مرة أخرى، وبينما تكون مفاوضات إنهاء الحرب في غزة قاب قوسين أو أدنى، وعلى وشك الانتهاء من تفاصيلها الرئيسية، وخطوطها العريضة بحيث يمكن المضي قدماً نحو العمل السياسي وتهدأ أصوات الرصاص والهدم، ليحل محلها البناء الديبلوماسي، لا سيما أوضاع المدنيين، فإن حوادث أمنية وعسكرية تجري لتقطع الطريق أمام مسارات التهدئة، وتعيق الوصول إلى نقطة آمنة بين الأطراف المتنازعة.
وما تزال تلك الأطراف تتبادل الاتهامات، وترفع من حمى المواجهة الميدانية، واتهم عضو المكتب السياسي لحركة “حماس”، عزت الرشق، في بيان، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمحاولة إفشال جهود الوسطاء العرب والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. كما قال إسماعيل هنية إن “حماس ستوقف المفاوضات بسبب عدم جدية الاحتلال واستمرار سياسة المماطلة والتعطيل والمجازر المستمرة ضد المدنيين العزل”.
وبالتالي، تبدو المفاوضات في منطقة تراوح مكانها، وآخر المحطات كانت في التصعيد العسكري لإسرائيل بعدما طاول مخيم المواصي للنازحين بخان يونس هجوماً من قبل القوات الإسرائيلية، والحديث عن احتمالية استهداف محمد الضيف قائد الجناح العسكري لحركة “حماس”.
جمود في المفاوضات
ومع التصعيد الإسرائيلي والمماطلات التي تقوم بها “حماس”، فدخلت التعقيدات بين الطرفين منعطف جديد، حيث إن “حماس” هددت وأعلنت بجمود المفاوضات، ثم صرح من جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”الحق في الاستمرار في الحرب حتى تحقيق جميع أهدافها”. وقال إن “حماس” تستهدف تجميد الجهود بشأن الهدنة و”طلبت تغيير كثير من بنود الصفقة، وأنا لم أوافق على أي منها، ولم يكن هناك تقدم في المفاوضات منذ أشهر، لأن الضغط العسكري لم يكن قوياً بما يكفي، والآن بدأنا نشعر بأن هناك تقدماً في المفاوضات لعقد صفقة تبادل”.

وبشأن مؤشرات تضرر محادثات صفقة وقف الحرب وتبادل الأسرى، قالت “هآرتس” إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، ديفيد برنياع، لم يتوجه إلى قطر، الأحد، لاستكمال المفاوضات بشأن الصفقة، كما كان مقرراً، مضيفة: “في الوقت الحالي، تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن زيارة برنياع ستجري في نهاية الأمر”، دون ذكر موعد لها.
كما نقلت الصحيفة عن مصدر أجنبي مطَّلع على سير المفاوضات، لم تُسمِّه، قوله، أنه “منذ العملية التي شنها إسرائيل يوم السبت، كانت توجد صعوبة في دفع الصفقة إلى الأمام”، مضيفاً: “من الطبيعي أن تتشدد حماس في مواقفها، وتعرب عن غضبها بعد مثل هذا الحدث.. لكن توقعات جميع الأطراف هي رؤية تقدم قريباً”.
وبحسب مصدر سياسي مطلع في إحدى دول الوساطة، فإن “حماس” تستخدم “التصعيد العسكري الإسرائيلي، لتعمل على تعطيل الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى التسوية. من خلال وقف المفاوضات وعدم التوصل للهدنة تضغط كذلك على الولايات المتحدة لجهة فرض موقف باتجاه تل أبيب لوقف الهجمات على قادة حماس واستهدافهم. غير أن حماس بهذا الموقف البراغماتي تكشف عن مؤشرين أولهما كسب موقف ربما يجعل مسار المفاوضات في صالحها، ويخفف عنها بعض الشروط، وثانيهما هو رغبتها في أخذ موقف لتهدئة حواضنها وإبداء أن لها موقف في إطار فلسفة المقاومة أمام الهجوم الإسرائيلي”.
لقاء قريب بالدوحة
ويشير المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ”الحل نت”، إلى أن موقف الحركة “رد فعل” ولا يعبر عن “موقف راديكالي” لافتاً إلى أن المفاوضات “محسوم كثير من نقاطها حتى النقاط الخلافية تم تأمينها بين الأطراف وبرعاية دول الوساطة (مصر وقطر)، بالتالي، فإن إعلان جمود المفاوضات مؤقت حتى يتم تفادي أي غضب ضد حماس في أوساطها”، ويقول المصدر في نهاية حديثه المقتضب إن هناك “لقاء في الدوحة يتم التحضير له” وهي إشارة منه لتأكيد على أن المسار سوف يستأنف ويواصل دوره حتى بعد الهجوم على المخيم في خان يونس.
بينما “حماس” وبعد ما تسببت فيه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، تسعى إلى “ابتعاث انتصارات ولو وهمية بين حواضنها وقد باتت مواقفها أو الأرض الثابتة التي تقف عليها وتحكم بها قطاع غزة أمام مخاطر وجودية.
غير أن مصدر آخر مطلع على مسار المفاوضات في لبنان، يشير إلى أن ما حدث في خان يونس، لن يؤثر على المفاوضات القائمة في شيء، وذلك لاعتبارين، أولهما أن “حماس كما باقي ما يسمى بمحور المقاومة نما إلى علمهم بأن تل أبيب سوف تنتهج استراتيجية تصفية القادة الميدانيين في هذا المحور، بينما سترفع درجة المواجهة في حرب الظل وتوسعها مع كل ما يشكل تهديدات عليها” مشيراً في حديثه لـ”الحل نت” إلى أن “البنية العسكرية والأمنية في المحاور التابعة لإيران، باتت مخترقة بشكل كبير، ولن تفوت إسرائيل تلك الفرصة، وهذا ما حدث في بيروت ودمشق وخان يونس”.
وقال الناطق بلسان وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، الاثنين الماضي، إن وزير خارجية واشنطن أنتوني بلنكن التقى وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي و”أعرب لهما عن قلق الولايات المتحدة العميق إزاء الضحايا المدنيين الذين سقطوا مؤخراً في غزة”.
إذ قضى في الهجوم الإسرائيلي إثر شن قصف جوي على المخيم نحو “93 فلسطينياً وإصابة 300 آخرين”، وذلك لوجود معلومات أفادت بأن القيادي بالجناح العسكري لحركة “حماس” إنما يتواجد بين المدنيين في غرب خان يونس، وهي عادة الحركة التي تقوم باستغلال الحواضن الشعبية والمجتمعات المدنية لتأمين قادتها وتخزين حتى أسلحتها وكأن المدنيين رهائن لتحقيق الأهداف الاستراتيجية لـ”حماس”.

الباحث المختص في العلوم السياسي، الدكتور سامح مهدي، يوضح لـ”الحل نت” أن محاولة اغتيال محمد الضيف، قائد “كتائب القسام”، له تأثيرات مباشرة على مسار المفاوضات والتوصل إلى هدنة، حيث إن “حماس” كما إسرائيل ستتعرض لأعباء بناء على ما جرى، فمن ناحية، هناك استحقاقات ما تزال تل أبيب ترى أنها بحاجة لتحقيقها، مثل تصفية قدرات الحركة وشل إمكاناتها الأمنية والعسكرية، فضلاً عن قدرات أفرادها، مثل يحيى السنوار والضيف وآخرين.
بينما “حماس” وبعد ما تسببت فيه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، تسعى إلى “ابتعاث انتصارات ولو وهمية بين حواضنها وقد باتت مواقفها أو الأرض الثابتة التي تقف عليها وتحكم بها قطاع غزة أمام مخاطر وجودية، ليس فقط بسبب تهديدات إسرائيل إنما كذلك نتيجة ردود فعل قطاعات عديدة ترى بأنها تضررت من الحرب، وهي قطاعات لا نعرف حجمها على وجه الدقة كما لا نعرف أوزانها، إنما برصد كمي عشوائي من خلال منصات التواصل الاجتماعي، تبدو هناك إشارات قوية باتجاه وجود معارضة من الحرب”، يضيف مهدي.
ووفق مهدي، فإن إسرائيل كذلك تعاني من تناقضات داخلية، بسبب عدة أمور يتعين النظر لها ومراجعتها وحلها نهائياً، مثل عودة السكان لشمال إسرائيل وتصفية التهديدات هناك، وكذا إنهاء التوترات بمحور فيلادلفيا والمتسببة في أزمات مع مصر والغرب والولايات المتحدة.
وبحسب موقع “الحرة” الأميركي، فقد نفلت عن مراسلها وجود خلاقات جمة بين نتنياهو “وطاقم التفاوض، وذلك بسبب إصرار الأول على وجود القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا وعدم السماح بعودة السكان إلى الشمال من دون إشراف ومراقبة إسرائيلية”. كما “يؤكد طاقم التفاوض أن عدم التوصل إلى تفاهمات في إسرائيل بهذا الشأن يعني أن حركة حماس سترفض الصفقة المطروحة. إلى ذلك من المتوقع أن يتوجه هذا الأسبوع إلى الدوحة طاقم المفاوضات الإسرائيلي، لكن حتى اللحظة من غير الواضح إذا كان سيشمل برنياع أم سيكون بمستوى مسؤولين مهنيين فقط”.
يتفق والرأي ذاته، ما أعلن عنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، مطلع الأسبوع، والذي أكد أنه مقتل الضيف ليس أمراً مؤكداً حتى الآن وكثير من التفاصيل تعمي حقائقها “حماس”، بينما ثمن العملية الأخيرة في خان يونس وقال إنها “ساعدت على ضرب قدرات حماس وستساعد في الوصول إلى صفقة تبادل”. مؤكداً أنها ضمن “الجهود المتواصلة للقضاء على قادة حماس وكل المسؤولين عن هجوم 7 أكتوبر”.

