أنجم تشودري: السجن المؤبد لـ”داعية الكراهية” وطالب بتحويل قصر باكنغهام لمسجد

لم يعد خافياً أن هناك في الغرب وبعدد من العواصم الأوروبية مواجهة عنيفة وجديدة مع الإسلام السياسي. فمخاطر هذه القوى التي باتت تتكشف فرضت نموذجاً جديداً ظهر في فرنسا كما في بريطانيا وألمانيا وبلجيكا، يقوم على بناء استراتيجيات وسياسات عملية لتقويض نفوذ هذه الجماعات الإسلاموية والشخصيات الدعوية التابعة لها، وقد وسعت من أدوارها وتغلغلها بالمجتمعات، ليس من خلال نشاطها المباشر النظري والحركي، عبر تدشين أفكار تكفيرية وآراء أصولية متشددة أو تنفيذ هجمات وعمليات قتل/ طعن، إنما من خلال تخفيها في المؤسسات التعليمية وتمرير مقولاتها وبناء جيل متطرف داخل المساجد والمراكز الدعوية والثقافية والمدارس.

بعد فترة وجيزة من إعلان بريطانيا، منتصف آذار/ مارس الماضي، عن تعريف جديد للتطرف، جاء قرار من محكمة بريطانية بحق الداعية الإسلامي المتشدد، أنجم تشودري، بالسجن مدى الحياة، بتهمة إدارة منظمة إرهابية. 

سجن تشودري.. بريطانيا تجابه التطرف

ولدى تشودري صلات وثيقة وقديمة بل تاريخية بجماعة “المهاجرون”، في تسعينات القرن الماضي، ويعد ضمن مؤسسيها مع داعية آخر متشدد عمر بكري فستق وترجع أصوله إلى سوريا وقد طرد من لندن عام 2005. 

كما أن لدى تشودري سجل حافل بالمواقف المؤيدة للجماعات الإرهابية، وسيرة ممتدة في مجال الإرهاب الذي يعد أحد صناعه المحترفين. المفارقة أن العقود السابقة التي شهد الإسلامويون فيها هامش حرية في بعض العواصم الأوروبية مستفيدين من القوانين الليبرالية بتأسيس منظمات مجتمع مدني يتم التخفي وراء مسمياتها البراقة في حين أن النشاط العملي هو تأمين رافعة للجهاديين والعناصر الأصولية، لم تعد على حالها كما في الماضي، لا سيما مع أجيال من الداعشيين الذين ظهروا في صفوف التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، ومنهم أعداد ليست بالقليلة من الأجانب أو أبناء المهاجرين العرب والمسلمين. 

لدى تشودري سجل حافل بالمواقف المؤيدة للجماعات الإرهابية، وسيرة ممتدة في مجال الإرهاب الذي يعد أحد صناعه المحترفين-“الشرق الأوسط”

هذا فضلاً عن الضغوط المتزايدة من العناصر والقوى المتشددة ضد الحكومات الغربية مع حرب غزة، وتأييد حركة “حماس”، وقبلها جماعة “الإخوان المسلمين” تحديداً بعد الاحتجاج على حكمها بعد “الربيع العربي” في عشرية سوداء بمصر وتونس والمغرب.

وبينما كانت بريطانيا تتعاطى مع الإسلام السياسي في سياستها الخارجية بشكل براغماتي، ومنحتهم ملاذات آمنة في فترات تاريخية عديدة، فإن تنامي الهجمات الإرهابية وتهديدها الاستقرار، خاصة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، رفع درجة الحذر والانتباه بصورة قصوى لمواجهة التطرف عبر إعادة تعيين تعريف جديد له من الناحية القانونية، ومن ثم، فرض تشريعات وسياسات إجرائية لمنع التهديدات المختلفة. فيما بدا التعريف الجديد أكثر دقة وشمولية، وشمل “ترويج أو تعزيز أيديولوجية تقوم على العنف أو الكراهية أو التعصب، وتهدف إلى تدمير الحقوق والحريات الأساسية، أو تقويض أو استبدال الديمقراطية البرلمانية الليبرالية في بريطانيا، أو خلق بيئة مواتية للآخرين عن عمد لتحقيق تلك النتائج”. 

تشودري يدعم “داعش” 

ويمنح التعريف الجديد في بريطانيا مرونة أكبر في تعقب التهديدات التي تقوم التنظيمات الإرهابية، بينما تتخفى وراء عناوين حقوقية تتصل بالمنظمات المدنية، أو من خلال ارتكازها على الجانب الدعوي الذي تزعم أنه مجرد رأي يقع ضمن حقوق الفرد في التعبير عن معتقداته وأفكاره. 

وهذا ما ينطبق مع الداعية المتشدد تشودري المحكومة عليه بالمؤبد والسجن طوال الحياة، حيث إن مقولاته وأفكاره تتبنى قيماً تدميرية، وتشكل طاقة عنف سلبية، بمقدورها تعبئة الأفراد وتشكيل جماعات، تباشر دورها في العنف والقتل المادي والمعنوي والترويج لخطابات الكراهية. ولهذا سبق لرئيس الحكومة ريشي سوناك وحذر من كون “المتطرفين واليمين المتطرف يقوضون عمداً الديمقراطية متعددة الأعراق في بريطانيا”، بينما شدد على ضرورة “بذل المزيد من الجهود لمعالجة المشكلة”.

ويمكن القول إن الحكم على أنجم تشودري الذي يأتي من الناحية التنظيمية في قمة الهرم الحركي لجماعة “المهاجرون” المتطرفة والمحظورة بلندن، ضمن هذا السياق الذي يقلص ويقوض من نفوذ ونشاط الإسلام السياسي، وبحسب حيثيات الحكم، فإن الداعية المتشدد متهم بتحريض مجموعات وأفراد وإدارة اجتماعات تعبوية من خلال حسابات عبر الإنترنت. 

ومن بين ما ورد في الحيثيات أيضاً عن المنظمة المحظورة أن تتبع وسائل عنيفة لنشر الإسلام وذلك “باستخدام وسائل عنيفة حيثما تطلب الأمر”.

و”يعني الحكم أنه لا يمكنه أن يسعى لمغادرة السجن بترخيص حتى يتجاوز عمره 85 عاماً”، وفق موقع “الحرة”. حيث “أدين تشودري، البالغ من العمر 57 عاماً، الأسبوع الماضي بإدارة جماعة “المهاجرون” التي تم حظرها كمنظمة إرهابية منذ أكثر من عقد من الزمن، وتشجيع آخرين على دعم الجماعة المحظورة. وجاءت إدانة تشودري بإدارة منظمة إرهابية بعد عملية تحقيق معقدة شارك فيها محققون في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة”.

الاستدارة الأوروبية تجاه الإسلاموية جديدة في سياق تهديدات لا تبدو عرضية، وقد سبق لرئيس الحكومة البريطاني السابق توني بلير أن حذر من تهديدات الإسلام السياسي، واعتبره قبل أعوام قليلة يشكل تهديداً أمنياً من “الدرجة الأولى”.

وقال القاضي البريطاني مارك وول لتشودري في محكمة وولويتش كراون في لندن: “إن منظمات مثل منظمتكم تعمل على تطبيع العنف لدعم قضية أيديولوجية”. فيما سبق أن حكم القضاء البريطاني على تشودري في 2016 بالسجن 5 سنوات ونصف “لدعوته إلى دعم تنظيم جهادي مسلح”، قبل أن يغادر السجن في 19 أكتوبر 2018، بعدما أمضى نصف العقوبة، إذ قررت السلطات حينها إخضاعه للمراقبة خلال الفترة المتبقية من العقوبة. وكان تشودري، وهو محام من أصل باكستاني، بريطاني المولد، قد دعا إلى دعم داعش في سلسلة أشرطة فيديو بثها عبر يوتيوب عقب مبايعته زعيم التنظيم”.

تحويل قصر باكنغهام لمسجد

ليس ثمة شك أن جهود تقويض الإسلام السياسي وتصفية نفوذه، وإنهاء مرتكزاته التي يقوم عليها لتشكيل حواضن مجتمعية يستعين بها في صراعاته الخارجية أو استهدافاته داخل الضواحي والعواصم بأوروبا، يبدو أمراً جديداً ويتخذ طابع الجدية من خلال القوانين والسياسات والتشريعات التي لا تعنى فقط بالجانب الأمني قصير المدى، إنما كذلك بالأبعاد الثقافية التي تحاول أن تواصل فرص مساعدة المهاجرين وأبناءهم من الأجيال المتفاوتة على الاندماج الثقافي والاجتماعي من دون شعور بخصوصية هوياتية تتحول تحت تأثيرات عقائدية وأيديولوجية لوسيلة هجوم وصدام في ظل شعور بالعزلة أو الانعزالية. 

والاستدارة الأوروبية تجاه الإسلاموية جديدة في سياق تهديدات لا تبدو عرضية، وقد سبق لرئيس الحكومة البريطاني السابق توني بلير أن حذر من تهديدات الإسلام السياسي، واعتبره قبل أعوام قليلة يشكل تهديداً أمنياً من “الدرجة الأولى” على حد وصفه، وطالب بضرورة السيطرة عليه من التفلت. 

كما أن صحيفة “التايمز” قبل عقود رصدت الدور المشبوه لحركة “المهاجرون” في دعم اتصالات عبر مواقع الإنترنت و”غرف الدردشة” للتشبيك بين الجهاديين. وعدت الصحيفة وجود هذه التكتيكات وسيلة تساهم في شيوع “التطرف وتعبئة الشباب لحساب الإسلام الجهادي” الذي يقسم العالم إلى “دار كفر” و”ساحة جهاد” و”دار إسلام/ سلام”. 

في سجل تشودري حوادث إرهابية عديدة، غير أنه بعد رحيل المؤسس الأول والرئيسي لجماعة “المهاجرون”، انفرد بالزعامة للإسلام الأصولي المتشدد والراديكالي ببريطانيا، حيث ألح على التصعيد في خطابه العنيف والطائفي، مثل مطالبته بجعل قصر “باكنغهام” الملكي مسجداً. وتصدى بالدفاع عن قادة ما عرف بـ”غزوة منهاتن”، بل له عدة إصدارات أيد فيها تنظيم “داعش” الإرهابي، وقد أدين بسبب ذلك وقضى بالسجن خمسة أعوام في سجن بيلمارش، ولم يفرج عنه إلا عام 2018. وظل تأييده لكل الموجات الأصولية قائماً، آخرها حكم الحركة المتشددة والمسلحة في أفغانستان، “طالبان”، وقد طالبها بتنفيذ العقوبات البدنية/ الحدود بدعوى الالتزام بالشريعة، عبر قطع يد السارق ورجم الزاني وغيرها. 

وبحسب موقع “العربية”، فإن حقائق جديدة تتكشف عن عثمان خان، الذي قتل شخصين طعناً على جسر لندن نهاية عام 2019. و”لعل الأكثر أهمية بين تلك المستجدات، ما كشفته وسائل إعلام بريطانيا، عن علاقة صداقة تجمع بين خان والداعية المتطرف الشهير في بريطانيا أنجم تشودري.

وقد نشرت عدة صحف بريطانية صورة لخان يقف إلى جوار الداعية المتطرف، الذي أيد سابقاً “داعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية. وتعود الصورة التي جمعت الصديقين المتطرفين إلى مارس/آذار 2009، أي قبل 3 سنوات من سجن خان بتهمة التآمر لتفجير بورصة لندن. وفي التفاصيل، ظهر شودري وخان معاً في مؤتمر حول قانون الشريعة في ستوك أون ترينت في عام 2009، حيث التقطت تلك الصورة”.

عثمان خان وأنجم تشودري_ “العربية”

وتابع: “خان خطط قبل أعوام مع 8 أعضاء آخرين في خلية إرهابية، ولعل المفارقة أن جميعهم كانوا أعضاء في حركة “المهاجرون”، الجماعة الإسلامية المتطرفة المحظورة التي أسسها تشودري. وفي عام 2012، سُجن التسعة – من ستوك وكارديف ولندن – بتهمة تفجير بورصة لندن وإقامة معسكر للتدريب على الإرهاب في باكستان. إلا أن خان عاد العام الماضي، حراً طليقاً، في منتصف مدة عقوبته البالغة 16 عاماً. 

وشملت شروط إطلاق السراح الخاصة به في حينه حظراً على دخول لندن، لكن تم إعفاؤه ليوم واحد يوم الجمعة، بحسب ما ذكرت صحيفة “الصن” البريطانية، من أجل حضور دورة تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء. إلا أن خان استثمر على ما يبدو هذا الاستثناء اليتيم، وهاجم بسكين حمله في حالة هياج المارة بالقرب من جسر لندن، ما أدى إلى مقتل اثنين من خريجي كامبريدج وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين على الأقل قبل قتله بالرصاص. أما في ما يتعلق بـ”داعية الكراهية” (أنجم تشودري) كما يلقب في بريطانيا، فتجدر الإشارة إلى أنه أطلق سراحه في أكتوبر 2018، بعد أن أدين بتهمة دعم تنظيم داعش”.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم