إغراءات بالمال والجنسية.. هكذا تجند روسيا الشباب المصريين واللاجئين السوريين بتركيا

من إعلان التعبئة إلى العفو عن السجناء، تواصل موسكو في اقتراح حلول قانونية وغير قانونية لتعويض خسائرها العسكرية والبشرية على الجبهات الأوكرانية. ومن استخدام مرتزقة “فاغنر” إلى تضييق قيود التجنيد وتوسيع نطاق حوافزه، أو السماح بتجنيد مقاتلين أجانب، أو تحفيزهم على ذلك.

فمنذ الأيام الأولى لغزوها أوكرانيا، وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على اقتراح وزير دفاعه السابق سيرغي شويغو القاضي بتجنيد مقاتلين أجانب من دول الشرق الأوسط بشكل عام، وسوريا بشكل خاص. وأشار شويغو حينها إلى أن ثمة 16 ألف شخص مستعدون للتجنيد والمشاركة في القتال إلى جانب روسيا.

روسيا تجند الشباب العرب

ومؤخرا، أشار موقع “مصراوي” المصري، إلى أن وزارة الدفاع الروسية تعاقدت مع قرابة 100 ألف شاب، بينهم آلاف الشباب العرب، خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2024. ما رفع عدد المتعاقدين مع الوزارة إلى ما يقرب من 420 ألف متعاقد منذ إقرار تعديلات قانون الخدمة العسكرية في آذار/مارس 2022 حتى نيسان/أبريل 2024.

“حاولت الحصول على الجنسية الروسية عن طريق أحد السماسرة، بهدف السفر من تركيا بعد الأحداث العنصرية ضد اللاجئين السوريين”، أحد اللاجئين السوريين في تركيا لـ”الحل نت”.

وبعد هذه التعديلات، توسعت الأحاديث عن التطوع للقتال في مناطق العمليات العسكرية بين الطلبة المصريين والعرب بشكل عام في الجامعات الروسية. بدأت في العالم الافتراضي، بالاستفسار عن كيفية التطوع، وحوافزه، ومخاطره، ومن ثم ترجمت إلى أرض الواقع.

وقضت التعديلات برفع الحد الأعلى لعمر طالب التجنيد إلى 40 عاما، مع إلغاء شرط إتقان اللغة الروسية وزيادة الرواتب لتصل قرابة 7 آلاف دولار مع مكافآت لبعض الحالات. إلى جانب تقليص زمن الحصول على الجنسية الروسية من 3 سنوات إلى ستة أشهر بعد فترة التجنيد، والتي تم إلغاؤها لاحقا (مدة ستة أشهر) بالتزامن مع تعديلات شهر أيار/مايو 2023.

وكان موقع استخبارات الدفاع الأوكرانية قد أشار في وقت سابق لمحاولة موسكو استقطاب القوى العاملة وسط إفريقيا، خصوصا رواندا وبوروندي والكونغو وأوغندا، لتجنيدهم في حربها على أوكرانيا، من خلال إغرائهم بدفعة نقدية أولية قدرها 2000 دولار لتوقيع العقد، مع وعد ببدل شهري قدره 2200 دولار، وتأمين طبي، وجواز سفر روسي للجندي وأفراد عائلته. وذلك بعد أن هجر المرتزقة النيباليين الجيش الروسي بشكل جماعي، نتيجة فداحة الخسائر وقسوة القادة الميدانيين.

قناة “صديق روسيا”

“بعد الانتهاء من دراستي، كان لدي خياران. أولهما البقاء عاطلا عن العمل بعد عودتي إلى نيبال، وثانيهما الانضمام إلى الجيش الروسي”، قال رجل نيبالي لموقع “نيبال برس“. أضاف آخر، وهو جندي متقاعد من الجيش النيبالي، ذهبت إلى روسيا من دبي، كنت أعمل حارس أمن، “في وقت لاحق، أخبرني أصدقاء أن هناك فرصة عمل في الجيش الروسي. لذلك ذهبت إلى روسيا كسائح، وكان الأمر سهلا حيث كانت هناك رحلات مباشرة بين روسيا ودبي”.

شاحنة روسية لجذب المتطوعين للجيش- “صورية تعبيرية/وكالات”

من خلال جهوده الحثيثة لاستقصاء حالات تجنيد الشباب العرب الذين يتعرضون لضغوط تدفعهم للالتحاق بصفوف القتال في الجيش الروسي. تمكن موقع “الحل نت” من الحصول على شهادة شاب سوري مقيم في تركيا، بشرط عدم الكشف عن هويته.

غياث السوري، وهو الاسم الذي أطلقه “الحل نت” على ضيفه، أشار إلى محاولته الحصول على الجنسية الروسية عن طريق أحد السماسرة، بهدف السفر من تركيا بعد الأحداث العنصرية التي شهدتها بعض الولايات التركية ضد اللاجئين السوريين، إلى جانب الخلاص من حالة الحاجة الدائمة للأوراق الرسمية التي يتطلب الحصول عليها وقتا طويلا عبر بازار السماسرة.

“لاحقا تبين لي أن هذا السمسار يعمل لصالح وزارة الدفاع الروسية”، قال غياث، وأضاف: “ما لفت نظري التسهيلات الكبيرة جدا للحصول على الجنسية الروسية. هناك استثناءات تمنح لمعظم الراغبين بالحصول على الجنسية، لاسيما الذكور دون سن الخمسين. لكن هناك شرط، للحصول على الجنسية، وهو أن يتم تسليم الأوراق وتقديم الطلب بشكل نهائي داخل الأراضي الروسية. ويجب استلام البطاقة الشخصية أو جواز السفر، بحال الرغبة بالحصول على جواز سفر، من داخل روسيا”. وبالتالي هذا يعني لمن هم دون الخمسين عام أنهم خاضعون للتجنيد الإلزامي ضمن القوات الروسية بمجرد الحصول على الجنسية.

صورة للرسالة التي نشرتها قناة “صديق روسيا” على منصة “تلغرام”، اليوم الثلاثاء الموافق لـ8 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري- “الحل نت”

وبالعودة إلى تحقيق موقع “مصراوي”، فثمة قناة على منصة “تلغرام” باسم “صديق روسيا”، تصف نفسها بأنها “قناة لدعم جيش الاتحاد الروسي بمنطقة العمليات العسكرية”، أنشأتها وتديرها بولينا أليكساندروفنا، وعبر استخدام مميزات الخصوصية والتشفير والحماية الأمنية التي يوفرها التطبيق الروسي “تلغرام”، تقوم بولينا بحماية محتوى القناة، فلا يستطيع أحد من المشتركين تحميل صور أو فيديوهات أو حتى نسخ ما ينشر، ولا حتى الحصول على لقطة شاشة “سكرين شوت” دون استخدام وسائط أخرى.

من خلف الشاشة، ومن خلال علاقتها بالطلبة المصريين والعرب عموما، نتيجة عملها السابق في تسهيل سفر الطلاب للدراسة في روسيا، ترسل بولينا لضحاياها عقودا إلكترونية، وتقطع لهم وعودا برحلة مختلفة عن حياتهم الحالية، من حيث الحصول على أموالا باهظة وإقامة دائمة وجنسية روسية، فيما ينصدمون بواقع مليء بشبكة سماسرة لتجنيدهم بالصفوف الأمامية لحرب أوكرانيا.

موقع “الحل نت”، تواصل مع وزارة الخارجية المصرية، بخصوص التحقيق المنشور في موقع “مصراوي”، ولكن لم يتلقَ ردا حتى لحظة نشر التقرير.

فيما تابع “الحل نت” قناة “صديق روسيا” على منصة “تلغرام”، وعثر على رسالة نشرتها مسؤولة القناة بولينا ألكسندروفنا، اليوم الثلاثاء الموافق لـ8 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تطلب فيه من سبعة مواطنين مصريين (مع كتابة الأسماء) التواصل عبر الأرقام المدرجة برسالتها، على تطبيق “الواتساب”، بغية تلقي دعوة لدخول روسيا، ومن ثم توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية.

حرب إعلامية

الأكاديمي المصري وخبير الشؤون الإفريقية، رمضان القرني، قال لـ”الحل نت” في تعقيبه على تحقيق موقع “مصراوي”، إنه يجب أخذ هذا التحقيق وغيره من التقارير حول تجنيد عرب وأفارقة وحتى أوربيين من مولدوفا بعين الحذر، فالتجنيد أقرب للحالات الفردية، ومن شبكات تجنيد غير سرية. فهذه التقارير تتحدث عن حالات فردية لمواطنين شاركوا بشكل شخصي وبشكل فردي في الصراع الأوكراني الروسي. وتتعلق بشبكات تجنيد غير رسمية. 

وهذا النوع من الشبكات، وفق تقدير القرني، متواجدة في العديد من دول العالم، وفي العديد من الصراعات، وليست قاصرة على الصراع الروسي الأوكراني هي ممتدة ومتجذرة في كافة صراعات العالم المختلفة. لذا لا يمكن اعتبارها عملية تجنيد موسعة. أو حتى مقارنتها على سبيل المثال بمرتزقة “فاغنر” في إفريقيا من ناحية الكم أو من ناحية التجهيز اللوجيستي والعسكري والتدريبي لمقاتلي “فاغنر”.

تعرض بعض الهنود للخداع من قبل شركات التوظيف في دبي مع وعود بأجور عالية وجواز سفر روسي- “أ ف ب”

وينوه القرني إلى ترويج موسكو أحيانا لمثل هذه المعلومات، ومنها تقرير نشره موقع “روسيا اليوم”، تحدث عن وجود مجندين أجانب في صفوف القوات الروسية. وذلك في إطار “الحرب الإعلامية” بين روسيا والغرب. حيث ترى موسكو أن مثل هذه التقارير تفيد بإرسال رسالة إلى الغرب بأن ثمة من يوالي روسيا، وأن مشاركة هؤلاء في الحرب الروسية الأوكرانية هو جزء من هذا الولاء للدولة الروسية. 

إلا أنه في الواقع، روسيا تجبر آلاف المهاجرين والطلاب الأفارقة على الانضمام إلى جهودها الحربية ضد أوكرانيا، حسب تقرير سابق لـ”بلومبرغ“. والتي أشارت لتهديد مسؤولين الروس للعمال والطلاب المهاجرين الأفارقة بعدم تجديد تأشيراتهم، وبالترحيل أيضا، إذا لم ينضموا إلى القوات المسلحة الروسية. بعض هؤلاء لجأ إلى رشوة المسؤولين الروس للبقاء خارج الصراع. 

بدورها، أشارت صحيفة “ذا هندو” لإجبار روسيا بعض الهنود على القتال إلى جانبها في أوكرانيا. “السفارة الهندية تناولت هذه المسألة بانتظام مع السلطات الروسية المعنية لتسريحهم المبكر”، وقال بيان لوزارة الخارجية الهندية، إنها “على علم بأن عددا قليلا من المواطنين الهنود سجلوا لوظائف دعم مع الجيش الروسي”.

تعرض بعض الهنود للخداع من قبل شركات التوظيف في دبي مع وعود بأجور عالية وجواز سفر روسي، قالت الصحيفة الهندوسية. وعند وصولهم إلى موسكو، تم تدريبهم على التعامل مع “الأسلحة والذخيرة وإرسالهم إلى الخطوط الأمامية للقتال. فيما أشار موقع الـ”بي بي سي” مؤخرا، لإعلان الحكومة الهندية، تسريح روسيا عشرات من الـ 91 هنديا الذين خُدعوا للقتال مع القوات الروسية، في حربها ضد أوكرانيا.

هناك طريقة أخرى يتم منح الجنسية الروسية بموجبها، قال غياث السوري لـ”الحل نت”، إنه من خلال تقديم طلب تطوع للقتال في صفوف القوات الروسية. وبموجب هذا الطلب، يتم التعهد من قبل وزارة الدفاع الروسية بمنح الجنسية للمتطوع خلال ستة أشهر أو خلال عام، حسب الاتفاق وحسب العرض الذي يقدم له.

وخلص غياث السوري حديثه بالقول: “المحزن في هذا الأمر أن بعض السوريين انضموا إلى القوات الروسية بناء على هذه الوعود. فيما رفضت الاستمرار في إجراءات الحصول على الجنسية عندما علمت أن الأمر مرتبط بالتجنيد الإجباري ضمن القوات الروسية. وطلبت استلام أوراقي من إحدى السفارات الروسية في الخارج. وعليه، تم رفض طلبي من قبل إدارة التجنيس في وزارة الداخلية الروسية، ولذلك اتخذت قراري بإيقاف ملف التجنيس بشكل كامل”.

عمار جلو

عمار جلو

كاتب سوري مهتم بشؤون إيران والجماعات الجهادية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم