القواعد العسكرية الروسية كحصان طروادة لتدشين سياسات الهيمنة على سوريا

مع الانفتاح الذي تظهره القيادة الجديدة في دمشق وعلى رأسها أحمد الشرع تجاه روسيا، تنبعث تخوفات عديدة، منها استمرار موسكو في دورها الذي عمد إلى الهيمنة الثقافية، وهي سياسة تماثل أنماط التغيير الديمغرافي الممنهج لإيران في مناطق نفوذها. حيث إن القوى الناعمة التي توظفها موسكو كما طهران لخلق مجتمعات موازية وتشكيل حواضن جاهزة لتأييد سياساتها والدفاع عن وجودها بل وارتباطهم بمصالح معها، ليس أمرا طارئا، بل استراتيجية مثل توظيف الدين والتعليم والفنون والثقافة.

ومن ثم، خلق شخصيات لها نفوذها في السلطة تميل بالكلية لهذا الطرف أو ذاك. وقد تردد اسم سهيل الحسن في سوريا قائد إحدى الفرق العسكرية التابعة لنظام بشار الأسد المخلوع باعتباره ضمن الخاضعين لدائرة نفوذ الروس والمستفيدين من امتيازاتها كذلك.

لا يعد الحسن استثناء بل إن هناك عدة نسخ مكررة، وبعضها كان يقع في دائرة النفوذ الإيرانية. ومن هنا، شهدت سوريا “الأسد” صراعا محتدما بين الأجهزة الأمنية تعكسه تباين المصالح وتعدد الانتماءات والولاءات على خلفية التنافس بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.

سوريا والهيمنة الروسية

ولما كانت الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، كشفت عن انحسار نفوذ إيران إقليميا، وخسارتهم الفادحة لمناطق نفوذهم في سوريا كما لبنان، وسقوط حليفهم، فإن محاولات عودة الروس أو بالأحرى الإبقاء على مكتسباتهم منذ التدخل العسكري عام 2015، وتحديدا قواعدهم البحرية والجوية في طرطوس وحميميم، وتكثيف اتصالاتهم ولقاءاتهم وآخرها الاتصال بين الشرع والرئيس فلاديمير بوتين، يؤشر إلى ما هو أبعد من استمرار للقواعد.

بحسب الأرقام الرسمية السورية، تضاعف المقبلين على تعلم اللغة الروسية بالمدارس السورية- “سبوتنيك”

وبقدر ما تحفظ تلك لموسكو هذا الاستقرار العسكري والأمني لإدارة مصالحها السياسية والجيوستراتيجية، فهي بالقدر ذاته تربك سوريا وتجعلها بعيدة عن الاستقرار أو التوازن في علاقتها مع محيطها الإقليمي، وكذا سياساتها الخارجية مع الغرب والولايات المتحدة.

ويعد التباعد بين سوريا وشركائها الإقليميين وكذا المجتمع الدولي، أمرا فادحا في ظل حاجتها الملحة والضرورية لعلاقات مع شركاء استراتيجيين، وتمكنها من الحصول على الشرعية الكاملة ورفع العقوبات، ناهيك عن ضرورة جذب استثمارات عربية وخليجية وأوروبية لإعادة الإعمار وخلق فرص اقتصادية وتنموية عديدة.

غير أن الوجود الروسي والحال هكذا يؤزم من حدوث تلك الانفراجة. فالبيئة الاجتماعية والسياسية يتعين أن تكون بها شروط الانفكاك من نمط النظام القديم “البعثي” وما راكمه من سياسات وحلفاء وظيفيين وبراغماتيين، وبرزت في التدخل الروسي الذي حقق نفوذا ثقافيا بقدر ما انتشر عسكريا، وتغلغل من خلال فرض اللغة في التعليم ونشر المراكز الثقافية لتمتد تأثيراته في الأنشطة الفنية والإعلامية، وهي استراتيجية طويلة المدى تتفوق حتى على البقاء العسكري.

وتعلم اللغة وتقديم المنح الدراسية للطلاب السوريين، تكون عبارة عن وسائط خفية ومستترة لنقل وتعميم المصالح الروسية، فضلا عن قيمها وأفكارها، ومنها العداء للغرب وواشنطن، كما تحمل مناهجهم التعليمية ووسائل إعلامهم الرسمية، كما برزت المصائد الروسية للطلبة من دول الشرق الأوسط بدعوى التعليم ثم تعبئة بعضهم في القوات الروسية والانخراط في الحرب ضد أوكرانيا.

التغلغل الروسي عبر وسائل عدة

التغلغل الروسي في سوريا عبر الثقافة والتعليم إلى جانب حشودها وقواعدها العسكرية، هو جزء من استراتيجية موسكو طويلة الأمد لتعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة. فمن خلال البرامج الدراسية والتعليم، ووسائل الإعلام، ودعم الفنون، وحتى ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الدينية، تخلق روسيا البوتينية ارتكازات البقاء والانتشار والنفوذ بالمجتمع السوري، مما يضمن لها حواضن أو قوى تؤمن وتحافظ على مصالحها حتى لو افترضنا انتهاء الوجود العسكري المباشر.

مع كل هذه الروابط المختلفة والشبكات التي تتغذى على المصالح والمنفعة السياسية المباشرة، تواصل موسكو تعميق ارتباطاتها على مستوى الاستثمارات والمال، والتي تجعل من سوريا رهينة القروض والمديونيات المتراكمة، وقد “كانت هناك عدة صفقات تجارية واسعة تم إبرامها مع نظام الأسد من خلال عقود تقييد واستغلال للموارد الوطنية والتي تضع سوريا تحت ديون سيادية متراكمة تضمن بقاءها رهينة اقتصاديا إلى أجل غير مسمى بسبب تراكم العقوبات على تأخير السداد، بالإضافة إلى ارتفاع الفوائد وتراكمها. وتتخذ تلك العقود أشكال شتى”، كما يوضح “معهد واشنطن“.

المد الثقافي والتعليمي يكاد لا يختلف عن انتشار القواعد العسكرية. وذلك كله يفاقم من تبعات ومخاطر التقارب المتنامي بين موسكو ودمشق، والتحديات المستجدة، حيث إن الإبقاء على القواعد العسكرية الروسية، تبدو مثل حصان طروادة الذي ستنطلق منه، ربما، السياسات ذاتها.

ومن أمثلة ذلك، “عقود الإذعان” مع النظام السوري السابق حيث منحت موسكو قروضا كبيرة مشروطة بتفعيل شركات روسية حصرا مملوكة من قبل شخصيات مقربة من الرئيس الروسي بوتين ومدرجة تحت العقوبات الدولية بسبب ضلوعها في الأزمة الأوكرانية ومن مرتكبي جرائم حرب في سوريا.

فضلا عن “قروض التصدير” بحسب المعهد الأميركي، والتي فرض فيها روسيا بشكل قسري -وتم ترتيب ذلك بسرية- قروضا على النظام البائد تحت شرط مُلزم باستيراد وشراء بضائع من روسيا حصرا ووفق الأسعار التي تحددها والتي تتجاوز وترتفع عن أسعار السوق العالمي وتُستخدم فيها العملة الروسية الروبل.

بالإضافة إلى ممارسات سياسية مشبوهة سبق للروس أن نفذوها مع النظام الأسدي المخلوع، لمراكمة الثروة والنفوذ، وذلك من خلال تدشين عقود للنفط مع شركات وهمية تدخل بشكل غير شرعي تحت مسمى شركات حماية (فاغنر) ويمنحها نظام “الأسد” 25 بالمئة ؜من واردات آبار النفط التي استعاد السيطرة عليها لصالحه.

إحدى المدارس في سوريا- “إنترنت/تصميم الحل نت”

وهناك أمثلة عديدة تؤكد أن سياسات الهيمنة الروسية سواء عبر الثقافة والتعليم والدين لا تختلف عن العسكري والسياسي. فالقوة الناعمة مثلها مثل القوة الخشنة، وجميعها وسائط لأهداف استراتيجية تحقق التخادم السياسي لروسيا ومصالحها عبر الروابط المتاحة كافة.

استراتيجية الهيمنة الروسية

منذ عام 2015، ارتكزت السياسة الروسية على نهج متوازي المسار، كما يوضح “مركز المستقبل”، وتمثل في استراتيجيات القوة الذكية (Smart Power)؛ وهي مزيج من الاستراتيجيات المتبعة في القوتين الناعمة والصلبة، استطاعت روسيا من خلالها الجمع بين الوجود العسكري على الأراضي السورية عبر قاعدة حميميم الجوية، والوجود الثقافي من خلال تدريس اللغة والثقافة الروسية؛ وذلك لفتح آفاق جديدة من التغلغل والهيمنة الثقافية.

ومن ثم منذ أن تدخلت روسيا عسكريا في الحرب السورية لصالح نظام بشار الأسد المخلوع؛ فإنها حاولت تثبيت أقدامها بصورة متدرجة وغير تقليدية، من خلال مأسسة تدريس اللغة والثقافة الروسية في التعليم الحكومي السوري.

وتوزعت عدة أهداف داخل شبكة الأهداف الروسية أو بالأحرى وسائطها المختلفة، الناعمة والخشنة، فمع عام التدخل الروسي لسوريا أقرت وزارة التربية السورية اللغة الروسية كلغة ثانية رسميا ضمن اللغات الأجنبية في التعليم السوري.

ويقول “مركز المستقبل” إنه “ربما سعى النظام السوري السابق لتوفير دعم شعبي للروس على الأراضي السورية من خلال مأسسة تعليم اللغة الروسية في المدارس الحكومية، فضلا عن رفع مستوى التعاون بين وزارتي التربية في البلدين، في سبيل التعرف أكثر على ثقافة الحليف العسكري الأول لدمشق”.

يُضاف إلى ما تقدم، الحاجة الماسة منذ الأيام الأولى لوجود القوات الروسية على الأراضي السورية، لتعلُم اللغة الروسية بين الفرقاء في سوريا من معسكري النظام والمعارضة، خاصة المصطلحات الخاصة بسلاح الجو والعمليات الحربية أثناء اشتداد المواجهات؛ لأن القوات الروسية كانت حاضرة بقوة في تلك المواجهات، ومن ثم فإن تعلم اللغة الروسية كان هو السبيل الفعّال لإحراز تقدم على الأرض، واستكشاف الخطط والتحركات التي كانت موسكو طرفا حاسما فيها.

من افتتاح مركزي تعليم ودمج لذوي الاحتياجات الخاصة في ريف دمشق- “سبوتنيك”

ويردف: “وفي السنوات القليلة الماضية، كانت هناك مشروعات اقتصادية روسية واسعة النطاق في سوريا؛ خاصةً في مجال البنية التحتية وإعادة الإعمار، كما في إعادة بناء ميناء طرطوس، وتحديث مصنع إنتاج الأسمدة في حمص، وترميم عديد من حقول النفط والغاز، فضلا عن توقيع 40 اتفاقية خلال اجتماع الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الأسد في آذار/مارس 2023؛ استهدفت قطاعات محورية تشمل الطاقة والكهرباء والنفط والبنية التحتية والإسكان والتنمية الصناعية؛ وهي مشروعات تتطلب في مجموعها وجودا روسيا، تستمر معه الحاجة لدراسة اللغة والثقافة الروسية؛ خاصةً أن مثل هذه المشروعات طويلة الأمد”.

إذاً، إدارة روسيا لمواردها المختلفة يضاعف من تأثيراتها في سوريا كما الإقليم. فالمد الثقافي والتعليمي يكاد لا يختلف عن انتشار القواعد العسكرية. وذلك كله يفاقم من تبعات ومخاطر التقارب المتنامي بين موسكو والحكام الجدد في دمشق، والتحديات المستجدة، بناء على الوضع ما بعد “الأسد”، حيث إن الإبقاء على القواعد العسكرية الروسية، تبدو مثل حصان طروادة الذي ستنطلق منه، ربما، السياسات ذاتها.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم