجئين السوريين وإعادتهم مرة أخرى من خلال تلك المبادرة مسألة، لها دلالاتها السياسية بالتحديد، خاصة أنها تشي إلى رغبة بعض الدول العربية في إعادة دمج سوريا في المنظومة العربية تماشياً مع الأمر الواقع، وإرسال رسالة مفادها أن بعض الدول العربية مستعدة لتحمل مسؤولية حل الأزمة، وأنها لا تعتمد على المجتمع الدولي بشكل كامل، لكن قد تُثير هذه الخطوة قلق المجتمع الدولي بشأن حقوق اللاجئين وظروف عودتهم.
ويتابع إدريس تصريحاته لـ”الحل نت”، أن ذلك بالإضافة إلى عدم الثقة بمنظومة بشار الأسد، خاصة بما يتعلق نحو قدرته على حل ملف عودة السوريين بمفرده، نظراً لعدم التزامه غير مرة بالتعهدات، وذلك يعود في تقدير المصدر لأسباب عديدة يأتي من أهمها التدفق المالي الذي تؤمنه حوالات السوريين في الخارج إلى ذويهم في داخل سوريا، والتي وصلت نحو ثلاثة مليار دولار خلال العالم الماضي.
تراجع المبادرات العربية
أجرى وزير الخارجية اللبناني اتصالات مع الوزراء العرب الذين تستضيف بلادهم لاجئين سوريين وهي الأردن، والعراق، ومصر، وجرى الاتفاق على خطة موحدة للاتصال بالجانب السوري ودعم التعافي المبكر في سوريا كما أكد على ضرورة أن يكون الدعم والمساعدات لتشجيع السوريين على العودة إلى بلادهم.

وبحسب ميقاتي، فإن لبنان حصل على توافق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على كل النقاط التي طرحها لبنان ومن أبرزها تسليم كل المعطيات التي في حوزة المفوضية في ما يتعلق بالنازحين السوريين.
هذا وقد تعهدت الجهات المشاركة في مؤتمر “بروكسل”، بتقديم مساعدات مالية بقيمة 7.5 مليار يورو (8.1 مليار دولار أميركي) على شكل منح وقروض لمساعدة السوريين وذلك خلال المؤتمر الوزاري للمانحين في العاصمة البلجيكية بروكسل.
في هذا السياق يشير الكاتب السياسي اللبناني، أسعد بشارة، إلى أن هذه المحاولة اللبنانية بالأساس هي من ضمن مجموعة محاولات باتجاه دمشق لمحاولة السعي لإعادة اللاجئين، لكن الواضح أن ثمة قرار لدى الحكومة السورية يفضي نحو عدم عودة أي لاجئ إلا بعد أن تقبض ثمن العودة.
ويتابع الكاتب اللبناني حديثه لـ”الحل نت” بقوله، إن الثمن المرجو في ذهنية نظام دمشق لا ينبغي ترجيحه من دول الجوار سواء لبنان أو العراق أو الأردن ولا أي دولة أخرى من دول الجوار.
ويردف بشارة أن دمشق تريد ثمن ذلك إزاء إلغاء العقوبات المفروضة عليها، لا سيما قانون “قيصر” واستدراج مساعدات ضخمة للسماح بعودة جزئية للاجئين على مراحل وإذا سمح بذلك ووافق عليه.
اعتبار دمشق أن ما حدث في سوريا، منحها فرصة التخلص بشكل أو بآخر من المواطنين المناوئين لسلطاتها وتوجهاتها السياسية، وأضحت البلاد تحت قبضتها ونظيفة ديموغرافياً ومذهبياً بحسب منطقها وتصوراتها. وبالتالي، تبقى هذه المحاولة محاولة يتيمة أخرى تضاف إلى المحاولات السابقة دون أن يكون لها نصيب كبير.
ويختتم السياسي اللبناني أسعد بشارة تصريحاته التي خص بها “الحل نت”، أنه مجرد بقاء العقوبات على منظومة بشار الـأسد، فهذا يعني فقدان الثقة بها كما يعني أيضاً أنه فقد الاعتراف الدولي بوجودها، وكذا يمضي نحو لا إمكانية في المستقبل لإعادة تأهيلها أو إدخالها في المنظومة الدولية أو العربية، على الرغم من حضورها اجتماعات جامعة “الدول” العربية الأخيرة في البحرين.
وبالتالي هذا النظام بات يقبع في الحجر الدولي، ومن الصعب تصور إعادة ترميمه وتأهيله من جديد. لهذا ستكون مشكلة اللاجئين مرشحة لأن تتصاعد في الأشهر المقبلة طالما بقي هذه المنظومة.
أزمة اللاجئين ورقة مساومة
تلفت الكاتبة الأردنية الدكتورة آمال جبور، إلى أن الأزمة السورية تحولت منذ عام 2011 من أزمة محلية ووليدة ظروف داخلية إلى أزمة تمس المستويين الإقليمي والعالمي، وفرضت تحدياتها السياسية والاقتصادية والأمنية والديموغرافية على دول الجوار بمواجهة أكبر تدفق للجوء في كل من (الأردن ولبنان ومصر والعراق) مُخَلِفَة ملفات متشابكة وشائكة على المسرح السياسي الإقليمي منها والدولي.

تتابع الكاتبة الأردنية آمال جبور تصريحاتها لـ”الحل نت”، بأن كافة تلك التطورات هو ما دفع الحكومة اللبنانية للاتصال مع الأردن ومصر والعراق للاتفاق على خطة عربية موحدة لعودة طوعية للاجئين السوريين.
وتؤكد تجليات هذا الحراك ما جاء من تصريحات متعددة عربية وأوروبية قبل أيام من منصة مؤتمر “بروكسل” للمانحين المعني بحل الأزمة السورية، على استبعاد وجود توافقات سياسية إقليمية ودولية في المنظور القريب للأزمة السورية، اختصره مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بالقول: “الظروف الحالية لعودة آمنة وطوعية إلى سوريا ليست متاحة”.
إن الحل السياسي للازمة السورية، والحديث للمصدر ذاته، كما نعلم لا يمكن أن يستوي إلا بتوافقات دولية مع الداخل السوري ومن خلال الأمم المتحدة ودعم جميع أعضاءه، وما شهدناه أخيراً من تحركات دبلوماسية سياسية من الجانب اللبناني وبالتوافق مع الأردن ومصر والعراق، باتجاه خطة عمل واضحة ومحددة لتنظيم ملف اللاجئين السوريين لتحفيزهم على العودة الطوعية لوطنهم، ما هو إلا لتحريك المياه الراكدة في الملف دولياً.
تشير جبور إلى محددات الوضع في الحالة اللبنانية، حيث ضاعفت أزمة اللاجئين السوريين أزمات لبنان الداخلية السياسية والاقتصادية والأمنية، ويبدو أن لبنان بعد تخلي المجتمع الدولي عن دعم الأزمة دبلوماسياً وسياسياً وإنسانياً ينهج مبدأ الضغط بورقة التهجير عبر البحر إلى أوروبا، وترحيل أزمة اللاجئين إلى الغرب باعتبارهم طرفاً في اندلاع الأزمة، وعليهم تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية والقانونية.
وفي الحالة الأردنية، فإن جغرافيته التي يستند إليها في لعب أدوار أقليمية ودولية مهمة رغم إمكاناته المتواضعة، هي ذاتها التي تجبره على الانزلاق في أزماتٍ تُثقل بنيته التحتية والاقتصادية والأمنية كأزمة اللاجئين السوريين، وهذه الجغرافية تحصر خياراته فقط في البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية مع أطرف الأزمة على المستوى الدولي والإقليمي، فلا يمكن للأردن أن يستبعد هذه الخيارات لعدم وجود أوراق ضغط أخرى كلبنان وتركيا ومصر التي تلجا إلى البحر كخيار لترحيل أزمة.
وتختتم الدكتورة آمال جبور تصريحاتها التي خصت بها “الحل نت” قائلة: إن “نتائج مؤتمر بروكسل الأخير خير دليل على ذلك، فلم يقدم توافقات تجاه حل أزمة اللاجئين، ولا دعا الجانب الأميركي إلى رفع عقوبات قانون قيصر عن سوريا”، علماً بأن الحل السياسي للازمة السورية لا يكون إلا من خلال التوافق مع دمشق والمكون السوري والأطراف الدولية المعنية ومن خلال الأمم المتحدة ودعم جميع أعضاءه.
حيث إن التداعيات السياسية للملف السوري في المنطقة ذاهبة إلى التأزيم إذ لم تتطابق الدعوات الإقليمية والدولية لتبني مقاربات جديدة لحل الأزمة، وتفعيل تنفيذ قرار 2254 لتحقيق تسوية سياسية دائمة للازمة و توافقات دولية مع مكونات المجتمع السوري ونظامه.
تعذّر عودة السوريين
يشير عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان المصري، أيمن زهري بقوله “في الحقيقة أن هذه المبادرات لها ما يبررها لأن اللجوء السوري أصبح لجوءاً طويلاً إلى حد كبير، نحن نتحدث عن أكثر من اثني عشر عاما من اللجوء السوري في بلدان الجوار”.

ويتابع الدكتور أيمن زهري، الباحث في دراسات السكان والهجرة، تصريحاته لـ”الحل نت”، أن الجميع يعتقد أن هناك مناطق جغرافية في سوريا يمكنها أن تستعيد مواطنيها، موضحاً أن ثمة ضغوط كبيرة على لبنان والأردن ومصر والعراق بسبب وجود جاليات كبيرة من الأخوة السوريين الذين فروا بعد أحداث عام 2011 أو ما عرف بعد ذلك بالربيع العربي.
إن مسألة اللاجئين مسألة تؤرق لبنان بشكل كبير وتثير حفيظة الشارع اللبناني نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد، وتحميل أطراف محلية الوجود السوري أزمات مختلفة في البلاد، ناهيك عن تراكمات قديمة جديدة تتصل بالعلاقات المعقدة والمتوترة للغاية بين البلدين، خاصة مع فترة الوجود السوري العسكري بالبلاد، وكذا ضلوع “حزب الله” في الحرب بسوريا وتأثيرات ذلك على الوضع اللبناني من كافة الجوانب.
ويردف: “يمكن القول إن العودة أو الإعادة يجب أن ألا تكون قسرية، وأتصور أن مع عودة هؤلاء الأشخاص إلى سوريا سوف تحدث العديد من المناكفات والمضايقات ربما لبعضهم لأنهم بالفعل كانوا ناشطين ضد الأسد الابن أو بعضهم كان ناشطا ضد ممارسات السلطة هناك”.
لذلك، ففي الحقيقة أن سوريا من وجهة نظر شخصية – الحديث لزهري – ربما ليست مؤهلة لعودة اللاجئين لأن الظروف السياسية التي انتجت هذا القدر الكبير من اللاجئين السوريين إلى بلدان الجوار ما زالت كما هي حتى الآن الفرق الوحيد ربما هو إزاحة “داعش” ومثيلاتها عن المشهد السوري.
ولكن حتى هذه اللحظة يعتقد زهري، أن العودة الطوعية غير مكفولة. ويتصور أن الضغط على الأخوة السوريين للقبول العودة لن يكون طوعياً.
ويختتم حديثه قائلاً إن المجتمع الدولي في الحقيقة وضع ثلاثة حلول لأزمات اللاجئين، أولها العودة الطوعية إذا سمحت الظروف بذلك، أو توطين في البلد الذي يوجد فيه اللاجئين إن كان ذلك ممكناً وهذا غير ممكن. والحل الثالث أن تستضيفهم أو يستضيفهم بلد ثالث. ويمنحهم فرصة العيش هناك والتوطين.
كل هذه الحلول، حلول غير ممكنة واقعياً، إلا بمستوى بسيط جدا لا يتناسب مع كمية اللاجئين السوريين الذين يقدرون بأكثر سبعة ملايين لاجئ في جميع أنحاء العالم. طبعا هذا بالإضافة إلى مشكلة النزوح الهجرة القسرية الداخلية وهناك قرابة ستة ملايين نازح أي مهاجر داخلي مجبر على الهجرة، وهؤلاء أيضاُ لابد من إعادتهم إلى محل إقامتهم الأصلية إن تيسر ذلك.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

