تعهدت “الإدارة السورية الجديدة” منذ توليها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي برفع رواتب موظفي القطاع العام بنسبة 400%، ضمن استراتيجية حكومية لتحقيق الاستقرار في اقتصاد البلاد، بعد صراع وعقوبات امتدا لأكثر من عقد.
وتقدَّر تكلفة زيادة الرواتب بنحو 1.65 تريليون ليرة سورية (نحو 127 مليون دولار بسعر الصرف الحالي)، وستُمول من خزانة الدولة الحالية، ومساعدات إقليمية واستثمارات جديدة والجهود الرامية إلى فك تجميد الأصول السورية الموجودة حالياً في الخارج.
خزينة الدولة وزيادة 400% للرواتب
الحكومة السورية ربطت إقرار الزيادة في الرواتب بإجراء تقييم شامل لما يصل إلى 1.3 مليون موظف مسجل في القطاع العام، بهدف حذف أسماء موظفين وهميين من كشوف الرواتب، وهو ما سيعود بالنفع على أولئك الذين يتمتعون بالخبرات الكافية والمؤهلات الأكاديمية والمهارات اللازمة لإعادة الإعمار.

وبحسب تصريح وزير مالية حكومة تصريف الأعمال، محمد أبازيد، في كانون الثاني/ يناير الماضي، فإن المبلغ الموجود في المركزي اليوم كافٍ لفترة البناء الأولى، الشهر أو الشهرين وثلاثة شهور- فترة تصريف الأعمال.
وهو ما أكدته أيضًا حاكمة “مصرف سوريا المركزي” المكلفة بتسيير الأعمال، ميساء صابرين، بأن المصرف لديه ما يكفي من أموال لتغطية دفع رواتب موظفي القطاع العام حتى بعد الزيادة التي تعهدت بها الإدارة الجديدة بنسبة 400%.
تهدف “الحكومة السورية” من خلال تلك الخطوة تحسين دخل المواطن وتعزيز القدرة الشرائية في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات، لكن يبرز التساؤل حول جدوى تطبيقها في ظل التحديات المالية القائمة، لا سيما أن زيادة الأجور تتطلب ضخ كتل نقدية هائلة قد تؤدي إلى تضخم جديد.
ظروف اقتصادية خانقة
كان سعر صرف الليرة السورية في عام 2010 قبل الحرب التي شهدتها البلاد مستقراً نسبياً، حيث بلغ حوالي 46 ليرة مقابل الدولار، وخلال الحرب شهدت العملة انهياراً حاداً، لتصل إلى أكثر من 22000 ليرة مقابل الدولار عند سقوط نظام بشار الأسد في فجر يوم الأحد الثامن من ديسمبر 2024.
بلغ التضخم مستويات قياسية مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بأكثر من 2000 %، وفي ظل هذا الوضع انخفض دخل العاملين بشكل كبير، حيث أصبح راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 30 دولاراً شهرياً، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات كبيرة.
وفقدت الليرة السورية، 42 % من قيمتها مقابل الدولار الأميركي يوم سقوط النظام السابق، لتصل إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة بلغت 22 ألف ليرة للدولار الواحد، لكنها سرعان ما أظهرت مؤشرات تعاف مفاجئة، لتسجل مستويات 7,000 ليرة مقابل الدولار في السوق الموازي، قبل أن تعاود الانخفاض أمام الدولار عند 10,000 ليرة مقابل الدولار، وتستقر قيمتها عند 13.200 ليرة مقابل الدولار بحسب نشرة “مصرف سوريا المركزي”.
ارتفاع قياسي بالأسعار
الفترة الماضية شهدت ارتفاعًا قياسيًا في الأسعار ما أثقل كاهل السوريين، الذين بالكاد يستطيعون توفير احتياجاتهم الضرورية من رواتبهم الضعيفة، ذلك بعد أن أقرّت “حكومة تصريف الأعمال” رفع الدعم عن الخبز والمحروقات والغاز المنزلي.

وارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى 4000 ليرة سورية بعد إلغاء “البطاقة الذكية”، بينما تم رفع السعر مؤخرا بنسبة 20 بالمئة نتيجة تقليل الوزن إلى 1200 غرام بعد أن كان 1500.
هذا وارتفع أيضًا سعر الغاز المنزلي إلى نحو 12 دولارا للأسطوانة الواحدة، بعد أن كانت تباع للمواطن بسعر مخفّض، لكنها أصبحت متوفرة إلى حد ما، مقارنة بفترة ما قبل سقوط الأسد.
الحكومة لن تكون قادرة!
بدوره رأى الخبير الاقتصادي، جورج خزام، أن الحكومة الحالية أو أي حكومة أخرى لن تكون قادرة على زيادة الرواتب بقيمة 400% دفعة واحدة كما هو مُعلن، وفق منشور له على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك“.

وأوضح أن هذه القيمة تتطلب زيادة شهرية بالإيرادات الحكومية بنسبة 400% كحد أدنى وهو ما لم يتحقق بالمرحلة الحالية، مشيرًا إلى أنه إن حدث ذلك عن طريق التوجّه نحو التوسّع بطباعة العملة دون غطاء سواء بالدولار أو الذهب أو حتى التغطية السلعية عبر زيادة الإنتاج، فإن سعر صرف الدولار سوف يتضاعف ويرتفع بشكل كبير، محذرًا من تعرّض الموظفين إلى خسارة بقوتهم الشرائية في ظل رواتبهم الضعيفة.
أما إذا كان مصدر الزيادة بالإيرادات الحكومية هو الإعانات الخارجية، فأوضح أن أسعار البضائع سوف ترتفع بشكل كبير لعدم وجود تغطية لها بالإنتاج الوطني، ولأن مصدر تلك الإيرادات لم يكن عن طريق زيادة الإنتاج الوطني الذي سوف يستهلكه الشعب بما يحقق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج والتمويل لزيادة الرواتب.
حلّ وحيد أمام الحكومة
وأكد أن زيادة الرواتب 400% للقطاع العام سوف تجعل تكاليف الإنتاج مرتفعة جدًا، هذا في ظل أن جميع تلك المنتجات غير قابلة للبيع في السوق الداخلية والخارجية، لافتًا إلى أن القطاعات الخدمية أيضًا سوف تكون مضطرة لزيادة أجورها على المواطن لتوفير تلك الرواتب.
وأشار إلى أن قطاع الكهرباء على سبيل المثال، سوف يضطر إلى زيادة التعرفة الصناعية والمنزلية حتى يتمكن من تحصيل الإيرادات ليسددها في زيادة الرواتب.
الحل الوحيد لتتمكن الحكومة من زيادة رواتب القطاع العام والخاص، عن طريق خفض تكاليف الإنتاج وسعر صرف الدولار، ليس عن طريق السياسة الهدامة والفاشلة بتجفيف السيولة، وإنما عن طريق حماية وزيادة الإنتاج الوطني ودعم الصناعة والزراعة لزيادة الإنتاج القابل للتصدير والبديل عن المستورد.
الخبير الاقتصادي، جور خزام،
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

