تشهد سوريا منذ الخميس الماضي، وتحديدًا في مناطق الساحل السوري حالة من الاضطرابات المتزايدة تنذر بالعودة إلى عدم الاستقرار والفوضى من جديد، في الوقت الذي تمر فيه البلاد بتحديات اقتصادية كبيرة.
وفي ظل واقع يسوده الفقر بين الأسر السورية بسبب سنوات النزاع وتدهور الاقتصاد وارتفاع كُلفة المعيشة، حيث يعيش نحو 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات أممية، تزايدت الآمال بعد سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بأن تتحسن أحوالهم المعيشية التي تردت طوال سنوات حكم الأسد، خاصة مع بوادر تخفيف العقوبات الغربية عن سوريا.
أحداث الساحل السوري.. محطة مفصلية
لكن بعد مرور ثلاث أشهر على سقوط الأسد والتحول العميق الذي تشهده سوريا، سرعان ما تحولت تطلعات السوريين إلى خيبة أمل مريرة بسبب الاضطرابات الأخيرة التي تنذر بانفجار العنف وعودة الصراع من جديد في البلاد.
وتشهد منطقة الساحل غرب سوريا، منذ الخميس الماضي، اقتتالا داميا، اعتبر الأعنف في سوريا منذ الإطاحة بنظام الأسد، أدى إلى مقتل نحو 745 مدنيا قتلوا في ما يقرب من 30 “مجزرة” استهدفت العلويين يومي الجمعة والسبت، بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان” الذي يتخذ من بريطانيا مقرا له.

ذلك بعد هجوم مُنسق وتصعيدًا من جانب الموالين لنظام الأسد ضد الإدارة الجديدة في سوريا، وتطورات ميدانية أدت إلى سقوط ثلاث محافظات رئيسية على الساحل السوري – اللاذقية، طرطوس، وريف حماة الغربي – بيد قوات ما يُعرف بـ”المجلس العسكري السوري لتحرير سوريا” ومجازر ترتكب بحق مدنيين.
ما يحدث في الساحل السوري ليس حدثا عابرا، بل يعد محطة مفصلية في مسار سوريا الجديدة، خاصة بعد أن وجهت أصابع اتهام إلى “الإدارة الجديدة في سوريا” بقتل مدنيين، وارتكاب مجازر طائفية، بحسب ما اتهامات المرصد وما تم الترويج له على مواقع التواصل الاجتماعي.
وزعمت مجموعة مراقبة الحرب أن قوات الأمن السورية قتلت مئات المدنيين المنتمين إلى الأقلية الدينية العلوية في أعمال عنف مستمرة على طول ساحل البلاد، وأفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” بأن قوات الأمن الحكومية أعدمت نحو 125 مدنياً في شمال غرب سوريا خلال المعركة مع قوات موالية لنظام الأسد المخلوع.
تأكيد التخوفات الدولية
الاتهامات الموجهة إلى الإدارة الجديدة والرئيس المؤقت أحمد الشرع، بقتل المدنيين واستهداف العلويين وكذلك المجتمع المسيحي اللذان يمثلان أقلية بالمجتمع السوري، أعادت من جديد الحديث عن ارتباطه بتنظيم القاعدة، حيث تصنف “هيئة تحرير الشام” على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول، ما يمثل تخوفًا دوليًا وإقليميًا بهذا الشأن.
في هذا السياق، أشارت قناة “فوكس نيوز” الأميركية، إلى تحذير مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، من استيلاء الإرهابيين على السلطة في سوريا، وألمحت أنه أصبح حقيقة بعد الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل السوري، بتقرير عنوانه “تحذير تولسي جابارد لمجلس الشيوخ بشأن سوريا يثبت نبوءتها في ظل قيام النظام المرتبط بالقاعدة بذبح الأقليات”.
ومنذ كانون الأول/ ديسمبر، سعى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والسياسيون الأوروبيون والدبلوماسيون من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن السابقة، إلى استمالة الشرع من خلال تخفيف العقوبات والعلاقات الدبلوماسية.
وتهدد الأحداث الجارية ما حققته الإدارة السورية برئاسة الشرع من تحسن بالواقع السوري على مدار الشهرين الماضيين، خاصة فيما يتعلق بالانفتاح على الدول الغربية وتخفيف العقوبات المفروضة منذ عهد الأسد، والتي تم ربطها بشروط تتعلق بالأقليات، وكذلك إفشال محاولاته تطمين العالم بأن بلاده لن تكون مصدر إزعاج لأحد.
شروط تخفيف العقوبات
رهن الاتحاد الأوروبي مسألة تخفيف العقوبات عن سوريا بشرط إحداث إصلاحات سياسية، أبرزها إشراك الأقليات في العملية الانتقالية، والتزام دمشق بتعهداتها المتعلقة بعدم إثارة المشاكل مع جيرانها أو تصدير أي شكل من أشكال القلاقل إليهم.
وهدد الاتحاد الأوروبي بالعودة عن أي رفع أو تعليق للعقوبات على دمشق إذا ما أخلت الأخيرة بتعهداتها، وغلبت على حكامها الجدد نزعتهم العقائدية التي ودوا لو أخفوها في زاوية منسية من التاريخ، كما يرى الكثير من المراقبين.

وشددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، خلال لقائها بوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، على هامش اجتماع الرياض بشأن سوريا في كانون الثاني/ يناير الماضي، على ضرورة أن تضمن الإدارة الجديدة في سوريا حماية جميع الأقليات.
وأوضحت كايا كالاس عبر بيان نشرته على حسابها في منصة إكس، أنه يجب على الإدارة الجديدة في سوريا أن تبدأ بعملية انتقالية سلمية وشاملة تضمن حماية جميع الأقليات، منوهة إلى أن ذلك شرطًا حتى يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي كيفية تخفيف العقوبات.
وفي 24 شباط/ فبراير الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي تعليقًا للعقوبات المتعلقة بقطاعات الطاقة والبنوك والنقل. وأوضح مجلس الاتحاد، في بيان، أنه قرر “تعليق الإجراءات التقييدية في قطاعي الطاقة بما في ذلك النفط والغاز والكهرباء والنقل”.
إدانة غربية لأحداث الساحل
إلى ذلك، دانت الخارجية الفرنسية السبت “بأكبر قدر من الحزم” التجاوزات بحق المدنيين على خلفية طائفية في سوريا. ودعت في بيان “السلطات السورية الانتقالية إلى ضمان إجراء تحقيقات مستقلة تكشف كامل (ملابسات) هذه الجرائم، وإدانة مرتكبيها”.
أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات الأخيرة في المناطق الساحلية في سوريا، فضلا عن أي عنف ضد المدنيين، داعيا إلى حماية المدنيين في جميع الظروف وفقا للقانون الإنساني الدولي
ودعا الاتحاد في بيان له القوى الخارجية إلى احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها بشكل كامل، مستنكرا “جميع أشكال العنف ضد المدنيين، مشددًا على رفضه لأي محاولات تهدف إلى تقويض الاستقرار في البلاد أو عرقلة فرص تحقيق انتقال سلمي دائم.
نسف التقدم بتخفيف العقوبات
تطلع السوريون أن يسهم قرار تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا في تسريع النمو الاقتصادي، ما يساعد على تنشيط الدورة الاقتصادية وتحفيز الإنتاج وكذلك تعزيز قطاع الخدمات وجذب الاستثمارات الخارجية، ما يعزز الانتعاش الاقتصادي في البلاد.
لكن من شأن ممارسات الحكومة السورية الحالية أن تنسف كل التقدم الذي حققناه خلال شهرين كسوريين في الخارج، بحسب ما أكد الباحث في معهد الشرق الأوسط للدراسات ومدير الأبحاث في مركز السياسات وبحوث العمليات، كرم الشعار.

وأضاف الشعار، أن تلك الممارسات أضعفت مشروعية المطالب السورية برفع العقوبات الأحادية الجانب بشكل فوري وغير مشروط، وتعليق العقوبات المرتبطة بالإرهاب بالكامل مقابل الالتزام المبدئي بأسس الحكم المدني العادل.
وبحسب منشور له على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك”، رأى الشعار، أن الرئيس المؤقت أحمد الشرع يمكنه أن يحوّل كارثة المجزرة التي تجري الآن بحق العلويين إلى فرصة من خلال خطاب قلبي للسوريين يغطي عدة نقاط، من بينها:
الاعتراف بالانتهاكات الطائفية واسعة النطاق وتحمله جزءًا من المسؤولية عنها بصفته القائد العام للجيش والأجهزة الأمنية.
نبذ العنف والتأكيد على المواطنة كأساس للعيش المشترك، مع تجديد رفض استخدام الانتماءات الدينية والعرقية الضيقة كمحددات للمحاسبة لا سيما خارج القانون.
التعهد بمحاسبة جميع منتهكي حقوق الإنسان بمن فيهم المسؤولون عن التحريض على العنف، وكذلك أولئك الذين دعوا إلى حراك عسكري منظم ضد الدولة السورية، باعتبارهم مسؤولين مباشرين عن الانفجار في العنف.
واختتم مؤكدًا أنه إذا كانت هذه الرسائل صادقة، فإنها تعزز موقف الشرع على الساحة الدولية وتحوّل الكارثة إلى فرصة، كما ستزيد من شعبيته في الداخل والخارج، أما البديل فهو كارثة حقيقية.
محاسبة المتجاوزين
من جانبه طالب الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطاب له بوقت متأخر من مساء الجمعة، قوى الجيش والأمن في سوريا بـ “حماية المدنيين”، وعدم السماح لأحد بـ “التجاوز والمبالغة في رد الفعل”.
تعهد الرئيس الشرع بمحاسبة “كل من يتجاوز على المدنيين العزل”، مشدداً على أن أهالي الساحل السوري جزء من مسؤولية الدولة، ومؤكداً أن الدولة “ستبقى ضامنة للسلم الأهلي ولن تسمح بالمساس به”.
وقال إنه في حين يؤيد الحملة الأمنية، فإنه ينبغي على قوات الأمن “عدم السماح لأحد بالتجاوز والمبالغة برد الفعل… ما يميزنا عن عدونا هو التزامنا بمبادئنا”.
وقال مصدر في وزارة الدفاع السورية، السبت، إن الوزارة شكلت لجنة طارئة لرصد المخالفات، وإحالة المتجاوزين لتعليمات القيادة خلال العملية العسكرية والأمنية الأخيرة في منطقة الساحل السوري إلى المحكمة العسكرية، حسبما أوردت وكالة الأنباء السورية “سانا”.
ضرورة رفع العقوبات تجنبًا للفوضى
هذا وأشار تقرير نشرته مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، إلى أن استمرار العقوبات الغربية المفروضة على سوريا قد يؤدي إلى انهيار الدولة بالكامل، محذرًا من أن هذا الانهيار قد يتسبب في موجات جديدة من الفوضى والتطرف قد تمتد إلى الدول المجاورة، مما سيؤثر على استقرار المنطقة بأسرها.
وأوضح التقرير أن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، الذي كان في السابق قائدًا عسكريًا في “هيئة تحرير الشام”، يقود البلاد في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكنه لم يقدم حتى الآن وعودًا واضحة بشأن الديمقراطية أو طبيعة النظام السياسي المستقبلي.

وأكد التقرير أن إبقاء العقوبات دون تعديل قد يدفع البلاد نحو سيناريو أكثر خطورة، حيث قد تندلع موجات جديدة من العنف، أو تستفيد الجماعات المتشددة من تردي الأوضاع لزيادة نفوذها. كما لفت التقرير إلى أن إسرائيل تسعى لفرض منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق، خشية تداعيات أي انهيار محتمل للدولة السورية.
وأكد التقرير أن رفع العقوبات لا يعني تقديم شيك على بياض للقيادة السورية الجديدة، بل يجب أن يكون مشروطًا بإصلاحات واضحة، مع إمكانية إعادة فرضها في حال انحرفت البلاد عن مسارها نحو الاستقرار.
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي

