“الاحتفاظ بوجود محدود”.. موسكو قريبة من إبرام اتفاق مع دمشق

موسكو التي شاركت في قمع ثورة السوريين ضد نظام بشار الأسد المخلوع، وساهمت في إطالة أمد الصراع، فضلا عن دورها في تفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية بسوريا، توشك على إبرام اتفاق مع الحكام الجدد في دمشق بشأن وجودها العسكري في البلاد، بحسب تقرير أميركي. لكن ما الوجود الذي ستحافظ عليه روسيا في سوريا؟

وأفاد تقرير لصحيفة “بلومبرغ” الأميركية، اليوم الاثنين، بأن موسكو تعتزم الحفاظ على وجود عسكري محدود في سوريا، وهو هدف استراتيجي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بينما يرفضه السوريون بشدة، إذ يجدون أن موسكو هي سبب المأساة السورية المستمرة منذ نحو 13 عاما، ولولا التدخل الروسي لصالح إنقاذ نظام الأسد المخلوع، لما وصل الوضع في سوريا إلى هذا الحد.

موسكو تسعى للحفاظ على نفوذها

قالت مصادر مطلعة طلبت عدم الكشف عن هويتها لأنها غير مخولة بالحديث علنا، لوكالة “بلومبرغ“، إن موسكو على وشك التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية الجديدة، يسمح لها بالاحتفاظ ببعض طاقمها والمعدات العسكرية في سوريا.

لقاء أحمد الشرع مع الفود الروسي في العاصمة دمشق- “إنترنت”

وأشار أحد الأشخاص للوكالة الأميركية إلى أن موسكو تأمل في الاحتفاظ بنفس القواعد البحرية (ميناء طرطوس) والجوية (قاعدة حميميم باللاذقية).

وتقول الوكالة إن المتحدث باسم “الكرملين”، ديمتري بيسكوف، رفض التعليق على هذه الأنباء. رغم ذلك، ليس هناك ما يضمن أن المحادثات الحالية ستؤدي إلى اتفاق، لكن الاتصال الهاتفي الأول بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، ونظيره السوري فلاديمير بوتين، قبل أيام قليلة، قد يفضي إلى اتفاق ما.

ورأى أحد المصادر للوكالة الأميركية أن موسكو يمكن أن تساعد في القتال ضد تنظيم “داعش” الإرهابي الذي ينشط في شرق سوريا. لكن روسيا فشلت في محاربة “داعش” طوال السنوات الماضية، رغم أنها نفذت العديد من الغارات الجوية على مواقع التنظيم بالبادية السورية، بالإضافة إلى تدريب قوات خاصة للقضاء على “داعش”.

استمرار وجود روسيا مضر لسوريا

وبينما قال أحد المصادر لـ”بلومبرغ” إن استمرار الوجود الروسي يمكن أن يساعد القادة الجدد في دمشق على موازنة النفوذ التركي المتنامي، فإن استمراره ليس سوى وجود عسكري بحت، سواء من خلال ميليشيا “فاغنر” والقوات الروسية في عدة مناطق يمثلها نفوذها الاستراتيجي، مثل القواعد العسكرية في طرطوس وحميميم، وبالتالي فإن هذا الوجود سيؤدي حتما إلى استمرار السياسات المتشددة تجاه سوريا من الغرب وواشنطن، واستمرار العقوبات.

كذلك، استمرار الوجود الروسي في سوريا يُبعد سوريا عن استحقاقاتها في وضع جديد إقليميا وخارجيا، وعلى المستوى السياسي والأمني ​​والاقتصادي، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال البحث عن شركاء استراتيجيين، وتصفية السياسات القديمة ومناطق ارتباطها في الفضائين الروسي والإيراني، والمتسبب في عزلة دمشق دوليا.

ويمكن القول أيضا إن الوجود الروسي السياسي والعسكري الذي يبحث عن فرص لتعزيزه وجوده مع سلطة الشرع الجديدة بدمشق، تهدد المرحلة الانتقالية وتجعلها أمام تناقضات جمّة لا تحتملها تلك الفترة وهي تحتاج لشروط أكثر توافقية، لتجسير العلاقة بين المكونات كافة، فضلا عن علاقات طبيعية بالأوروبيين وأميركا. 

ولا تبدو جرائم روسيا في حق المدنيين بسوريا وبنيتها التحتية التي دمرتها بطائراتها أقل فداحة عن ما ارتكبه نظام الأسد المخلوع وبراميله المتفجرة. وعليه، فإن استمرار هذا التواجد يبعث بانقسام وغبن شديدين داخل المجتمع السوري الذي يسعى إلى الخروج من الحقبة السابقة، وطي صفحة الماضي، وبناء دولة طبيعية لها سيادتها، ومصالحها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يقفون لالتقاط صورة مع الجنود أثناء زيارة بوتين لقاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، سوريا، 11 ديسمبر 2017. “سبوتنيك/عبر محرري رويترز”

أما القاعدة الروسية في حميميم الجوية وطرطوس البحرية، فإنما تعكس أوضاعا غير طبيعية واستثنائية تراكم من خلالها موسكو نفوذا استراتيجيا بشرق المتوسط، وبما يمنحها فرصة لمراقبة أو مشاغلة التحركات العسكرية الغربية، ولحلف الشمال الأطلسي “الناتو”.

هذا التهديد الروسي للغرب والولايات المتحدة، يمتد إلى دول المنطقة، وبخاصة الخليج، مع احتمالية أن تكون إيران أحد الجيوب التي تشقها موسكو في إطار بناء تحالف إقليمي لمواجهة هيمنة القطب الواحد كما تروج، وتعاود تعويم وجودها بسوريا.

وعليه، تبدو الحاجة ملحة وضرورية لأن تكون أقدام سوريا ثابتة في المحيط الجيواستراتيجي الحيوي لها إقليميا، وبعيدا عن وجود روسيا التي تحشد نفوذها حول طرق التجارة والمناطق الغنية بالطاقة والموارد الطبيعية، لتهديد مصالح الغرب وحلفائه في جيوب استراتيجية متاخمة لشرق المتوسط.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم